في تاريخ دبي الحديث تجارب اقتصادية متنوعة وفريدة ومميزة، سواء في صياغتها أو تطبيقها، لكن تبقى علامتها الفارقة في جرأة اتخاذ القرار الشجاع بشأنها ووضعها موضع التنفيذ. ولم تتأخر العديد من الأسواق العالمية، التي كانت تنظر بعين الشك لتلك التجارب، عندما كانت في مهدها في ضرب المحاولات تلو الأخرى لنسخ أو تقليد تلك التجارب بعد نجاحها المدوي.
اليوم أصبحت تلك التجارب نموذجاً تقتدي به دول العالم، ولا يمر عام إلا وتستقبل دبي وفوداً رسمية رفيعة المستوى قادمة بهدف التعرف إلى تجربة من تلك التجارب الغنية، والتعاون من أجل نسخها في تلك الدول والبلدان. أسواق عريقة وأخرى صاعدة ترى في دبي عاصمة اقتصادية عالمية بلا منازع، وتتطلع إليها على أنها النموذج الحلم.
تجارب دبي الاقتصادية غادرت نطاقها المحلي بطلب من الأشقاء والأصدقاء، وباتت تطبق اليوم في دوائر رسمية وقطاعات اقتصادية حكومية ومختلطة في العديد من دول العالم. «البيان الاقتصادي» يفتح ملف تجارب دبي الاقتصادية الناجحة.
نقل الخبرات الوطنية في التوثيق والتسجيل والاستدامة العقارية
أسواق دولية عريقة تتعلم من «أراضي دبي»
أصبحت دائرة أراضي وأملاك دبي مرجعية عقارية عالمية في مختلف المجالات المتصلة بالعقارات، وتحديداً في مجالات دقيقة ومعقدة مثل التوثيق والتسجيل والتنظيم والملكية وصولاً إلى الاستدامة العقارية التي تُعد الأولى من نوعها على وجه المعمورة.
لم تأت تلك الشهادة مجاملة بحق أحد أقدم دوائر ومؤسسات دبي، فطيلة السنوات الماضية والعام الجاري توافدت فرق عمل ووفود رسمية لتتطلع على تجربة الدائرة في تلك المجالات فضلاً عن توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم بينها وبين نظرائها من مختلف دول العالم بهدف نقل تجربتها. هذا غير الاتفاقيات التي ابرمتها مع دوائر محلية في مختلف إمارات الدولة.
«الأراضي» توجت تلك المكانة الدولية بقيامها نهاية مارس الماضي بعرض تجربتها الثرية في المجال العقاري أمام البنك الدولي بحضور وفود عربية وأجنبية رسمية وجدوا في تلك التجربة قدوة ومثالاً يحتذى، وهو ما جعلها تتربع على صدارة المؤشرات العالمية خصوصاً المتصلة بالشفافية في التعاملات والملكية العقارية.
نقل الخبرات
يصعب حصر الاتفاقات التي أبرمتها الدائرة مع نظرائها من مؤسسات في المنطقة والعالم بهدف نقل خبرات اراضي دبي إلى تلك الأسواق، إلا أن أبرزها داخلياً كان مع مختلف دوائر دبي في إطار شراكات إستراتيجية فضلاً عن التنظيم العقاري في عجمان ومع دائرة التسجيل العقاري بالشارقة بهدف تبادل الخبرات العلمية والعملية وتنظيم برامج تدريبية في المجال العقاري وفق التخصصات والإمكانات المتاحة لكل منهما.
وعرضت أراضي دبي خبراتها على الأشقاء العرب بلا استثناء وفي المجالات العقارية كافة، وكان آخرها نقل خبرات الدائرة إلى الكويت الشقيقة، وقد أكد قنصل عام دولة الكويت في دبي والمناطق الشمالية، السفير دياب فرحان الرشيدي، ان الخبرات التي تراكمت لدى دائرة الأراضي والأملاك بدبي يمكن الاستفادة منها لتطوير القطاع العمراني الكويتي.
وأشاد الرشيدي عقب اجتماعه مع رئيس دائرة الأراضي والأملاك بدبي، الشيخ محمد بن خليفة آل مكتوم، في مكتبه بالدائرة بالتطور الاقتصادي والعمراني الذي تشهده دولة الإمارات عموماً ودبي خصوصاً. وشدد على أهمية دعم العلاقات الأخوية القائمة بين البلدين الشقيقين بما يعود بالنفع على نهضة المنطقة ورفاهية شعوبها.
