تضمحل هيمنة القطب الواحد شيئاً فشيئاً. وعقب تفكك وانهيار الاتحاد السوفييتي في العام 1991، طغى النفوذ الأميركي على المنطقة والعالم، لتسيطر واشنطن على القيادة العالمية، كقطبٍ واحد، أثار العديد من الجدل حول مستقبله ومستقبل تلك الريادة والمكانة التي يحظى بها، لاسيما عقب دخول القرن الحادي والعشرين..

ولكن مع صعود العديد من القوى الدولية بعد ذلك، لاسيما الصعود الاقتصادي للصين على سبيل المثال، وبزوغ قوى تُهدد عرش أميركا في قيادة العالم، لاسيما مع الإخفاقات التي مُنيت بها الولايات المتحدة في سياستها الخارجية، خاصة في عهد الرئيس باراك أوباما، وهي الإخفاقات التي دفعت العديد من المحللين للتأكيد على تراجع الدور والنفوذ الأميركي في المنطقة والعالم.

ومنذ بدء القرن الحادي والعشرين وحتى الآن، دخلت الولايات المتحدة الأميركية في العديد من الصراعات، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وأثار تدخلها العديد من علامات الاستفهام، لاسيما مع فشلها في أكثر من ملف، خاصة تلك الملفات المتعلقة بالتطورات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط..

فيما لاحقت شكوك دعم واشنطن للإرهاب السياسة الأميركية، خاصة في ظل موقف إدارة أوباما الداعم لتنظيمات الإسلام السياسي، وعلى رأسها تنظيم الإخوان المسلمين (الإرهابي).. والسؤال الذي يطرح بقوة في ضوء المتغيرات العالمية، ونحن على أعتاب العام 2015 ومع كل هذا اللغط الذي تشهده المنطقة والعالم، هو «هل تنتهي هيمنة القطب الواحد على العالم؟».

فشل أميركي

وللإجابة عن هذا السؤال، يوضِّح السفير طلعت حامد (الذي شغل سابقًا منصب مستشار الأمين العام لجامعة الدول العربية)، لـ«البيان»، أن إدارة أوباما «لم تنجح في أية قضية تدخلت فيها بصورة أو بأخرى»، مستدلًا على ذلك بعددٍ من الملفات الضالعة فيها واشنطن، مثل الملف النووي الإيراني..

فضلًا عن أزمة العراق، والأزمة السورية، وأزمة أوكرانيا، والأزمات المتعلقة بانتشار وتمدد التنظيمات الإرهابية في منطقة الشرق الأوسط، على رأسها تنظيم الدولة «داعش»، وجميعها أزمات «تدخلت فيها واشنطن لتزيدها تعقيدًا» بحسب رأيه.

ويردف: «التاريخ والعلوم السياسية يؤكدان أنه لا يمكن أن تظل نظرية القطب الواحد، الذي تمثله الآن واشنطن منذ مرحلة التسعينات عقب انهيار الاتحاد السوفييتي، في إدارة أو ريادة العالم، وحتمًا سوف تظهر قوى أخرى، تُنهي انفراد أميركا بريادة المنطقة..

وأعتقد أن روسيا من أبرز المرشحين لهذا الدور، فضلًا عن الدور الياباني والهندي، جنبًا إلى جنب والصين، من منطلق ما لديهم من ميزات اقتصادية وديمغرافية، ما يجعلهم قادرين على إزاحة أميريكا من سدة القيادة العالمية»، محذرًا في السياق ذاته من خطر «التغلغل الإيراني» في الشرق الأوسط.

دبلوماسية هادئة

ويُثمن الدبلوماسي العربي، الدبلوماسية الهادئة لـ«موسكو»، ودورها الفعال في عدد من القضايا، في مقابل تراجع الدور والنفوذ الأميركي في المنطقة والعالم، في الوقت الذي يشير فيه إلى أن هناك ثمة «حرب باردة» بين الولايات المتحدة وروسيا، ساحتها الشرق الأوسط، في ظل ما لدى موسكو من قاعدة عسكرية كبيرة في اللاذقية بسوريا، مشددًا على أن وضع أميركا في هذه الحرب «يهتز»، كما أن الدول العربية تنظر بقلق للدور الأميركي.

أبرز الأسماء

ووسط توقعات بتغيرات (يصفها البعض بالمأمولة) في «القيادة العالمية» على وقع تراجع الدور الأميركي بالمنطقة، فإن أبرز الأسماء المطروحة لحمل اللواء خلفًا للولايات المتحدة أو منافسة لها تظل «روسيا»، التي تحاول جاهدة أن تلعب دورًا في الريادة العالمية، وتستغل أخطاء الإدارة الأميركية لصالحها، إذ تحاول الدفع بحوار (سوري-سوري) لحلحلة الأزمة السورية بعد فشل مؤتمري «جنيف»...

فضلًا عن دعمها للتحولات السياسية في مصر واتفاق القاهرة على صفقات أسلحة معها لتنويع مصادر الأسلحة، ولمنع الهيمنة الأميركية على مصادر تسليح السلاح للقاهرة، وغيرها الكثير من الملفات في هذا الشأن، التي تخوض من أجلها «موسكو» حربًا باردة في منطقة الشرق الأوسط، في مواجهة أميركا وإسرائيل.

وفي ذات السياق يقول خبير العلاقات الدولية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بالقاهرة، الدكتور سعيد اللاوندي، إن الدور الأميركي في ريادة المنطقة والعالم «لم يتراجع»، إذ تظل القيادة في يد واشنطن حتى الآن، لاسيّما عقب غياب وانهيار الاتحاد السوفييتي في العام 1991..

موضحًا في السياق ذاته أنه رغم عدم تراجع الموقف الأميركي (خاصة في منطقة الشرق الأوسط) إلا أن هناك مخاوف عديدة وشكوكاً حول استراتيجيات وسياسة واشنطن.