شهدت فعاليات «القمة العالمية لطاقة المستقبل 2015» في دورتها الثامنة ختاماً قوياً أمس ونجاحاً وإقبالًا فاقا التوقعات بعد أن استمرت أربعة أيام برعاية الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة..

فيما أكد متحدثون بأقطاب صناعة الطاقة المتجددة والنظيفة وتكنولوجيا استخراج وتحلية المياه وإعادة التدوير العالمية والإقليمية مشاركون في الحدث الأهم والأضخم من نوعه بالمنطقة إبرام عقود ضخمة وتجديد المزيد من الاتفاقات خلال أعمال القمة.

وزار المعرض عدداً من كبار المسؤولين في الدولة ومن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والدول العربية بصفة عامة أعربوا عن ارتياحهم للمشاركة الكبيرة لمختلف القطاعات الاستثمارية والهندسية وشركات التطوير النفطي والغازي والمؤسسات المعنية بالطاقة المتجددة من دول العالم في المعرض الأمر الذي عزز من نجاحه على مختلف الصعد.

وحققت الدورة الحالية مشاركة قياسية فاقت التوقعات من قبل مئات الشركات في القمة فيما ارتفع عدد زوار المعرض بصورة ملحوظة.

مكانة

وأكد مسؤولون وخبراء مشاركون أن القمة تعزز مكانة وموقع أبوظبي عالمياً ودولة الإمارات كدولة تتبنى الطاقة النظيفة وتعمل في المحافظة على البيئة والاستخدام الأمثل للطاقة الجديدة من خلال إنشاء المدن الصديقة للبيئة الخالية من الكربون مثل مدينة مصدر.

وأضافوا أن التحديات والمشاكل التي تواجه العالم حالياً كثيرة ومتشعبة متوقعين أن يرتفع حجم الاستثمارات في قطاع الطاقة المتجددة بنسبة 17 % خلال عام 2015 ..

وأشار الخبراء إلى أهمية قضية الطاقة الكامنة في قلب الأرض واستغلالها بصورة اكثر احتراماً وضرورة إعادة النظر في طريقة استغلال الطاقة التقليدية وإعادة التفكير في إيجاد البدائل الأخرى لإثراء البشرية. مؤكدين أن طاقة الهواء والمياه والشمس والوقود العضوي والطاقة البديلة عموماً أصبحت تعطي الكثير من الحلول العملية حالياً وتمضي قدماً صوب التطور في العديد من دول العالم المتقدم.

وطالب الخبراء رجال الأعمال في كافة دول العالم بالقيام بمسؤولياتهم وقبول التحدي والمخاطرة في مجال الابتكار والتطوير للطاقة البديلة مطالبين الجهات الحكومية بتشجيع البحوث والدراسات في مجالات الطاقة النظيفة ودعمها مالياً لتكون أكثر تنافسية وفعالية.

وأكدوا أن القمة العالمية لطاقة المستقبل 2015 شكلت منتدياً عالمياً فريداً من نوعه فضلاً عن واقعيته في المناقشات والحوارات العلمية، مشيرين إلى أن مناقشات القمة في أبوظبي أظهرت أن التغير المناخي يمكن أن يتوقف وأن الوضع السيئ للبيئة في العالم يمكن أن يتحسن من خلال مجموعة أفكار وخطوات جديدة وجادة.

تجربة

وأشاروا إلى أن تجربة مدينة مصدر أصبحت مفخرة ومثلاً يحتذى به في كل قارات العالم مؤكدين أنه منذ انعقاد القمة الأولى للطاقة المتجددة في أبوظبي في يناير عام 2008 تطورت أوضاع كثيرة..

وأصبح النقاش في العالم لا يدور حالياً حول ما إذا كان العالم في حاجة لمثل هذه الطاقة أم لا بل أصبح النقاش يدور حول اهمية إيجاد مصادر جديدة للطاقة البديلة وتطوير المصادر القائمة حالياً وتحقيق مزيد من الخفض في تكلفة الطاقة المتجددة..

مشيرين إلى أن الإمارات أصبحت القاطرة الرئيسية لقيادة التوسع في قطاع الطاقة النظيفة ليس إقليمياً فحسب ولكن على المستوى الدولي باعتبارها داعماً رئيسياً للأبحاث وتشجيع الاستثمارات في هذا القطاع الواعد.

