أشاد فرانسيس فوكوياما مؤلف كتاب «نهاية التاريخ» بنهضة الإمارات وإنجازاتها الحضارية التي تحققت خلال السنوات الماضية. وقال فوكوياما في الجلسة الأولى للمنتدى الاستراتيجي العربي في دبي أمس يسرني أن أكون بينكم هذا العام وأود التعبير عن إعجابي بالتقدم الذي تحقق في الإمارات. فأنا لم أزرها منذ عام 2008 وأذهلني التطور الذي شهدته منذ ذلك الحين وأهنئكم على جهودكم، وتقديمكم لهذا المثال على الدولة التي تستفيد من ثرواتها بإسعاد شعبها وازدهارها.
وتطرقت الجلسة إلى حالة العالم سياسياً في 2015 وتركّزت على تحليل المشهد الجيوسياسي في العالم. وتأثير أسعار النفط في الاستقرار على المدى القصير.ولفت فوكوياما الى انه سيكون صعباً على العديد من الدول التعافي من هذه الأزمة على المدى القصير.
موازين القوى
وقال فوكوياما «لا أرى أننا سنشهد في العام 2015 أسوأ مما شهدناه في العام 2014. لا شك أن موازين القوى تتغير مع صعود الصين كقوة عظمى على كافة الأصعدة الاقتصادية والسياسية والعسكرية، وهذا ما ترفض أميركا واليابان الاعتراف به أو حتى التعامل معه.
في حين تتطلع الصين إلى اعتراف عالمي بدورها المتنامي وقوتها المتصاعدة، وتطلعات الصين تتنامى بقدر تنامي قوتها. إن الحس الوطني في الصين يثير القلق». وأضاف أن الإنفاق العسكري الصيني تجاوز الإنفاق العسكري لكامل الاتحاد الأوروبي، حيث إن هناك استثمارات ضخمة في النظام الصاروخي الباليستي وفي الغواصات النووية..
بالإضافة إلى استثمارها في ما يوصف بحرب الفضاء الإلكتروني. أما بالنسبة لروسيا، فقد قال فوكوياما: «ليس هناك غموض في أجندة الرئيس بوتين، حيث تسعى روسيا إلى التمدد الإقليمي بداعي حماية الاقليات، وذلك ناتج عن تغيير في السياسة المعتمدة بين الرئيس يلتسن وبوتين.
أما في ما يخص أوكرانيا، استخدم بوتين نمطاً جديداً في إدارة الحروب عن طريق استخدام ما يسمى بالمتطوعين، مما أعطاه الحق في إنكار الاتهام في التدخل المباشر بشؤون أوكرانيا». وأضاف: «إن العقوبات أدت إلى تدني أسعار الروبل، مما سيؤثر حتماً على وضع العديد من الشركات الكبرى وهذا ما سيضطر بوتين إلى مواجهته عاجلاً أم آجلاً».
قضايا هامة
أما فيما يرتبط بالشرق الأوسط، فقال فوكوياما إن السياسة الخارجية الأميركية في ظل إدارة الرئيس أوباما كانت تركز على الشأن الداخلي أكثر من الشأن الدولي، فعلى سبيل المثال جاء التركيز على داعش كأولوية بسبب ما ظهر على قنوات التلفزة، حيث توقع فوكوياما أن الاعلام الأميركي يبالغ في تناول قضية داعش..
وأكد أن التنظيم غير شرعي ولن يكتسب أي دعم من أي دولة في العالم، وهو غير قادر على بيع النفط الذي استولى عليه من مصادر عدة، وبالتالي لا يجب أن يكون التركيز على داعش بنفس التركيز على أهم قضيتين دوليتين بحسب رأيه، وهما الأطماع الإقليمية للصين وروسيا.
وشدد على أنه سيكون متفاجئاً إن شهد العالم أحداثاً درامية كبرى أو تغييرات غير متوقعة في العام 2015. ولا يعتقد فوكوياما أن سوريا أو ليبيا قادرتان على التخلص من مشاكلهما في العام المقبل فالأزمة في البلدين ستستمر لفترة طويلة.
وفيما يخص بناء الديمقراطيات في المنطقة بحسب النموذج الأميركي لابد من تأسيس سلطة قوية، قبل العمل على الحد من قوتها من خلال الديمقراطية.
وذكر أن السلطة تاريخياً أخذت من خلال النزاع العسكري، قبل التأسيس للديمقراطية. ولكنه أكد أنه لا بد من إشراك الطبقات الوسطى (التي تضاعفت 4 مرات منذ السبعينات) في القرار السياسي، فاحتياجات الطبقة الوسطى تختلف بشكل كبير عن متطلبات الطبقة الفقيرة التي يمكن اختصارها بالاحتياجات الأساسية.
