أكد متحدثون ومشاركون في الجلسة الختامية للمنتدى الاستراتيجي العربي 2014 في دبي، أن الإمارات والسعودية تمتلكان رؤية واضحة تجاه القضايا الإقليمية وخصوصاً فيما يتعلق بالشأن المصري. وأشاروا إلى أن الأوضاع في العراق وسوريا وليبيا تتدهور وأن التيارات المتأسلمة تشهد تصاعداً مضطرداً.

وأثار المشاركون تساؤلات كثيرة وسيناريوهات عديدة بانتظار العام المقبل، من بينها ما مصير منطقة الشرق الأوسط، ومن سيحسم الصراعات الدولية والإقليمية، على أن دروس التاريخ تصب في خانة استبعاد خيار الحسم والدفع باتجاه استمرار المد والجزر على رقعة امتداد المشرق والمغرب العربي. هل ينهي عام 2015 قبضة «داعش» على أعناق العراقيين، أم أن فصل الانهيار في الموصل سيتمدد إلى الأنبار وعاصمة الرشيد؟

وهل يحيل مشروع تسوية دبابات النظام السوري والمقاتلين الجوالين إلى تقاعد قصري تحت مظلة دي مستورا أو مظلات إقليمية ودولية؟

كل هذه الأسئلة يجيب عنها وزير الإعلام اللبناني السابق غسان سلامة، ووزير خارجية مصر الأسبق أحمد أبو الغيط، في الجلسة الحاسمة التي اختتم بها المنتدى الاستراتيجي العربي في دبي، وأدارتها الإعلامية منتهى الرمحي، حيث أشاد أبو الغيط بالسياسة الفاعلة التي انتهجتها الإمارات والمملكة العربية السعودية إقليمياً، وبخاصة تجاه مصر.

مقولة كيسنجر

بدأ سلامة حديثه مستشهداً بوزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر الذي سبق له ان قال إنه ليس هناك في السياسة الخارجية خبر جديد، إنما هو فقط التحليل ما يغيّر المواضيع. ماذا عن منطقتنا في السنة المقبلة؟ أعتقد أن هناك اتجاها بدأ منذ بضع سنوات..

وهو سيستمر في السنة الجديدة، وهو اتجاه نحو مزيد من عولمة الاقتصاد ومزيد من أقلمة السياسة، بمعنى أننا لن نشهد توقّفاً لعملية عولمة الاقتصاد التي بدأت منذ خمسة وعشرين عاماً، ولكننا في الآن معاً سنشهد الكثير من أقلمة السياسة، وأعني بذلك انخفاض مستوى تأثير الدول الكبرى في منطقتنا لحساب الدول الإقليمية الفاعلة.

وهذا أمر نشهده في مختلف مناطق العالم، ونشهده بطريقة واضحة في منطقتنا إذا لمسنا الدور المتعاظم للدول الإقليمية والدور المتحفّظ والأقل تدخّلاً وتأثيراً من جانب الدول الكبرى، إن كانت أوروبية أو الصين أو الولايات المتحدة، أما روسيا فهي تتصرف في منطقتنا بوصفها قوة إقليمية، بمعنى أنها دولة جارة ولها مصالح مباشرة.

وحدد سلامة اتجاهات الرؤى للعام المقبل، مؤكداً أن الاتجاه الأول هو مزيد من عولمة الاقتصاد وأقلمة السياسة، والثاني هو أن هناك تأثيرات كبيرة لتحولات السوق النفطية والعائدات النفطية على السياسة الإقليمية، «لأن معظم النزاعات القائمة في المنطقة تأثرت كثيراً بوجود فائض مالي عند عدد كبير من الدول النفطية أنفقت بعضه على هذه النزاعات..

وبالتالي نحن أمام مرحلة جديدة في 2015 نتوقّع معها استمرار اعتدال أسعار النفط، ما يعني أن عدداً كبيراً من الدول التي أنفقت جزءاً من فائضها ستنفق أقل».

أما الاتجاه الثالث فرأى أنه يتمثّل في احتمال رحيل بعض قيادات المنطقة عن السلطة، وهذا يؤثّر وبخاصة في الدول التي يتمركز القرار فيها بيد الرجل الأول في الدولة.

الأجندة السياسية

وقال إن الاتجاه الرابع، هو ضرورة أن نفهم كيف نتوقّع نتائج بعض الأحداث والمناسبات في الأجندة السياسية، ومنها الأول من مارس وهو تاريخ الاتفاق السياسي على النووي الإيراني، والأول من يوليو وهو تاريخ وضع خارطة الطريق لتنفيذ هذا الاتفاق. أيضا 17 مارس المقبل..

وهو موعد الانتخابات الإسرائيلية، ويونيو المقبل، حيث تُجرى الانتخابات التركية، وكذلك نهاية الشهر الأول من السنة المقبلة الذي سيشهد اجتماع الفرقاء السوريين في موسكو. هذه المواعيد مهمة، فالانتحابات الإسرائيلية مثلاً قد ينتج عنها خروج نتنياهو من السلطة.