وأكد ناجي حداد مدير معارض القمة العالمية لطاقة المستقبل والمياه وتدوير النفايات بأسبوع أبوظبي للاستدامة النجاح الكبير للأسبوع حيث شهد إضافات جديدة من أهمها تضمين حفل الافتتاح الرسمي لجائزة زايد لطاقة المستقبل وإعلان أسماء الفائزين خلاله، وذلك لأول مرة بما منح الجائزة زخماً عالمياً جديداً ودعماً رسمياً ..

إضافة إلى إقامة سباق للسيارات الشمسية لأول مرة بأبوظبي، وكذلك وجود الطائرة سولار انبلس وانطلاقها في رحلة من أبوظبي علماً بأن نهاية رحلتها ستكون في أبوظبي أيضاً شهدت الدورة الحالية إيجاد منصة للابتكار في القمة العالمية للمياه تعرض أحدث الابتكارات، وشهدت منصة الابتكار منافسة قوية بين 15 متسابقاً من دول عديدة قدموا أفكارهم للجنة تحكيم مختصة حيث تم اختيار 3 فائزين منهم.

مشاركة قوية

وأشار إلى أن الدورة الحالية تميزت أيضاً بمشاركة قوية من طلبة المؤسسات التعليمية وخاصة الجامعية موضحاً أن المؤسسات التعليمية سواء جامعات أو مدارس كانت حاضرة بقوة خلال الدورة الحالية وبلغ عدد الطلبة المشاركين في الأسبوع نحو 3000 طالب وطالبة اطلعوا على أحدث مستجدات مشاريع الطاقة المتجددة في العالم وفي هذا الصدد تحقق نجاح كبير تمثل في نشر الوعي بأهمية الطاقة المتجددة بين أوساط المجتمع ومن أهمها المدارس والجامعات.

وقال «تواصلنا مع أكثر من 100 مدرسة وجامعة وشهد الأسبوع وجود منصات متخصصة لعدد من الجامعات على مستوى الدولة مثل جامعة خليفة والسوربون وجامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا.

وأعلن ناجي الحداد أن الدورة المقبلة ستنعقد خلال الفترة من 18 إلى 22 يناير 2016 موضحاً أن القمة العالمية لطاقة المستقبل لعام 2016 سوف تشهد عدة إضافات جديدة منها التركيز على الطاقة الشمسية بتخصيص جناح كامل لها بجانب المدن الذكية باعتبارها مدن المستقبل وما بها من مبان ذات مواصفات خاصة إضافة إلى التركيز على الابتكار في قطاع الطاقة المتجددة وأهم التقنيات في مجال الاستدامة للعام المقبل.

وقال «سيكون على رأس أولوياتنا كشركة منظمة إعطاء مساحة أكبر عاماً بعد آخر للابتكار وهو ما سيظهر جلياً في الدورة المقبلة».

ونوه الحداد بأنه تم حجز مساحة لا تقل عن 50% من مساحة موقع القمة المقبلة في مركز أبوظبي الوطني للمعارض مشيراً إلى أنه من المتوقع أن يتم حجز النسبة المتبقية في وقت قياسي للغاية.

وتركزت النقاشات في جلسات عمل القمة حول الاجراءات اللازم اتخاذها لإيجاد توازن بين الطلب على الطاقة والمقتضيات الاجتماعية والاقتصادية لتعزيز البنى التحتية للطاقة لدفع النمو الاقتصادي والحفاظ على البيئة لضمان تنمية مستدامة وشاملة والجوانب الاستثمارية للطاقة المتجددة وأحدث التقنيات في مجال توليد الطاقة المتجددة والقطاع الصاعد لتخزين الكربون وحبسه..

فضلاً عن فرص العمل المتنامية في قطاع الطاقة وقضايا تتعلق بالهندسة والتصاميم المستدامة حيث ناقش المشاركون الجوانب الاجتماعية والسياسية والثقافية المتصلة بتحول المجتمعات الإنسانية إلى مجتمعات منخفضة الانبعاثات الكربونية ومناقشة الدروس المستلهمة من المشاريع الكبرى التي تجسد الاستراتيجيات المستدامة وتقنيات طاقة المستقبل وأفضل الممارسات.

