رجّح مسعود أحمد مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي أن يقوم الصندوق بمراجعة توقعاته بنمو الناتج المحلي الإجمالي في الدولة وذلك على ضوء ارتفاع وتيرة النشاط الاقتصادي في كافة إمارات الدولة ليرفع بذلك النمو المتوقع لاقتصاد الدولة من 4.4 % إلى 4.5 % في 2014.

وأضاف أن بعثة الصندوق التي تختتم زيارتها للدولة غداً الخميس ستقوم بمراجعة توقعاتها التي من المرجح أن ترتفع بخصوص نمو اقتصاد الدولة هذا العام، وذلك بناء على تحسن أداء القطاعات غير النفطية، وستصدر تقريرها في المستقبل القريب.

وعلى هامش مؤتمر صحفي للإعلان عن تقرير «مستجدات آفاق الاقتصاد الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» والصادر عن صندوق النقد الدولي، أشار هاني الهاملي، الأمين العام لمجلس دبي الاقتصادي إلى أن التقرير يعكس حيوية الاقتصاد الإماراتي في رحاب الاقتصاد الإقليمي والعالمي. فقد بلغ معدل النمو الاقتصادي الحقيقي للأمارات خلال الفترة 2000-2008 حوالي 6.2% وهو من بين أعلى المعدلات على مستوى المنطقة. كما استطاع الاقتصاد الإماراتي ان يتجاوز تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية التي اندلعت في عام 2008 ثم استمر بالزيادة حتى وصل الى 4.8% في عام 2013 لتأتي الإمارات بالمرتبة الثانية بعد قطر، كذلك من المتوقع ان تحافظ الإمارات على مستواها من النمو خلال العام الحالي والقادم.

ولفت الهاملي إلى أن هذا الإنجاز تحقق بفضل المبادرات والسياسات الحكيمة التي تبنتها حكومة الإمارات لاحتواء تداعيات الأزمة المالية العالمية وتحويلها الى فرص للنمو، الى جانب استراتيجية تنويع القاعدة الإنتاجية من خلال تقليل الاعتماد على النفط مقابل تنمية القطاعات ذات القيمة المضافة العالية كالتجارة والسياحة والخدمات المالية واللوجستية، إضافة الى استمرار الإنفاق على البنية التحتية والخدمات الاجتماعية كالتعليم والصحة والذي ثبتت أهميته لجهة تنشيط الطلب وتلبية متطلبات التنمية، حيث تبرز الإمارات من بين دول المنطقة في هذا المجال، حيث بلغت نسبة رصيد المالية العامة الكلي من إجمالي الناتج المحلي حوالي 7.1% عام 2013، ويتوقع أن يرتفع الى 7.9% العام الحالي.

وأضاف الهاملي: «في سياق النهضة الاقتصادية التي تشهدها الدولة، تبرز دبي بوصفها مركز ثقل الاقتصاد الوطني. فقد استطاعت الإمارة ان تحقق مستويات في معدلات نموها الاقتصادي قد فاقت التوقعات. حيث ازدادت من 3.5% عام 2010 الى 4.1% في عام 2012 ولتحافظ على هذا الأداء في عام 2013، ويأتي ذلك بفضل السياسات الرشيدة التي اتخذتها حكومة دبي طوال السنوات الماضية.

علاوة على ذلك، فإن تدفق المبادرات الاستراتيجية من قبيل مبادرة الاقتصاد الإسلامي والتي تقضي بإضافة قطاع الاقتصاد الإسلامي كقطاع جديد في اقتصاد دبي، والسعي لتحويل الإمارة الى عاصمة عالمية للاقتصاد الإسلامي، وكذلك فوز دبي باستضافة المعرض الدولي إكسبو 2020، وإطلاق رؤية دبي السياحية 2020، الى جانب المشاريع الإنمائية الضخمة في مختلف المجالات، ومبادرة الحكومة الذكية، وغيرها، جميعها ستشكل عوامل دفع ستؤهل الإمارة لأن تكون في طليعة اقتصادات المنطقة والعالم على المدى المنظور.