وأكد سلامة أن إمكانية التوصّل إلى اتفاق نووي بين الغرب وإيران عالية، وهذا سيكون تطوراً مهماً بالنظر لدور إيران في المنطقة.

أما الاتجاه الخامس حسب سلامة فهو «ما سمي الربيع العربي الذي دخل في مسارا مختلفا من دولة لأخرى. لذلك هذه الدورة من عدم الاستقرار لن ينتهي في السنة المقبلة، كما أن النهايات المتوقّعة لن تكون متشابهة في كل دول »الربيع« الذي سينتهي لفسيفساء سياسية جديدة». وقال إنه ليست هناك اتجاهات محتومة، بل إن الأمور تتوقف على ثلاثة عوامل وهي الحسابات والقدرات والإرادات..

معتبراً أن السنوات الأربع الماضية أثبتت أن عدداً من زعماء هذه المنطقة أخطأ في الحسابات، بالنسبة لـ«داعش»، والنظام السوري والمسألة المصرية وليبيا. وبالنسبة للقدرات ستخف عن ما كانت عليه في السنة المنقضية. أما بالنسبة للإرادات، فليس كل من لديه قدرات قرر توظيفها في مكان ما.

التكاتف العربي

ومن جانبه قال وزير الخارجية المصري الأسبق أحمد أبو الغيط إن عام 2014 هو الأب الروحي للعام 2015. وأضاف إن هناك وحدات أساسية في البلاد العربية تعرضت للتدمير..

مضيفاً أنه تم تدمير سوريا، والعراق في وضع بالغ الصعوبة والتعقيد، وليبيا على حافة الهاوية، واليمن على شفا الانقسام. وأشار إلى أن الحقيقة الثانية أنه توجد موجة هائلة من المتأسلمين يكتسحون المنطقة وشعوبها بأيديولوجيات متطرفة مثل الإخوان وداعش والنصرة والقاعدة ومجموعات غير مرئية، مرجّحاً أن لا تنتهي هذه الم

وجة في 2015، معتبراً أنها موجة متصاعدة نتيجة لظروف ومكونات المجتمع العربي والمسلم، وهي كذلك داخلة في صراعات داخلية.

وتحدّث أبو الغيط عن الحقائق التي يرى أنها تعقد المشهد السياسي في المنطقة، مشيراً إلى أن هناك دولتين إقليميتين هما تركيا وإيران تنظران إلى العالم العربي وكأنه مناطق خالية من الثقافة والحضارة، أو أنه امتداد طبيعي لهما وحق مكتسب ومشروع لمشاريعهما الخاصة، مستشهداً بتصريحات لإيرانيين بأن إيران تطل على البحر المتوسط..

وكذلك بتصريحات لمسؤولين أتراك بأن تركيا سوف تمضي باتجاه تنفيذ سياساتها في المنطقة. ورأى أبو الغيط بأن هذه السياسات من البلدين ستستمر في 2015، خصوصاً عند تأكد تركيا بأنها فشلت تماماً على صعيد السياسة الخارجية وبخاصة تجاه العضوية في الاتحاد الأوروبي، وفشلها كذلك في وسط آسيا، حيث أغلقت روسيا الباب أمامها، ما سيشكل حافزاً إضافياً لمزيد من التدخل الإقليمي في دول الجوار«.

السعودية والإمارات

وحول الدور الإقليمي لبعض الدول الخليجية في جهود تمكين القيادة المصرية قال أبو الغيط: «سيشهد العام القادم امتداداً للعام الحالي حول السياسة الإقليمية الفاعلة لدولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية اللتين أظهرتا وضوح رؤية للمصالح المشتركة وخصوصاً مع مصر، مؤكداً أن تأثير هذه الرؤية سيكون مطلوباً جداً على صعيد دعم القيادة المصرية.

ورأى أبو الغيط أن الدولة المصرية انتصرت والشعب المصري انتصر والقوات المسلحة انتصرت، وأن ما تبقى هو فقط معرفة توقيت انتهاء الحرب الدائرة على الإرهاب وتحقيق الاستقرار الكامل للانطلاق من جديد»، مؤكداً أن هناك بريق أمل بأن مصر ستعود لأن تلعب دورها الريادي عربياً وإقليمياً.

وحول الملفات الساخنة في المنطقة قال المسؤول المصري الأسبق إن «توابع ما جرى في مصر سيبقى لسنوات عدة، والعراق سيستمر في الحرب ضد داعش مع تحقيق تقدم، لكنه حذر من إيلام سنّة العراق، »لأنهم لو استشعروا الانحياز في طريقة التعاطي مع مشكلة داعش مع سواها فإن ذلك سيؤدي إلى مشكلة متفاقمة«.