وتكثفت أنشطة المشاركين على مناقشة الحلول المتطورة في مجال الطاقة الشمسية والوقود الحيوي وطاقة الرياح وتقنيات الطاقة الحرارية وحلول الطاقة للمباني الخضراء..

حيث أظهرت المناقشات أن اعتماد تقنيات العدادات الذكية التي تتيح إمكانية مراقبة استهلاك الكهرباء والشبكات بين المنشآت والمستهلكين تعتبر عنصراً استراتيجياً مهماً للتخفيف من الطلب على الطاقة وتقليل الأثر البيئي على الطبيعة في المناطق الحضرية..

مؤكدة أن أهمية العدادات الذكية لا تمكن شركات المرافق من تحديد توجهات الاستهلاك التي يستندون إليها في إعداد استراتيجيات إدارة الطلب فقط بل وتمتد لتشمل تفعيل التواصل مع المستهلكين وتعريفهم بسبل أكثر كفاءة لاستخدام موارد الطاقة.

وأظهرت المناقشات أن هناك العديد من العوائق أمام اعتماد العدادات الذكية في منطقة الشرق الأوسط منها التكلفة العالية للتركيب والبنية التحتية القديمة للاتصالات ونقص التشريعات الضرورية ولا سيما في البلدان التي تعتمد على دعم الطاقة مشيراً إلى أن هيئة مياه وكهرباء أبوظبي أنجزت بالكامل المرحلة الأولى من اعتماد العدادات الذكية للكهرباء والماء وساهم وجود التشريعات والقوانين الرسمية المناسبة بشكل رئيسي في قرار الهيئة اعتماد هذه التقنية المتطورة.

وأكد الخبراء أن النمو المتوقع لحجم الطلب على الطاقة والحاجة إلى التلائم مع التوسع في إمدادات الطاقة المتجددة سيمهدان الطريق لاعتماد تقنيات أكثر استدامة.

الطاقة الشمسية

يوضح تقرير آيرينا أن أسعار الطاقة الشمسية الضوئية انخفضت بنسبة 80% منذ عام 2008 ومن المتوقع لها أن تستمر بالانخفاض مستقبلاً . مشيراً إلى أنه في عام 2013 نجحت الطاقة الشمسية التجارية بمضاهاة شبكات الطاقة العامة في إيطاليا وألمانيا وإسبانيا وقريباً في المكسيك وفرنسا وتزداد قدرة الطاقة الشمسية الضوئية تدريجياً على المنافسة دون دعم..

حيث من المتوقع مثلاً أن يبيع حقل توليد الطاقة الشمسية الجاري إنشاؤه في تشيلي بطاقة 70 ميغاواط إنتاجه في السوق الوطنية الفورية، وأن يدخل بمنافسة مباشرة مع الكهرباء التي يتم توليدها من الوقود الأحفوري ..

كما انخفضت تكلفة طاقة الرياح في المناطق البرية بنسبة 18% منذ عام 2009 مع تراجع تكلفة التوربينات بنحو 30% منذ عام 2008 ما يجعلها أرخص مصدر للكهرباء الجديدة ضمن نطاق واسع ومتنامٍ من الأسواق ..

ويتم الآن استخدام طاقة الرياح في أكثر من 100 بلد حول العالم ومن المتوقع أن ينتشر استخدام طاقة الرياح البحرية لانخفاض أسعارها، حيث تصدرت المملكة المتحدة السوق بطاقة قدرها 4.2 غيغاواط من الطاقة المركبة خلال عام 2014.

خارطة طريق لتلبية احتياجات العالم من الطاقة المتجددة

ووضع التقرير المؤسسي الأول الذي أطلقته الوكالة الدولية للطاقة المتجددة «آيرينا» حول «إعادة النظر في الطاقة» والذي تم تداوله خلال القمة وضع خارطة طريق عالمية يمكن أن تلبي الاحتياجات المتنامية للعالم من الطاقة المتجددة بتكلفة أقل فضلاً عن دورها في الحد من ظاهرة الاحتباس الحراري.

