أكد خبراء وقادة رأي في تونس أن الإرهاب هو الخطر الأكبر الذي يعيق التنمية والتقدم في العالم العربي، وأشاروا إلى أن مواجهته تتطلب إطاراً اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وتعاوناً بين الدول والقارات. وقالوا إن الإمارات اتخذت خطوات استباقية لمواجهة مخاطر الإرهاب العالمي عندما عرّت أهداف الجماعات والتنظيمات الإرهابية وأساليب عملها وتحركاتها..
وكانت سبّاقة في تصنيف قائمة تضم منظمات وجماعات متطرفة ومتشددة في المنطقة والعالم كمنظمات إرهابية، وأعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة يوم 15 نوفمبر الماضي قائمة تضم 83 منظمة وجماعة وحركة، صنفتهم بأنهم «تنظيمات إرهابية»، من بينهم «داعش»، والإخوان، و23 جماعة من سوريا، و14 من أوروبا.
تحولات

أوضح الخبير التونسي في علم الاجتماع هشام الحاجي أن تحولات اجتماعية ما فتئت تشهدها المنطقة العربية وخاصة دول ما يسمى بالربيع العربي منذ حوالي خمسة أعوام، أثبتت أن قابلية التفكك المجتمعي واردة وهي تهدد بضرب وحدة الدول والشعوب..
كما يحدث حالياً في ليبيا والعراق وسوريا لأسباب إما مذهبية وطائفية أو جهوية ومناطقية أو قبلية وعشائرية، وأن حلم الوحدة العربية الذي كان سائداً خلال القرن العشرين اضمحلّ بشكل دراماتيكي ليتحول إلى حلم وحدة الدولة القُطرية المهددة في كيانها.
وأضاف الحاجي أن المنطقة العربية مقبلة على تغيرات فعلية مثلما أشار إلى ذلك صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وأن لا حلّ أمام الحكومات العربية إلا التعاون والتضامن وتوحيد ورصّ الصفوف لتجاوز الامتحان الصعب، لأن التجربة أكدت أن معاناة البلد الواحد قد تتحول إلى معاناة قومية، وأن عدوى الفوضى قادرة على الانتقال السريع..
وهذا ما رأيناه بدايات العام 2011 عندما انتقلت شرارة الغضب الشعبي من تونس إلى مصر فليبيا فاليمن فسوريا، وكان يمكن أن تمتد أكثر لو لا الشعوب اكتشفت الطبيعة المأساوية لعملية تغيير لا تخلو من أياد عابثة تعمل على تجييرها لفائدة مشروع الإسلام السياسي في المنطقة بما يتضمنه من ضرب لفكرة الدولة ولوحدة المجتمع ولقيمة التنوع الثقافي والحضاري.
من جهته أكد المحلل السياسي التونسي منذر ثابت أن المنطقة مقبلة بالفعل على تحولات اقتصادية وسياسية واجتماعية متسارعة خلال الفترة مثلما أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي..
وقال إن العرب أمام تحديات حقيقية تحتاج منهم إلى رؤية استراتيجية ثاقبة تساعدهم على استيعاب التحولات ونقلها من خانة التأثير السلبي إلى خانة النقلة النوعية الإيجابية..
وهو ما يحتاج منهم إلى الحكمة والوعي بما يدور حولهم في العالم من حسابات المصالح ومن الصراعات الإقليمية والدولية التي تحاول أن تجعل من الوطن العربي منطقة تجاذب للقوى الخارجية التي لا تستفيد من شيء بقدر ما تستفيد من تشتت الصف العربي الذي ازداد تشتتاً خلال الأعوام الخمسة الماضية بعد تهميش منظومة الأمن القومي واتساع دائرة الإرهاب بما تمثّله من خطر على الشعوب والمجتمعات.