ولفت الرشيدي، إلى أن الخبرات التي تراكمت لدى الدائرة يمكن الاستفادة منها لتطوير القطاع العمراني الكويتي، خصوصاً بعد أن وصلت إلى مرتبة عالمية متقدمة بفضل اعتمادها على أفضل الممارسات والمعايير الدولية، وحصولها على كثير من الجوائز العالمية في مجالات عملها وأنشطتها تقديراً لما حققته من تميز وابتكار.
وأضاف أن أداء الدائرة المتميز ساعدها في الاستحواذ على الإعجاب العالمي وضمن لها الاعتراف والتقدير لتتمكن في نهاية المطاف من الفوز باستضافة "معرض إكسبو الدولي 2020".
آليات الدعم
الشيخ محمد بن خليفة آل مكتوم والسفير الرشيدي استعرضا خلال الاجتماع آليات الدعم التي يمكن لدائرة الأراضي والأملاك في دبي تقديمها للجهات القائمة على قطاع الأراضي في الكويت.
وأكد الشيخ محمد بن خليفة آل مكتوم، أن الدائرة ترتبط بعلاقات أخوية وطيدة مع الأشقاء في مجلس التعاون الخليجي، وتحرص على التنسيق المستمر وتبادل الخبرات معهم من أجل تنظيم القطاعات العقارية فيها، على النحو الأمثل بما يتناغم مع أرقى المعايير المعمول بها في الدول المتطورة حول العالم.
وشهدت الدائرة أيضاً زيارة وفد رفيع برئاسة انثوني تابون قنصل مالطا العام في دبي لبحث ولمناقشة آلية التعاون المشترك بين الطرفين ولنقل المعرفة العقارية في التسجيل والتنطيم العقاري في ظل سعي الجانب المالطي الاستفادة من خبرات دائرة الاراضي خاصة فيما يتعلق بالنظم الالكترونية المتبعة ودورها في إنهاء معاملات العملاء بسرعة وكفاءة، ووقعت مالطا اتفاقية تعاون وتنسيق مشترك تتركز بالأساس حول الاستعانة بأحدث النظم الالكترونية المعمول بها في دائرة الاراضي والاملاك في دبي.
آلية عمل
عرضت الدائرة آلية العمل اليومية التي تقوم بها في التسجيل والتوثيق وحفظ حقوق المتعاملين بالإضافة الى عرض نظام تسجيل الأراضي المتطور لديها ونظام المساحة والتقييم العقاري.
وقال الشيخ محمد بن خليفة آل مكتوم: على مدار خمسين عاماً على تأسيس الدائرة حدثت تطورات كثيرة في طبيعة عملها بحيث باتت انظمتها اكثر تماشياً مع التطورات الحاصلة في الإمارة فباتت تنافس الأنظمة المماثلة في الدول الأخرى.
ويعد التطور في انظمتنا متناسباً مع واقعنا المتغير ولنواكب سعينا الحثيث نحو المستقبل ودفع عجلة التطور في خدماتنا، مشيراً الى ان التطور أصبح ملازماً لكل التعاملات التي تقوم بها الدائرة من تسجيل كل العمليات والصفقات العقارية في الإمارة وتسجيل جميع المعاملات.
وبالتالي فإن الأمر تخطى عملية تسجيل الملكية ليصبح أكثر من مجرد تسجيل وإصدار سندات الملكية فتحول إلى تجربة كاملة للعملاء وتحمل مسؤولية كاملة للقيام بتسجيل عمليات نقل الملكية وتحمل المسؤولية بتطوير التشريعات اللازمة على نطاق واسع بما يضمن ترتيب وضع القطاع العقاري في دبي وتنظيمه، بحيث صنفت الدائرة من البنك الدولي ضمن المراكز الخمسة الأولى نظراً لعملية التسجيل التي لا تتجاوز اليوم الواحد.