مؤشرات

وكان صندوق النقد الدولي توقع في تقرير له صدر مؤخراً أن يسّجل الناتج المحلي الحقيقي في الإمارات نمواً بنسبة 4.4% هذا العام وبنسبة 4.2% العام القادم. وأضاف البنك في تقريره »مستجدات آفاق الاقتصاد الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا« أن القطاعات الاقتصادية غير النفطية في الدولة تشهد تحسناً ملحوظاً في الوقت الراهن. وتوقع الصندوق أن تصل النسبة المئوية لرصيد المالية العامة الكلي على مستوى الحكومة العامة من إجمالي الناتج المحلي إلى 7.9% هذا العام و6.8% العام القادم وهو ما يدعم خطط الحكومة في تعزيز التنمية الاقتصادية.

ويقدم الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي منظوراً أفضل حول قوة اقتصاد الدول بالمقارنة مع الناتج المحلي الإجمالي الاسمي، لأن الأول يقيس الناتج الاقتصادي الإجمالي للدول مع الأخذ بعين الاعتبار تغيرات الأسعار، لذا فهو مؤشر أفضل بالمقارنة مع الناتج الاسمي الذي يتم تقديره في مستويات الأسعار الحالية وقيم العملات، دون حساب التضخم، خصوصاً عند تتبع الناتج الاقتصادي على مدى فترة من الزمن.

الاتجاه الصحيح

وأضاف أحمد أنه حان الوقت لتقوم السلطات المختصة في الدولة باتخاذ إجراءات »أكثر قوة« للتحوط من حدوث فرط نشاط في القطاع العقاري واصفاً الإجراءات التي اتخذها المصرف المركزي للحد من قيمة التمويل المسموح لشراء العقارات إضافة إلى قيام دائرة الأراضي والأملاك في دبي قامت بزيادة رسوم التسجيل العقارية من 2 إلى 4% في أكتوبر الماضي بأنها »خطوات في الاتجاه الصحيح« من شأنها الحد من المضاربة وحدوث تقلبات حادة الدورات الاقتصادية.

وأضاف: »حين نرى ارتفاع أسعار العقارات وخصوصاً السكنية بمستوى 34% سنوياً بحسب بعض الإحصاءات الأخيرة فإن ذلك يؤدي إلى المضاربة التي يمكن أن تؤدي إلى زعزعة القطاع العقاري، وهناك مؤشرات على عودة المضاربة حالياً، وقمنا مع المصرف المركزي باستعراض تجارب دول أخرى مثل هونغ كونغ وسنغافورة قامت بتطبيق نظام رسوم بحسب طبيعة الصفقات والمستثمرين بهدف تهدئة السوق بحيث رفعت الرسوم على الصفقات ذات الأجل القصير أو غير المقيمين إلى حوالي 20 أو حتى 30% في حين خفضت الرسوم على المقيمين الذين يريدون شراء العقارات بهدف السكن، ولكننا لم نقم بتحديد أو توصية الرسوم الممكنة في السوق المحلي. ونعتقد أن تطبيق تلك الرسوم يحمي البنوك من المخاطر والسوق العقاري من حدوث فرط في النشاط«.

هيكلة الإنفاق

وأضاف مسعود أحمد خلال مؤتمر صحفي في دبي أمس لاستعراض نتائج التقرير، أن الفوائض المالية في الدول المصدرة للنفط قد تتلاشى في غضون السنوات العشر القادمة، ما قد يؤدي بدوره إلى حدوث عجز في موازنات تلك الدول، خصوصاً في حال انخفاض أسعار النفط عن مستوياتها الحالية. وأضاف: »نعتقد بوجود حاجة إلى أن تقوم الدول المصدرة للنفط بإعادة التفكير في هيكلة الإنفاق ونعتقد أن الوصول إلى مصادر دخل بعيدة عن النفط سيكون عاملاً داعماً للموقف المالي في تلك الدول.

ويعد التقرير المذكور من أهم المنشورات التي يصدرها سنويا صندوق النقد الدولي والذي يهدف إلى متابعة أحدث التطورات الاقتصادية في دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويكشف التقرير أساساً عن حالة اقتصادات المنطقة على المديين القريب والمتوسّط وأهمّ قضايا السياسات الاقتصادية فيها.