إفرازات
بحسب المحلل الأمني والاستراتيجي مختار بن نصر نائب رئيس مركز تونس لدراسات الأمن الشامل فإن التحولات التي تعرفها المنطقة العربية ستفرز الكثير من التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تهدد المجتمعات وتضع الحكومات على المحك مما يستوجب منها اعتماد السياسات المرنة التي دعا إليها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي..
وهي سياسات تهدف أساساً إلى ترسيخ قيمة المواطنة والعدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة إضافة إلى احترام التنوع الثقافي والاجتماعي والحضاري والعقائدي بين مكونات المجتمع الواحد، وتحقيق الانتعاش الاقتصادي الذي يحتاج بدوره إلى أمن واستقرار وسلام أهلي ومجتمعي..
ويضيف بن نصر أن الإرهاب بات يمثّل الخطر الأبرز على المنطقة العربية والعالم، ولذلك فإن مواجهته تمثّل أولوية للعرب في الوقت الحالي اعتماداً على حزم مع فكرة الإرهاب مقابل مرونة في السياسات الحكومية تجاه التحولات المجتمعية الراهنة والقادمة.
وقال المحلل السياسي التونسي خليفة الطرابلسي إن ما ورد في كلمة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، يمثْل قراءة واقعية ونظرة استشرافية للوضع العربي الذي يشكو من خلل جوهري، حان وقت الاعتراف به ودراسته من كل جوانبه للخروج بالمنطقة من حالة الصراع التي تعرفها بأقلّ الأضرار الممكنة وخاصة في ما يتعلق بسيادة الدولة ودورها وبوحدة المجتمع ومنعه من التفكك، وأشار الطرابلسي إلى أن ما حدث في ظل ما يسمى بثورات العربي أكد أن الديمقراطية الغربية ليست بالضرورة الحل للواقع العربي..
وإن الفقر والحرمان هما العدو الأول للشعوب، وأن القراءة الخاطئة للدين قد تعصف بالسلم الأهلي كما أن التنمية تبقى أساس كل نهضة مجتمعية فعلية وهو ما يحتاج إلى تعاون العرب عبر توحيد الأهداف والمصالح وتجاوز الخلافات الأنية سواء في مستوى البلد الواحد أو في مستوى الأمة ككل.
حراك
أوضح الخبراء أنه منذ بدايات حركة التغيير التي عرفها عدد من الدول العربية إثر اندلاع الانتفاضة الشعبية في تونس في يناير 2011 ، حاولت قوى الإسلام السياسي تجيير الحراك الشعبي لفائدتها والسيطرة على الحكم في تونس وليبيا ومصر وسوريا واليمن..
وبحسب المحلل السياسي التونسي والمتخصص في الجماعات الإسلامية ناجي جلول فإن جماعة الإخوان المسلمين بتفرعاتها المختلفة في المنطقة سعت إلى أن تكون البديل عن الأنظمة السابقة، مدعومة بخيارات إقليمية ودولية كانت تعمل على إيصال ما تسميه بالإسلام السياسي المعتدل إلى السلطة لضرب الجماعات المتطرفة..
وهو ما تبيّن في ما بعد أنه خطأ فادح، حيث إن الجماعات الإخوانية مرتبطة ارتباطاً عضوياً وعقائدياً بالجماعات المتطرفة التي سرعان ما تحولت إلى أجنحة مسلحة للأحزاب الإخوانية، وهو ما يتجلى في ردود الفعل الإرهابية التي عرفتها مصر بعد الإطاحة شعبياً بنظام محمد مرسي، وفي ليبيا بعد خسارة الإخوان في الانتخابات البرلمانية..
كما حاول المتشددون ضرب الاستقرار في تونس من خلال اغتيال شخصيات معروفة بموقفها الرافض لحكم الإخوان وخاصة شكري بلعيد ومحمد البراهمي، إضافة إلى قتل الأمنيين والجنود، حيث لقي 40 من أعوان الأمن والجيش حتفهم إلى جانب 25 إرهابياً خلال السنوات الثلاث الأخيرة. كما تم توقيف أزيد من 2000 شخص من المتهمين بالإرهاب.