وطالب بعدم السماح للمتأسلمين بأن يصوروا ما يجري وكأنه حرب صليبية ضد الإسلام والمسلمين. وبالنسبة لسوريا، توقّع أن تبقى الأوضاع على ما هي عليه مع عودة داعش إليها في حال هزيمتها في العراق، ما يدفع إلى ضرورة البحث عن حل سياسي لسوريا مستبعداً تحقيقه في 2015 إلا لو تم تعديل الاستراتيجية الخاصة بالتعاطي مع الملف السوري.

وأخيراً رأى أن وضع ليبيا لن يتغير إلى الأفضل إلا لو تم استعادة سيطرة وهيبة الدولة الليبية، ومن دون تدخل دولي خارجي.

وشدد أبو الغيط على أن هناك حاجة ماسة لتكاتف عربي لمواجهة التحديات الخارجية والإقليمية والداخلية.

إقليميا ودولياً

حول الملف النووي الإيراني رأى أبو الغيط: »أن إيران قريبة من الوصول إلى اتفاق مع الغرب، وهذا سيمنحها نفوذاً ستخرج من خلاله خارج حدودها وكأنها حققت ما لا يمكن تحقيقه، وإذا فشل الحوار فإيران ستحاول أيضاً فرض الهيمنة على المنطقة تحت ذريعة التصدي للعالم الغربي«.

وفي الساحة الدولية قال أبو الغيط »إن هناك مؤشرات واضحة على عودة ملامح الحرب الباردة بين روسيا الاتحادية والولايات المتحدة بسبب أوكرانيا، إن روسيا تحاول تأكيد مجموعة من المواقف اليوم، وسنرى غداً إن كانت أوكرانيا في مقابل ملفات أخرى مثل سوريا.

أما فيما يخص القضية الفلسطينية كقضية قال «سنرى بأنه لن يكون فيها أي حراك بغض النظر عن نتائج الانتخابات الإسرائيلية حيث إن أية حكومة إسرائيلية ستأتي لن تقدم للفلسطينيين شيئاً طالما أن أحوال العرب متدهورة».

 " الإخوان "  لديها تباينات ولا مراجعات فكرية

 سئل غسان سلامة عن احتمالات إجراء جماعة الإخوان لمراجعات فكرية في ضوء تراجعاتها في أكثر من منطقة، فقال إن المسألة ليست مسألة فكرية. ورأى أن حزب الإخوان تأسس في أواخر العشرينات متأثراً بأحزاب أوروبية شبيهة. وأضاف »حتى لو كان العنوان إسلاميا لكن طريقة التنظيم متأثرة بأحزاب أوروبية«.

وقال إن مؤسس الجماعة اقتبس من تلك الأحزاب ضرورة العمل السري لسنوات طويلة، وهذه من الممكن أن تعود. ثانياً العمل بالوسائل الاجتماعية، وهذا الأسلوب لا يمكن مواجهته إلا إذا تمكنت الدولة من تقديم المساعدات الاجتماعية، للحلول مكان ما تفعله الجماعة.

أما النقطة الثالثة فهي المتعلقة بالزعامة، وهذه من أدبيات »الإخوان«، حيث إنه دائما كانت هناك زعامة تاريخية وهوس بالزعيم. وأضاف إن أحد أسباب ضعف الجماعة في الفترة الأخيرة عدم ظهور زعامة بارزة مثل حسن البنا وسيد قطب. وقال إن لدى »الإخوان« تاريخاً طويلاً في العمل السري ومن الممكن أن يعودوا إليه.

وأشار إلى أن المراجعة الفكرية لا تقدّم ولا تؤخّر، مشيراً في الوقت ذاته إلى تباينات في سياسات الفروع لأسباب موضوعية.

مشيراً إلى مواقف زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي، المرتبطة بتعهّدات من الغنوشي قطعها على نفسه في بلاد المنفى بأنه سيحترم قواعد اللعبة الديمقراطية، وهو إلى حد ما التزم بهدا الأمر. الإخوان في مصر ليس لديهم مثل هذه التعهدات والارتباط. أما في سوريا فلديهم باع طويل في العمل السرّي ضربت بقوة بداية التنظيمات.

وفي الموضوع الليبي رأى سلامة أن الوضع فيها محزن ومختلف. وقال إن إمكانية الوصول إلى حل واردة إذا تجمعت بضعة شروط التي غابت بسبب واقع الاستقطاب في المجتمع الليبي والجشع النفطي الغربي. ورأى أن الحل في ليبيا يبدأ بسيطرة الدولة على المدن الرئيسية مثل طرابلس وبنغازي ومصراتة، ثم الاعتماد على دول الجوار، حيث ان الوضع في ليبيا أصبح مقلقاً لدول الجوار.

أما أبو الغيط فرأى، في هذا السياق، أن »الإخوان« لديها قاعدة فكرية أعمق من مسألة نبذ الإرهاب، ولهذا فهي الأب الروحي لتنظيمات مثل »داعش» وجبهة النصرة. وقال إن الغرب لا يريد أن يفهم أن هذا التيار يحمل أيديولوجيا معادية. لكنه لم يستبعد أن يقبل عناصر الجماعة كأفراد بعد حل الجماعة والتخلي عن أيديولوجيا العنف.