تضخم الأسعار

ورجّح البنك في تقريره أن تظل ضغوط التضخم مكبوحة في معظم البلدان المصدرة للنفط في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان، متوقعاً أن تبقى مستويات تضخم أسعار المستهلكين في الدولة عند مستوى 2.2% هذا العام و2.5% العام القادم في حين يصل من المتوقع أن يصل معدل التضخم في بلدان مجلس التعاون الخليجي إلى مستوى نسبة 3% فهذا العام وذلك بسبب تراجع أسعار الواردات واستمرار توافر العمالة الوافدة بأجور منخفضة. وقال البنك إنه يراقب عن كثب ارتفاع تكاليف الإسكان في الإمارات وخصوصاً في دبي على خلفية تعافي القطاع العقاري وفوز الإمارة باستضافة إكسبو 2020، وذلك تحسباً لدخول الاقتصاد في نوبة من النشاط المحموم.

تحديات

وأشار التقرير إلى أن البلدان المصدرة للنفط لا تزال تواجه تحدي الحد من اعتمادها على النفط على المدى الأطول. وأضاف: «زيادة عرض النفط من المصادر غير التقليدية والكفاءة المتزايدة في استخدام الطاقة يفرضان ضغوطاً خافضة لأسعار النفط التي تتقلب بدورها تحت تأثير تذبذب التوقعات المتعلقة بنمو الطلب العالمي والمخاطر الجيوسياسية. وقد ساهم تناقص الإيرادات النفطية بالفعل في تراجع فوائض المالية العامة لدى البلدان المصدرة للنفط بشكل عام خلال السنوات الأخيرة، وهو ما ساهمت فيه أيضاً زيادة الإنفاق العام.

بما في ذلك الإنفاق على الأجور وعلى دعم الطاقة. ولن يقتصر أثر زيادة تنويع الاقتصاد على الحد من تقلب الناتج وإيرادات المالية العامة، بل يمتد أيضاً إلى تعزيز النمو الاقتصادي الممكن وتوفير المزيد من فرص العمل في القطاع الخاص للقوة العاملة التي تشهد أعدادها نمواً سرياً.

كما توقع التقرير أن ترتفع معدلات النمو في بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان المصدرة للنفط عن مستوياتها المنخفضة في العام الماضي، وذلك مع استجابة الإنتاج والصادرات النفطية لتعافي الاقتصاد العالمي، بينما يظل النشاط الاقتصادي غير النفطي يستمد الدعم من مستويات الإنفاق الرأسمالي العام المرتفعة في القطاع العام ومعدلات الائتمان المتزايدة الموجهة للقطاع الخاص.

صلابة

وقال البنك إنه من شأن الاحتياطيات الوقائية الكبيرة أن تمكن معظم دول مجلس التعاون الخليجي من التصدي حتى في حال تعرض الإيرادات النفطية إلى صدمات كبيرة أو غير متوقعة على المدى القريب. ونظراً لدور المملكة العربية السعودية في استقرار سوق النفط فقد توقع الصندوق أن تسجل المملكة عجزاً في ماليتها العامة العام القادم وذلك في حال خفضت المملكة إنتاجها من النفط بمقدار 7%، مع افتراض عدم تعديل الإنفاق. ويُلاحَظ أن أوضاع المالية العامة في البحرين وعمان ضعيفة نسبياً بالفعل، ويحتاج هذان البلدان إلى أسعار نفط أعلى من 100 دولار لتحقيق التوازن في ميزانيتهما العامة.

 

تواصل انخفاض القروض المتعثرة في البنوك المحلية

اعتبر المستشار هارولد فينجر، رئيس بعثة الإمارات في بعثة صندوق النقد الدولي، أن النظام المصرفي في الدولة يتمتع بمستوى أكبر من السيولة وقادر على تمويل العديد من المشاريع الكبيرة المزمعة في الدولة وبالتالي دعم خطط النمو الطموحة في الدولة وإمارة دبي.

وأضاف: نحن في الوقت نفسه لا زلنا نراقب التركزات الائتمانية لوحدات دبي الحكومية في البنوك التي يصل حجمها إلى 150 مليار دولار، لأن تلك النسب تبقى مرتفعة بعض الشيء، وعلينا في الوقت نفسه القول بأن قدرة دبي على إدارة ديونها تحسنت بشكل كبير خلال العامين الماضيين.