وعن هبوط أسعار النفط، قال إنه سيؤدي إلى خلل في الاستقرار السياسي والاقتصادي على مستوى العالم وسيكون صعباً على العديد من الدول التعافي من هذه الأزمة على المدى القصير.
ومع ذلك استدرك فوكوياما القول إنّه لا يرى أنّ الصين تريد احتلال العالم ولكنّها تريد «اعترافاً بثقلها» الجديد.
وفي المقابل، حذّر الباحث الأميركي المرموق من «انعدام التوازن» بين الصين وأندادها. وأردف القول: «إنْ ظهر الغرب ضعيفاً أصبح هناك ثقل متنامٍ للصين» ما قد ينبئ بصدام.
ولفت فوكوياما إلى أنّ المجال الالكتروني «أصبح ساحة معركة المستقبل»، معتبراً أنّ الولايات المتحدة تحتفظ بالتفوق في هذا المجال. لكن القلق كان حاضراً.. إذ عاد فوكوياما إلى القول إنّه مع الإفراط في الاستخدام الالكتروني دفاعياً فإن هناك احتمالية النزاعات العسكرية الصينية وهيمنة الصين على منطقة شرق آسيا.
روسيا اليوم والغد
وأفرد فوكوياما مساحة واسعة من المحاضرة للحديث عن روسيا وما جرى في أوكرانيا. وقال إنّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تسبب بمشاكل لـ «الاستقرار الأوروبي». واستعرض المحاضر الآثار الاقتصادية على روسيا جراء النزاع في أوكرانيا، مشيراً إلى أنّ الروبل انهار بعد أزمة أوكرانيا وضح شبه جزيرة القرم.
لكنه رأى أنّ دخول بوتين في هذا النزاع كان مدفوعاً بـ «الحنين» لبناء الاتحاد السوفيتي.وعن هذا الأمر، عارض فرانسيس فوكوياما قول رئيس الوزراء البريطاني الراحل وينستون تشرشل ذات مرة إنّ «أهداف روسيا غامضة» بقوله: «لا أعتقد أنهّا غامضة.. بوتين واضح في سياسته الخارجية».
ليبيا وسوريا
وبينما قال فوكوياما إن «الحرب الأهلية التي تشهدها ليبيا ستستمر لفترة طويلة» نظراً لعدم شعور أي من الأطراف المتقاتلة بـ «الملل» أو التعب.. فضّل عدم إعطاء أي توقعات بشأن سوريا، لافتاً إلى أنّه منذ بداية الأزمة في سوريا وهو يتحاشى إعطاء تحليلات. ومع ذلك قال في رد على سؤال لمدير الجلسة د. عادل الطريفي إنّه غير متفائل بمستقبل ليبيا وسوريا.
وتوقّع حدوث تغيير سياسي في إيران، وتحدّث في هذا الإطار عن القوى التي تعتمل في المجتمع، فهناك الشباب التواق للحريات وهناك تيار معتدل في النظام يقابله تيار محافظ مسيطر على المقاليد بفعل القوة العسكرية.
في إطار آخر، استبعد أن يكون العامل الديني معيقاً للتحوّل الديمقراطي وشرح طويلاً كيف تحوّلت أوروبا من هيمنة الكنسية إلى الديمقراطية.
فوكوياما ل»البيان« لامصلحة لـ واشنطن بتشكيل داعش
أكد فوكوياما أنّ الإعلام الأميركي بالغ في وصف قوة تنظيم داعش، ورأى أنّ هذا التنظيم لن يستمر لفترة طويلة.
وفي رد على سؤال للزميل نادر مكانسي (من فريق البيان) حول من يقف وراء داعش، قال الباحث الأميركي إنّ «الحديث عن تورط الولايات المتحدة في إنشاء داعش هو عبارة عن نظرية شائعة في الشرق الأوسط»، لكنه لا يرى مصلحة للحكومة الأميركية في تشكيل هذا التنظيم.. وشدّد في هذا الإطار على القول: «هذا ليس أسلوب عمل إدارة الرئيس باراك أوباما».
وتابع فوكوياما في تشريحه للوضع في الشرق الأوسط القول إنّ «داعش ليست من اللاعبين الجيوسياسيين»، وفنّد ما يقوله البعض عن أنّ توسّع «داعش» مردّه أنّ التنظيم قوي وأنّ ما حوله ضعفاء. وشكّك في قدرة هذا التنظيم على التحول إلى دولة مستقبلاً.
وكانت مفاجأة محاضرة فوكوياما التي استمرت نحو نصف ساعة قوله إنّ الولايات المتحدة الأميركية لن تبقى «من المحاربين الأساسيين في المنطقة».
وبينما كان فوكوياما متفائلاً بأن العام 2015 لن يكون على قدر سوء 2014.. رأى أنّ انحدار أسعار النفط سيؤثر على الاستقرار على المدى القصير.