قلب العاصفة
أكد اللواء المتقاعد خليفة حفتر قائد عملية «الكرامة» في تصريحات لـ « البيان » أن ليبيا تحارب الإرهاب نيابة عن العالم، وقال «ما يحدث في ليبيا قد يكون أخطر مما يدور في أي بلد آخر، فنحن أمام مساحة شاسعة من الأرض وتضاريس صعبة وشاطئ يمتد على مسافة ألفي كيلومتر وكميات مهولة من السلاح غير المراقب تحاول الجماعات الإرهابية استغلالها في السيطرة على المنطقة ككل وليس ليبيا فقط»..
ويرى رئيس المجلس الأعلى للقبائل والمدن الليبية العجيلي عبد السلام البريني في تصريحات لـ «البيان» أن «الإرهاب داخل ليبيا اتخذ أبعاداً جديدة تجعل منه خطراً على العالم بأسره، وما حدث خلال العام 2014 أثبت أن هناك أطرافاً إقليمية ودولية تحاول أن تجعل من ليبيا ملجأ للإرهاب العالمي الذي لا تقف طموحاته عند حدّ» ..
مضيفاً أن «ليبيا على مرمى حجر من أوروبا، والإرهاب لا وطن له، ولكنه قد يستغل الأوطان في التمدّد نحو آفاق أبعد، معتمداً على هشاشة الدول وخاصة الفاشلة منها أو القريبة من الفشل، وما الإعلان عن ولايات داعش في برقة وطرابلس غير صفارات إنذار لم يلتقطها ذكاء العالم ولم يتفاعل معها بسرعة».
مواجهة التحدي
في تصريحات لـ «البيان» قال وزير الخارجية التونسي منجي الحامدي إن «الإرهاب بما يمثله من ظاهرة دولية عابرة للحدود، يحتاج إلى التكاتف بين جميع الدول وخصوصاً الدول العربية التي تجد نفسها مهددة في وجودها وكياناتها وسيادتها، وأن التضامن في هذا المجال يكون بتوحيد الجهود لقطع الطريق أمام الجماعات الإرهابية التي تحاول فرض إرادتها على الشعوب والمجتمعات قبل الحكومات من خلال الفهم الخاطئ للدين والمتاجرة الرخيصة بمشاكل الشباب بهدف تحويلهم إلى قنابل موقوتة ضد بلدانهم».
ضحايا أبرياء يسقطون يومياً
قال مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2014 إن العام الماضي شهد نحو عشرة آلاف هجوم إرهابي أي بزيادة 44 في المئة على عددها في عام 2012 مما أسفر عن سقوط نحو 18 ألفاً من الأبرياء 80 بالمئة منهم كانوا في خمسة بلدان فقط هي العراق وافغانستان وباكستان ونيجيريا وسوريا.
أحداث سبتمبر
ومنذ أحداث سبتمبر 2011، سجلت أعداد الضحايا من جراء الهجمات الإرهابية زيادة بنسبة 195% وبلغت نســــبة الحوادث 460% ومصابين بنسبة 224%، وكانت المناطق الأكثر تضررًا مــــن وطأة الهجمات الإرهابية هي دول الشرق الأوسط، الهند، وباكستان، وروسيا. حـــيث كانت أعداد الضحايا 7473 في عام 2011، وهي أقل بنسبة 25% مما كــــانت علــــيه في عام 2007.
العشر الأوائل
وتـــشمل لائحة الدول العشر الأوائل الأكثر عرضة للأعمال الإرهابية كلاً من العراق وأفغانستان وباكستان ونيجيريا وسوريا والهند والصومال واليمن والفليبين وتايلنـــد، كما التحـــقت بقائمة الدول التي شهدت عمليات إرهابية في العام الماضي كل من الجزائر وأفريقيا الوسطى والصين ومصر ولبنان وليبيا ومالي والســـودان وجنوب السودان.