وأضاف: نظرتنا للقطاع المصرفي هذا العام إيجابية ونرى نمواً في الودائع هذا العام بالمقارنة مع العام الماضي، ورأينا نمواً في حجم الائتمان العام الماضي للمرة الأولى منذ الأزمة العالمية ونعتقد أن ذلك سيستمر هذا العام ليصل إلى مستويات صحية. وأشار إلى أن القروض المتعثرة في بنوك دبي مستمرة في الانخفاض بسبب الإدارة الأكثر فعالية في البنوك وهذا مؤشر إيجابي جداً ويعكس صحة اقتصاد دبي والدولة عموماً.

وقال إن الصندوق ينظر بإيجابية إلى قيام حكومة أبوظبي بعملية إعادة تمويل قرض لحكومة دبي بقيمة 20 مليار دولار أميركي، مشيراً إلى أن أجل القرض مناسب وهو يعزز الثقة بالسوق المحلي على المدى المتوسط.

وتوقع فينجر أن ترتفع حصة الإمارات في التصويت في صندوق النقد الدولي بشكل كبير، خصوصاً بعد أن يقوم الأخير بالانتهاء من عملية إعادة تنظيم حقوق التصويت والتصديق عليها من قبل الدول الأعضاء وخصوصاً الولايات المتحدة التي لم تصادق على تلك العملية حتى الآن ونحن في مفاوضات معها حالياً لتقوم بذلك.

كما توقع أن يؤدي إصدار سجلات ائتمانية للعملاء من خلال شركة الاتحاد للمعلومات الائتمانية إلى تعزيز الائتمان في البنوك وخصوصاً لجهة الشركات الصغيرة والمتوسطة. وأضاف: «حظوظ الشركات الصغيرة والمتوسطة في منطقة الشرق الأوسط في الحصول على قرض هي الأقل على مستوى العالم التي تحصل على أقل تمويل بنسبة 7% فقط، لأن البنوك في المنطقة تركز على إقراض الشركات الكبيرة».

ومن جانبه أكّد مسعود أحمد خلال جلسة حوار حملت عنوان «آفاق الاقتصاد الإقليمي في ظل اقتصاد عالمي مضطرب أدارها الدكتور عبد الرزاق الفارس كبير المستشارين الاقتصاديين مجلس دبي الاقتصادي»، ضرورة اجتذاب المزيد من الشباب المواطن للعمل في القطاع الخاص خصوصاً في الاقتصادات ذات الفوائض الكبيرة خصوصاً مع توفير تلك لاقتصادات لفرص كثيرة ومتنوعة للعمل. وأضاف: «حتى إن كان جلب يد عاملة أجنبية من الخارج أقل كلفة إلا أن ذلك قد يكون له تأثيرات سلبية، ويمكن مع تغيير الحوافز للمواطنين في القطاع الخاص وتغيير سياسات التوظيف في القطاع العام رفع مستوى توطين الوظائف».

 

رؤية

قدم هاني الهاملي رؤية مجلس دبي الاقتصادي بشأن مستقبل اقتصاد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتقام على ثلاثة محاور تشمل تعزيز رصيد رأس المال البشري وذلك من خلال الاهتمام بالتعليم والتدريب والتأهيل إضافة إلى الصحة، إلى جانب تعزيز البيئة الاقتصادية الكلية الداعمة للتحولات الهيكلية، ويتضمن ذلك اتخاذ السياسات الاقتصادية المالية والنقدية السليمة التي تضمن تحقيق أكبر قدر ممكن من الاستقرار الاقتصادي الكلي، وتعزيز الثقة، والاعتماد على برامج الشراكة بين القطاعين العام والخاص في تنفيذ مشاريع البنية التحتية، ورفع مستوى التنافسية. بالإضافة إلى إذكاء دينامية مشاريع التكامل الاقتصادي الإقليمي وذلك من خلال تحرير التبادل التجاري بين دول المنطقة، واستكمال استحقاقات التكامل والوحدة الاقتصادية وخاصة بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي.