أجمع الخبراء الاقتصاديون في تصريحات خاصة للبيان الاقتصادي أن الاقتصاد هو من يقود العالم حالياً، وأن السياسة أصبحت تلعب دوراً مكملاً للمصالح الاقتصادية للعالم، وأشاروا على هامش فعاليات اليوم الثاني من الأجندة العالمية إلى أن التحديات التي يواجهها العالم اليوم أغلبها اقتصادي بحت وعلى رأسها البطالة والفقر وعدم المساواة في الدخل، في حين تتمثل المشاكل السياسية في الفساد وضعف التعليم، مشيرين إلى أنه وللحصول على حلول مستدامة لهذه التحديات يجب على قادة العالم إيجاد منظومة يكون فيها الاقتصاد الغاية والسياسية الوسيلة.
تكامل بين القوى
وتفصيلاً قال أسبين أيدي مسؤول شبكة مجالس الأجندة العالمية، إن العالم يحتاج اليوم إلى تكامل بين القوى السياسية والاقتصادية خصوصاً وأن التحديات التي يواجهها تشمل القطاعين، مشيراً إلى أن أوروبا على سبيل المثال شهدت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية من الضبابية فقد حاولت الدول الكبرى في القارة العجوز إيجاد منظومة اقتصادية شاملة تنهض بالشعوب وتحقق التنمية المنتظرة، في الوقت الذي كانت فيه فرنسا وألمانيا تشهدان توترات سياسية قوية خلفتها الحرب، لكن في الأخير استطاعتا الالتقاء في منطقة مصالح مشتركة ألا وهي الاقتصاد.
وأضاف أن التحديات التي يعاني منها العالم اليوم أغلبها مشاكل اقتصادية وعلى رأسها البطالة والفقر وعدم المساواة في الدخل، في حين تتمثل المشاكل السياسية في الفساد وضعف التعليم، مشيراً إلى أنه وللحصول على حلول مستدامة لهذه التحديات يجب على قادة العالم إيجاد منظومة يكون فيها الاقتصاد الغاية والسياسية الوسيلة.
اعتماد متبادل
من جانبه قال اللورد مارك مالوك براون، نائب الأمين العام للأمم المتحدة السابق ووزير دولة سابق في الحكومة البريطانية ومسؤول التطوير الاقتصادي في البنك الدولي، إن العلاقة بين السياسية والاقتصاد في الوقت الراهن هي علاقة اعتماد متبادل، يعتمد فيها السياسيون على رجال الاقتصاد ومساهماتهم، في حين يعتمد الاقتصاديون على رجال السياسة في الضغط لإيجاد تشريعات تناسب طموحاتهم الاستثمارية، كما يستهدف الاقتصاديون الضغط على القيادة السياسية للبلاد من أجل تعزيز العلاقات مع البلدان التي تصدر المواد الأولية والرأسمال البشري في أفريقيا وآسيا. وأضاف أن هذه العلاقة أصحبت أكثر وضوحاً بعد الأزمة المالية العالمية، خصوصاً وأن تداعيات هذه الأزمة طالت التوجهات السياسية للكثير من البلدان.
وأشار إلى أن السياسة تلعب دوراً محورياً في إدارة العجلة الاقتصادية العالمية. ويجادل البعض أن الاقتصاد والمصالح الاقتصادية هي التي تحرك الاتجاهات السياسية على أرض الواقع، فالكثير من الأحداث الأمنية والعسكرية التي يشهدها العالم تكون دوافعها اقتصادية بشكل أو بآخر، ويتجلى ذلك في الطرح القائل بأن هدف الولايات المتحدة الأمريكية الأول والأخير من احتلال العراق هو الاستيلاء على ثرواته النفطية.
وبغض النظر عن مدى واقعية هذا الطرح، تبقى العلاقة بين الاقتصاد والسياسة علاقة تبادلية، حيث يؤثر كل منهما في الآخر ويتحكم في سياساته وتوجهاته.
روسيا وإيران
وقال بافيل تيليكا، عضو البرلمان الأوروبي ورئيس لجنة السياسات الاقتصادية بالبرلمان، إن هناك توجها عالميا كبيرا في الوقت الراهن نحو إيجاد صيغة تكاملية تجمع بين المصالح السياسية والاقتصادية، خصوصاً مع التقارب الكبير الذي أصبحت عليه التحديات التي يواجهها المجتمع الدولي، وأعطى مثالاً بروسيا التي خلقت أزمة سياسية مع أوكرانيا في حين كان الرد الدولي على هذه الأزمة عقوبات اقتصادية، وهو الأمر الذي نهجه المجتمع الدولي في كيفية التعامل مع الملف الإيراني.
