توقع محللون وخبراء التقاهم «البيان الاقتصادي» أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة إطفاء الحرائق في المنطقة العربية والاتفاق على حلول وسط وإعادة لملمة الجسم العربي وعودته من محطة غياب العقل وفقدان الذاكرة التي نعيشها. وما زالت التطورات المتلاحقة والاضطرابات التي تشهدها المنطقة تُلقي بظلالها القاتمة في سماء الشرق الأوسط نظراً للتعقيدات والغموض المركب الحاضر بقوة اليوم.

وتختلف قراءات المحللين والسياسيين الأردنيين حيال ما يجري في المنطقة، لكنهم في كل حال يرون الشرق الأوسط أقرب اليوم إلى التحرك نحو الهدوء منه إلى مزيد من التعقيد نظراً لبروز اتفاق مبدئي يطل برأسه بين أطراف المجتمع الدولي حيال القضايا الساخنة.

الشكل النهائي

ورغم ان الشكل النهائي للاتفاق لم تتضح بعد لكن العملية لن تطول كثيراً حتى تظهر معالمها على الأرض. هذا ما يؤكده الخبير في الصراعات الدولية عدنان برية الذي يقول إن دور معاهدة سايكس بيكو انتهى ولم تعد قادرة على ضبط مفاصل المنطقة، وأطرافها..

وبالتالي صار من الضرورة إعادة النظر فيها، خاصة وأن التقسيمات التي خضعت لها المنطقة وفق خطوط سايكس بيكو شطرت الجغرافيا طولا وعرضا من دون مراعاة للتكوين الديمغرافي في المنطقة وهو ما برز في استمرار بروز بذور الخلافات بين المكونات الديمغرافية المنتشرة في دول المنطقة.

ويضيف أنه ومع حالة الاستعصاء الديمقراطي التي شهدتها المنطقة منذ قرابة المئة عام فقد المكون الديمغرافي قدرته على الاستمرار وإمكانية التعايش، فبدأ يخوض صراعات ونزاعات تحررية بما يؤدي الى تحقيق الهوية الديمغرافية له.

نماذج وأمثلة

ويضرب برية على ذلك أمثلة منها نموذج الأكراد في العراق وسوريا وتركيا مما اضطر الأكراد في لحظة فاصلة إلى الإعلان بشكل واضح رغبتهم في إيجاد كيان سياسي يتمثل اليوم في كردستان العراق، التي لا شك أنها ستتطور الى دولة مع نضوج حالة الصراع الديمغرافي القائمة الآن. ويقول برية:

هذا الكلام يقودنا الى الإشارة بأن الصراع الدائر اليوم سيؤدي إلى ظهور كيانات جديدة مغايرة للشكل الجغرافي القائم قبل مرحلة ما يسمى الربيع العربي.

وبالنسبة إلى الأكراد ستشمل الدولة المتوقعة لهم كردستان العراق وأجزاء من شمال سوريا إضافة إلى أجزاء من الجنوب التركي والشمال الغربي لإيران، لكن حالة التدافع التي ستكون قائمة قد تزيح خطاً سياسياً هنا وخطاً هناك، أي ليس بالضرورة المحافظة على الرغبة الكردية في الحدود المقبلة للدولة الوطنية.

سايكس بيكو

وأضاف برية: في الأصل تقسيم المنطقة وفق سايكس بيكو لم يكن ضمن موافقة وإرادة الشعوب، أما اليوم فنحن نتحدث عن حراك شعبي ديمغرافي يسعى إلى إيجاد قدم له في إطار تشكيلات سايكس بيكو، وبالتالي تحول التقسيم لجزء من رغبات الشعوب الموجودة، وذلك أن التقسيم يحيي الهوية الوطنية لها في إطار جغرافي.

ونوه برغبة الشعوب لأن تنشئ لها دولاً وطنية، فالسنة مثلاً في سوريا كانوا على الدوام مهمشين، الشيعة في العراق هم والأكراد، كذلك مهمشون، وكل ذلك جاء نتيجة فشل الدولة الوطنية في بناء دولة ديمقراطية قادرة على استيعاب كل مكونات الديمغرافيا.

المتغيرات الجيوسياسية

بدوره يسرد وزير الداخلية الأردني السابق سمير حباشنة تفاصيل المتغيرات الجيوسياسية، فيرى أن هناك محطات بارزة تتعلق بالإقليم برزت في الآونة الأخيرة قد تشير إلى وقوف المنطقة على اعتاب الهدوء أو الحلول منها اجتماع مجلس التعاون الخليجي الذي اتفق أعضاؤه على احتواء القضايا الخلافية بينهم وعلى رأسها الموقف من مصر..

وهذا بالضرورة سينسحب على الملف السوري، لأن مصر كان لها موقف مبكر بضرورة التعامل مع الملف السوري عبر بوابة الحل السلمي والحلول الوسط، وذلك منذ ان جاء الرئيس عبدالفتاح السيسي. أما المحطة الثانية، فهي ما يتعلق بالحراك الروسي، مشيراً إلى انه ولأول مرة تتم حالة من القبول لمقترح روسي من قبل جميع أطراف النظام من جهة والمعارضة سواء الداخلية أو الخارجية من جهة اخرى..

وقال: اليوم وافق الجميع على اللقاء في المنطقة الوسط، مشيرا الى مباركة اميركية وقعت للمبادرة الروسية عبرت عن نفسها برد فعل لم يكن سلبياً في محاولة لجمع المعارضة بشقيها الداخلية والخارجية مع الحكومة السورية. واضاف يتزامن ذلك مع حراك للمبعوث الدولي في محاولة لوقف الحرب وإطفاء الحرائق في مناطق كبرى ومحددة وعلى رأسها حلب.

ومن بين المحطات المتزامنة لقاءات الملك عبدالله الثاني ومنها لقاؤه بالرئيس الأميركي باراك اوباما، حيث تم خلاله اتفاق الطرفين على حل الملف السوري بشكل سلمي، وهو ما يعني ان واشنطن لم تعد متمسكة بعزل الرئيس بشار الأسد، لافتاً الى ان كل هذا سينسحب بالضرورة على الملف العراقي مما يعني انفراجا قريبا للمنطقة قد ينبئ بأن نكون على عتبة مرحلة جديدة.