في أعقاب انتهاء الحرب الباردة في النصف الأول من التسعينات، بدا العالم أكثر وعياً تجاه أهمية خلق تكتلات وكيانات دولية تخدم المصالح الاقتصادية والتجارية وتحدث نوعاً من التوازنات الإقليمية بعيداً عن نظرية المعسكرين التي ظلت مهيمنة عالمياً لفترة زمنية طويلة. لكن في الجانب الآخر لا تزال الجهود التي ترمي إلى تحرير المبادلات التجارية تصطدم بالعديد من العقبات.

ومنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، دونت المراجع التاريخية العديد من التواريخ التي مثلت تحولاً على خريطة السلام العالمي، عبر توقيع اتفاقيات وخلق أطر ومواثيق دولية لحماية الأمن والسلم الدوليين، إلا أنه من بين تلك التواريخ، يشكل يوم 15 من ابريل 1994، بداية تحول حقيقي نحو إعادة رسم خريطة العالم اقتصاديا، إذ شهد ذاك اليوم توقيع 111 دولة على اتفاقية «مراكش» لإنشاء منظمة التجارة العالمية.

ومع توقيع الاتفاقية، بدى وكأن التحدي الاقتصادي قد حل بديلا للتحدي الأمني والإيديولوجي، إذ جاءت الاتفاقية لتعبر عن مفهوم أشمل لحرية الحركة التجارية بين الدول، والتي سبقتها محاولات ناجحة على نطاق أكثر محدودية، منها معاهدة السوق الأوروبية المشتركة الصادرة بموجب معاهدة ماسترخت 1991..

والتي بموجبها تحول السوق إلى اتحاد أوروبي فيما بعد، ثم لحقتها الولايات المتحدة الأميركية بإعلان منظمة التجارة الحرة لأميركا الشمالية (نافتا) في 1992، وفي نفس الاتجاه ظهر تجمع دول اسيا والباسيفيكي كتكتل تجاري واقتصادي، ثم دخلت القارة الافريقية في 1994 بالسوق المشتركة لدول شرق وجنوب إفريقيا (الكوميسا).

المجموعة الأوروبية

ويعتبر الاتحاد الأوروبي من أكبر التكتلات الاقتصادية في العالم وأكثرها اكتمالا من حيث البنية والمضمون، ومن حيث الاستمرار في استكمال مسيرته التكاملية، والتي يؤكد عليها في مواقفه إزاء كل الأحداث التي مرت بها الدول الأعضاء بالاتحاد حتى الآن.

وهو التكتل الوحيد الذي نجح في خلق عملة موحدة خاصة به، وهي اليورو، والتي تبنتها 18 دولة من أصل 28 دول أعضاء بالاتحاد، وهي العملة التي خلقت توازنا كبيرا أمام الدولار في الأسواق. فضلا عن أن هذا التكتل يهيمن على أكثر من ثلث التجارة العالمية، ويساهم بنحو 17.2% من حجم الناتج الإجمالي العالمي، بحسب أحدث التقارير الصادرة عن الاتحاد.

منطقة أميركا الشمالية

أطلقت الولايات المتحدة اتفاقية التجارة الحرة لشمال أميركا (النافتا)، هي معاهدة لإنشاء منطقة تجارية حرة ما بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. وقعت اتفاقية التبادل الحر لأميركا الشمالية في دجنبر 1992 وأصبحت سارية المفعول في يناير سنة 1994.

وتعتبر مصادقة الكونغرس الأميركي في 17 نوفمبر 1993 على اتفاقية منطقة التجارة الحرة لأميركا الشمالية هي البداية لإنشاء هذا التكتل، والذي بدأ تفعيله أول يناير 1994، الذي يضم كلا من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وتفتح الاتفاقية المجال أمام باقي الدول الأميركية بما في ذلك بعض دول أميركا اللاتينية للانضمام إليها.

وتعطي الاتفاقية كل أولوياتها للقدرة على منافسة التكتلات الاقتصادية الأخرى الصاعدة على المستوى العالمي وبالخصوص الاتحاد الأوروبي، في محاولة لحجز مكان اقتصادي يناسب وجود دولة بحجم الولايات المتحدة داخل هذا التكتل. وعلى الرغم من أن التكتل لا يضم سوى 3 دول إلا انه يمثل أكبر منطقة تجارة حرة في العالم تقريبا، بحجم اقتصاد يقارب 7 تريليونات دولار عند النشأة.

التكتل الآسيوي

لاتزال آسيا، وتحديداً دول جنوبها الشرقي، تمثل إحدى الساحات التجارية الرئيسية في العالم، ويتوقع لها أن تصعد دول شرق اسيا المرحلة المقبلة لتضاهي الاتحاد الأوروبي والنافتا أيضا، خاصة في ظل وجود قوتين اقتصاديتين مثل اليابان والصين، وقوة صاعدة مثل الهند وماليزيا. ومن الملاحظ أن دورها في التجارة الدولية يتزايد سنويا وتحديدا على صعيد الصادرات.

آسيا باسيفيك

تعتبر جماعة التعاون الاقتصادي لآسيا الباسيفيكية «أبيك» أضخم تجمع بعد الاتحاد الاوروبي، إذ يضم 18 دولة، وتعتبر نشأته كرد فعل على إعلان الاتحاد الأوروبي إلا أنها لم تحقق حتى الآن التكامل الذي حققه الاتحاد الأوروبي، وتضم «ابيك» كلاً من اليابان والصين واستراليا والولايات وكندا والمكسيك ونيوزيلندا وكوريا الجنوبية، ودول رابطة الآسيان. ويسيطر هذا التكتل على حوالي 50% من التجارة العالمية.

تحالف «الكوميسا»

يعد تحالف دول شرق وجنوب افريقيا (الكوميسا) أحد أعمدة المجموعة الاقتصادية الإفريقية، وترجع نشأتها إلى نهاية عام 1981 مع التوقيع على اتفاقية منطقة التجارة التفضيلية لدول شرق وجنوب إفريقيا، ثم دخولها حيز التنفيذ في نهاية عام 1982، ثم تطوير التعاون فيما بين الدول الأعضاء بشكل أكبر من خلال إقامة السوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا (الكوميسا) كخطوة جديدة نحو تحقيق الجماعة الاقتصادية الإفريقية.

وتم توقيع الاتفاقية في نهاية عام 1994 لتحل السوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا، وتضم الكوميسا في عضويتها 20 دولة هي: مصر، أنجولا، بوروندي، جزر القمر، الكونغو الديمقراطية، جيبوتي، أريتريا، إثيوبيا، كينيا، مدغشقر، ملاوي، موريشيوس، ناميبيا، رواندا، سيشل، السودان، سوازيلاندا، أوغندا، زامبيا، زيمبابوي.