ويشير التقرير إلى أن طلب الدول والشعوب والمستهلكين بصفة عامة يأتي على رأس أسباب التحول الذي يشهده عالم الطاقة وكذلك الأهداف الرامية إلى تعزيز أمن الطاقة والحاجة لبناء مستقبل مستدام فخلال الأعوام الأربعين الماضية ارتفع عدد سكان العالم من 4 إلى 7 مليارات نسمة مع اتساع الطبقة المتوسطة وتنامي مستويات العيش في المدن.

ويوضح أن توليد الطاقة الكهربائية خلال هذه الفترة سجل نمواً تخطى 250% مع توجه حتمي نحو استمرار هذا النمو مستقبلاً وفي عام 2030، سيتجاوز عدد سكان العالم 8 مليارات نسمة منهم 5 مليارات سيعيشون في المجتمعات الحضريّة ومن المتوقع أن يزداد إنفاق الطبقة المتوسطة بما يتجاوز الضعف ليرتفع من 21 تريليون دولار أميركي عام 2010 إلى 56 تريليون دولار بحلول عام 2030 ومن المرجح أيضاً أن يزداد توليد الكهرباء في العالم بنسبة 70% ليرتفع بذلك من 22.13 ألف تيراواط في عام 2011 إلى 37 ألف تيراواط في عام 2030.

ويشير إلى أن هذه الطاقة لا تأتي دون مقابل فمخاطر تغير المناخ ناجمة عن ارتفاع تركيز الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي ما يستدعي تضافر الجهود العالمية لخفض هذه الانبعاثات الضارة وإذا استمر الأداء بنفس الوتيرة الحالية فلن يكتب النجاح لهذه الجهود..

حيث إن متوسط كثافة الانبعاثات الناتجة عن توليد الكهرباء لم يتغيّر إلا بنسبٍ ضئيلة خلال السنوات العشرين الماضية ولسوء الحظ قوبلت مزايا انتشار الطاقة المتجددة والوقود الأحفوري منخفض البصمة الكربونية مثل الغاز الطبيعي بمحطات ذات كفاءة أقل وبمعدل استخدام مرتفع للفحم حيث سيبقى تخفيف آثار تغير المناخ حلماً صعب المنال ما لم يتم العمل على زيادة حصة الطاقة المتجددة في المزيج العام للطاقة.

قلق متزايد

ويوضح أن هناك قلقاً متزايداً من الآثار الصحية المباشرة لحرق الوقود الأحفوري خصوصاً أن الاقتصادات سريعة النمو تواجه تدهوراً سريعاً في جودة الهواء وارتفاعاً حاداً في أمراض الجهاز التنفسي وقد وجدت «وكالة حماية البيئة الأميركية» مؤخراً أن اعتلال الصحة الناتج عن استخدام الوقود الأحفوري يكبّد الاقتصاد المحلي بين 362 و887 مليار دولار سنوياً ..

فيما أكد «اتحاد البيئة والصحة» التابع للاتحاد الأوروبي أن الانبعاثات الناتجة عن محطات الطاقة العاملة بالفحم تكلف مواطني الاتحاد ما يصل إلى 42.8 مليار يورو على شكل تكاليف صحية سنوياً ويزداد سعي البلدان إلى خفض اعتمادها على الوقود الأحفوري المستورد ..

ومن خلال تقليص واردات الطاقة تطمح هذه البلدان إلى تحقيق استقلالية أكبر في هذا المجال بما يساعد على تلافي مخاطر انقطاع الإمدادات في ظروف الصراعات أو الكوارث وتجنّب ارتفاع أسعار الطاقة وتقلبات الأسعار.

ويشير التقرير إلى أن هذه التوجهات تؤكد ضرورة إحداث تغيير ملموس فقد ساهم الوقود الأحفوري في توفير الطاقة خلال الثورة الصناعية الأولى ولكن وحتى في العصر الحديث لا نزال نواجه مسائل تتعلق بمدى تأثير استخدام الزيت الحجري والغاز على صحة وسلامة الانسان والساحة مهيأة الآن لعصر من الطاقة المتجددة الحديثة رخيصة التكلفة التي يمكن استخدامها بصورة واسعة ومستدامة.