وأشار إلى ان حتى العلاقات السياسية بين الدول أصبحت تتحكم فيها العلاقات التجارية والمصالح الاقتصادية، وصرنا نرى تحالفات ظاهرها سياسي وأصلها اقتصادي، كما هو الحال في دول البريكس (البرازيل والصين والهند وروسيا وجنوب أفريقيا) التي تعتبر اليوم قوة ثقل سياسي تم إنشاءها على أساس مصالح اقتصادية بحتة. وأضاف تيليكا أن الشعوب العالمية اليوم لم تعد تهتم كثيراً بالسياسية بل تنتظر من قياداتها حلولاً اقتصادية، تعالج مشاكلها المتنامية مثل البطالة والفقر وعدم المساواة في الدخل.
تبادل السيطرة
من جانبها قالت أليشيا بارتشينا إيبارا السكرتير التنفيذي للمفوضية الاقتصادية لأميركا الجنوبية ومنطقة الكاريبي ورئيس كرسي أميركا الجنوبية في مجلس الأجندة العالمية، إن العالم إلى غاية العام 2009 أي ما قبل الأزمة المالية العالمية كانت سلطة المال والأعمال هي من تحكم، وبالدليل أن الأزمة جاءت لتقضي على الكثير من الحكومات، منها اليونانية والإيطالية، بسبب تداعيات أزمة اقتصادية، مشيرة إلى أن الحال اختلف في الوقت الراهن، خصوصاً مع تنامي الصراعات السياسية بين الدول.
وأضافت قائلة: "في الوقت ذاته، إذا نظرنا بدقة وعمق إلى هذه الصراعات فسنجد أن أساسها وأصلها اقتصادي بحت، وغالباً يتمحور حول إيجاد موارد جديدة". وأوضحت إيبارا أن الأمثلة في أميركا اللاتينية عديدة عن تحكم اللوبيات الاقتصادية في القرارات السياسية، وهو ما نتج عنه فارق كبير في الدخل، لافتة إلى أن تشيلي تعتبر من الدول الأكبر عالمياً في مؤشر عدم المساواة في الدخل، مشيرة إلى أن الحل الأمثل لهذه المشكلة يتثمل في خلق مفهوم اقتصادي جديد يعالج الأزمة بشكل مثالي، كفرض ضرائب حسب حجم الدخل.
برامج انتخابية
وقال السيناتور ديلمان إهلبيرك، رئيس المنظمة العالمية للمدققين الماليين وعضو الكونغرس السابق، إن الأولوية العالمية حالياً تعطى بالأساس إلى الاقتصاد، ويظهر ذلك جلياً في تصدر القضايا والحلول الاقتصادية للبرامج الانتخابية في كل الدول، فسواءً الرئيس الفرنسي أو الأميركي أو رئيس الوزراء اليوناني أو الإيطالي أو البريطاني قدموا خلال الانتخابات برامج تتمحور معظم نقاطها على البنود الاقتصادية، كما وعدوا الناخبين بحلول اقتصادية لمشاكلهم الاجتماعية.
وأضاف أن المشاكل السياسية قد نجد لها حلولاً اقتصادية لكن الصعب هو إيجاد حلول اقتصادية لمشاكل سياسية، خصوصاً وأن الأداة الرئيسية لحل أي مشكلة تعتمد على توفر الموارد المادية، وهو ما يعني دفع العجلة الاقتصادية وتعزيز النمو الذي يوجد فرص عمل ويخفف الفقر ويقضي على البطالة وعدم المساواة في الدخل التي اعتبرها التحديات الأكبر الذي يواجهها العالم. وأشار إلى أن أزمات أخرى مثل الانحباس الحراري أساسه اقتصادي من خلال الاعتماد على مصادر طاقة غير نظيفة وتضر بالبيئة، كما أن مشكلة مثل الفساد أساسه اقتصادي بسبب عدم وجود منظومة وظيفية قادرة على إسعاد الناس دون حاجتهم إلى الفساد.
الإنعاش الاقتصادي
قال دالجيت سينغ، رئيس معهد فورتيس للاستشارات السياسية في الهند، إن العالم بعد الأزمة المالية قد شهد تعاوناً بين الدول الكبرى للتغلب على التحديات المالية والاقتصادية المفروضة على الجميع، وقد يكون هذا التعاون جلب بعض من ثماره من خلال توحيد وتنسيق جهود الإنعاش الاقتصادي خاصة في ظل الترابط الوثيق بين أسواق المال والسلع وحركة التجارة العالمية.