قراءة في كتاب فوكوياما..النظام السياسي والاضمحلال السياسي
يشير فوكوياما في كتابه الأخير «النظام السياسي والاضمحلال السياسي» إلى مصطلح «الاضمحلال السياسي» الذي استخدمه أستاذ العلوم السياسية «صامويل هنتنجتون» في كتابه «النظام السياسي في المجتمعات المتغيرة» وفسر من خلاله حالة عدم الاستقرار السياسي في الكثير من الدول التي حصلت على استقلالها بعد الحرب العالمية الثانية.
وقد ذهب هنتنجتون في كتابه حسبما أشار فوكوياما إلى أن التأثيرات الاجتماعية والاقتصادية الناجمة عن التحديث تسببت في مشكلات للأنظمة السياسية التقليدية أدت إلى صعود مجموعات اجتماعية جديدة لم تحظ مساعيها للمشاركة بالترحيب من قبل المؤسسات السياسية القائمة.
وحسب هنتنجتون فإن الاضمحلال السياسي نجم عن عدم قدرة المؤسسات على التكيف مع الظروف المتغيرة. وعلى ذلك فإن الاضمحلال بكثير من الطرق شرط من شروط التنمية حيث بمقتضاه يتم القضاء على المؤسسات القديمة من أجل أن تحل الجديدة محلها. غير أن التحولات الناجمة عن ذلك يمكن أن تكون فوضوية وعنيفة للغاية في الوقت الذي لا توجد فيه ضمانات باستمرار المؤسسات السياسية القديمة في التكيف بشكل سلمي مع الأوضاع الجديدة.
ورأى «فوكوياما» أن هذا النموذج يُعد نقطة انطلاق جيدة لفهم الاضمحلال السياسي بشكل عام، معتبراً أن استقرار المؤسسات يمكن أن يكون مصدراً للاضمحلال السياسي؛ نظراً لأن فكرة إنشاء المؤسسات قائمة على تلبيه المطالب في ظل ظروف مُعينة، ولكن سرعان ما تتغيّر الظروف وتفشل هذه المؤسسات في التكيف مع الأوضاع الجديدة لسببين الأول معرفي أو إدراكي..
وهو أن الناس يعملون على تطوير نماذج عقلية مُعينة عن الآلية التي يعمل العالم وفقاً لها ويميلون إلى الالتزام بها حتى في وجه الأدلة المتناقضة، والسبب الآخر هو مصلحة الجماعة؛ حيث يفضل بعض العاملين في المؤسسات تطوير مصلحتهم في ظل الوضع الراهن ويقاومون جميع الضغوط الداعية للإصلاح.
وأضاف «فوكوياما» قائلاً: «إن الاضمحلال يمكن أن يصيب أي نوع من الأنظمة السياسية سواء كانت استبدادية أو ديمقراطية، ولكن في الوقت الذي تتمتع فيه النظم السياسية الديمقراطية – نظرياً – بآليات التصحيح الذاتي التي تسمح لها بالإصلاح، فإنها أيضاً تساهم في تراجع وضعها من خلال إضفاء الشرعية على أنشطة النخبة وجماعات المصالح التي يمكنها الوقوف في وجه أي مطالب منادية بالتغيير».
وأكد «فوكوياما» أن هذا بالضبط ما يحدث في الولايات المتحدة على مدار العقود الأخيرة حيث أصبحت العديد من مؤسساتها السياسية مُختلة بشكل متزايد بسبب خليط من الجمود الفكري والسلطة الراسخة للاعبين السياسيين ما يمنع المؤسسات من الإصلاح وفى الوقت ذاته لا توجد ضمانات بأن الوضع سيتغير دون صدمة كبيرة للنظام السياسي.
وتحدث «فوكوياما» في سياق نقده عن المحاكم في الولايات المتحدة التي أصبحت، في يومنا هذا، أداة في أيدي الحكومة لتوسيع نطاق سلطتها، بدلا من أن تكون قيداً على الحكومة.
وأضاف قائلاً: «لقد وجدت جماعات المصالح طرقاً أخرى للتحكم والسيطرة على عمل المُشرعين من خلال ممارسة بعض النفوذ والتلاعب في المجتمع مثل تشويه نظام الضرائب والإنفاق ورفع معدلات العجز من خلال قدرتهم على التلاعب بالموازنة بشكل يخدم مصالحهم، علاوةً على قيامهم بدور ملموس في تراجع أداء الإدارة العامة من خلال التوصيات الفاسدة التي يحثون الكونجرس على تبنيها. وقد لجأت مجموعات المصالح لهذه السبل بعد فقدان قدرتها على إفساد المُشرعين بشكل مباشر من خلال الرشاوى.