ويتجلى الدور الرئيسي للسياسة الدولية في الأزمة الاقتصادية الراهنة من خلال الدور الذي تقوم به قمة العشرين التي أخذت، بشكل شبه رسمي، زمام المبادرة في إدارة الاقتصاد العالمي على حساب قمة الثماني، والغريب في الأمر أن الأخيرة لا تزال تمارس مهامها كالمعتاد حالياً على الأقل.
وأضاف أن هذا التنسيف نتج عنه تحالفات سياسية عالمية جديدة تتحرك بمنطق المصالح الاقتصادية أولاً ثم التوافق في الآراء السياسية حول القضايا العالمية الشائكة ثانياً، وهو ما يدل على أن العجلة الاقتصادية هي من تقود المركبة السياسية حالياً.
سفير العراق وممثل الأمم المتحدة: رؤية محمد بن راشد الحل لمواجهة «داعش»
أكد الدكتور فريد ياسين سفير العراق في باريس أن الرؤية التي قدمها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في مقاله "داعـش.. التي وحّدت العالم" قدم للعالم الحلول الأمثل لمواجهة التطرف الديني والمنظمات الإرهابية وعلى رأسها تنظيم داعش، وأضاف ان محاربة هذا التنظيم لن تنجح فقط عن طريق العمليات العسكرية، بل بالاستثمار في الدول التي تعاني من هذه الآفة خصوصاً في مجالات مثل التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية وإيجاد فرص عمل.
وكان سموه قد قال في المقال: "لمواجهة هذا الخطر، فبالإضافة للعمل العسكري، والحصار المالي والإعلامي، وقطع الموارد، وإغلاق المنافذ، وضرب مراكزه وقياداته، يمكن التغلب على داعش وغيرها من المنظمات الإرهابية بفكر مستنير، منفتح، يقبل الآخر ويتعايش معه، فكر مستنير من ديننا الإسلامي الحنيف الصحيح الذي يدعو للسلام، ويحرم الدماء، ويحفظ الأعراض، ويعمر الأرض، ويوجه طاقات الإنسان لعمل الخير ولمساعدة أخيه الإنسان.
إن الشباب الانتحاري الساعي للموت بسبب إيمانه بفكرة خبيثة، لن يوقفه إلا فكرة أقوى منها ترشده لطريق الصواب، وتمنعه من الانتحار، وتقنعه بأن الله خلقنا لعمارة الأرض، وليس لدمارها. ولعلي هنا أن أشيد بتجربة إخوتنا في المملكة العربية السعودية في هذا المجال، وقدرتهم الكبيرة على تغيير قناعات الكثير من الشباب عبر مراكز المناصحة التي أنشؤوها. ولعل المملكة بمفكريها وعلمائها، وما تمثله من مكانة روحية وفكرية لدى المسلمين، هي الأقدر والأجدر والأفضل لقيادة هذا التغيير الفكري".
حلول
واتفقروس ماونتن، ممثل المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان، تماماً مع رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، مشيراً إلى أنها لخصت الوضع الراهن بكل تفاصيله، كما قدمت حلولاً لطالما آمنا بها وبمنجزاتها، مشيراً إلى أن العمل العسكري قد يخلصنا من المشكلة جزئياً وفقط في الوقت الراهن، لكنها -أي العمليات- لن تحل المشكلة بشكل مستدام يضمن الأمن والآمان للأجيال القادمة، وأضاف أنه ولتحقيق هذا الهدف يجب تكاتف الجهود المحلية والإقليمية والعالمية، فهذا التنظيم لا يهدد فقط سوريا والعراق بل يهدد العالم أجمع خصوصاً مع حركته التوسعية الكبيرة وتأثيره على العديد من الشباب الذي لا يعي خطورة هذه المفاهيم على المجتمع.
التنمية الاقتصادية
وفي نفس السياق قال مصطفى العاني مدير قسم الدراسات الأمنية والدفاعية في مركز الخليج للأبحاث في لندن: إن التهديد السياسي يعيق الحركة الاقتصادية لأي بلد، ولذلك لا يمكن أن نرى نهضة اقتصادية في بلدان تعاني من الاضطرابات السياسية، مشيداً بما قاله صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد من أنه "لا يمكن للعالم تجاهل الإخفاقات التنموية في العديد من مناطق الشرق الأوسط.
هي مسؤولية عالمية وعربية، ولا بد من مشاريع ومبادرات فعالة لعلاج مثل هذا الخلل. التنمية الشاملة، وتحسين التعليم والصحة، وتوفير البنية التحتية، وتطوير الفرص الاقتصادية، هي حلول طويلة الأمد ومضمونة لمثل هذه التحديات. التنمية المستدامة هي أكثر الحلول استدامة لمواجهة الإرهاب"، حيث إن التنمية الاقتصادية والاجتماعية للشعوب هي الحل.