استفادة
يقول سلطان بطي بن مجرن المدير العام لدائرة أراضي وأملاك دبي إن دبي تمتلك اكبر قاعدة مستثمرين عالميين، وقد تم عمل مقارنة معيارية لأنظمة الدائرة مع أسواق عقارية عريقة في دول متقدمة مما يعزز خبراتنا ويزيد معارفنا المتصلة بالتنظيم العقاري فلا يفوتنا تعزيز تجربتنا المتفردة بكل ما هو جديد ومميز، لافتاً الى خطة الدائرة الاستراتيجية والتي من شأنها ان تجعل سوق عقارات دبي في المراكز الأولى في التسجيل العقاري والملكية العقارية من خلال سهولة وسرعة التسجيل، مضيفاً ان ذلك يتجسد خلال رؤية الدائرة بأن نكون المرجعية الأولى عالمياً في التنظيم والتسجيل العقاري.
مشيراً الى الافكار الجديدة لتطوير طرق التسجيل والتوثيق والتعامل مع قواعد البيانات.
مضيفاً: انجازات الدائرة في مجال التسجيل والتنظيم مثار إعجاب وتعد فرصة لابد من اغتنامها وتمثل بيت خبرة كبيراً في تنظيم القطاع العقاري، مؤكداً ان تجربة دبي في مجال التنظيم العقاري فريدة وجديرة بالدراسة خصوصاً مع الطفرة العمرانية والعقارية التي شهدتها الإمارة.
الاستدامة العقارية
آخر ما قدمته الدائرة من خبرات لوفود دول عربية وأجنبية الذين حضروا إلى دبي كان يتركز على مفهوم جديد تحت مسمى الاستدامة العقارية وخصصت لذلك "مؤتمر الاستدامة العقارية" لرفع مستوى الوعي في القطاع العقاري، من خلال طرح برامج ومشاريع تسهم في بناء اقتصاد أخضر، وتحافظ على بيئة عقارية خضراء وآمنة، وتوفر سبل الراحة للمواطنين والمقيمين.
شارك في أعمال المؤتمر 27 متحدثاً رسمياً، يمثلون 12 دولة عربية وأجنبية، وبمشاركة حشد من الاختصاصيين، يتجاوز عددهم 300 خبير عربي وأجنبي، شاركوا في مظلة علمية أسستها الدائرة لمواكبة مضامين مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، والتي تدعو إلى بناء اقتصاد أخضر في دولة الإمارات، تحت شعار "اقتصاد أخضر لتنمية مستدامة".
يُعد المؤتمر المنصة المناسبة للمهنيين وأصحاب المصالح في قطاع العقارات على المستوى العالمي، من أجل تبادل الخبرات والنصائح ذات الصلة باستراتيجيات الابتكار، في إطار التخطيط لاستثمار قائم على أسس متينة، وتحديد آليات ووسائل التنمية المستدامة التي تفرضها السوق العقارية، وكذلك استكشاف الفرص الناشئة عن التغير الحاصل في المشهد الاقتصادي العالمي.
وأشار سلطان بطي بن مجرن، إلى حرص دبي على المحافظة على البيئة، وإطلاقها العديد من المبادرات خلال السنوات الأخيرة، والتي تهدف من خلالها إلى زيادة الوعي لدى أبناء المجتمع، وضرورة المحافظة على الموارد الطبيعية في مختلف المجالات، سواء من خلال زيادة المساحات المزروعة، وترشيد استهلاك المياه والكهرباء، أو من خلال المحافظة على التوازن البيئي، ورعاية الحياة البرية والبحرية، فضلاً عن دعم توجه مؤسسات القطاعين الحكومي والخاص لاعتماد أفضل الممارسات البيئية، ووفق أرقى المعايير الدولية.
وضع الخبرات في خدمة العالم
قال سلطان بطي بن مجرن مدير عام دائرة أراضي وأملاك دبي إن توجيهات وأوامر القيادة الرشيدة تقضي دائماً بوضع خبراتنا في خدمة الإنسانية وكل من يريد الاستفادة منها انطلاقاً من الرسالة الحضارية للدولة، ولذلك لم تبخل الدائرة كغيرها من المؤسسات والدوائر في تقديم الدعم والإسناد لكل من يطلبهما من خارج الإمارات وفي مختلف الاختصاصات، لاسيما قطاع العقارات والقطاعات الخدمية والإنتاجية الأخرى، وليس غريباً أن نتلقى دعوات من هذا النوع بعدما أصبحت الإمارات ودبي معروفة على مستوى العالم بما تمتلكه من مقومات عصرية ترتقي بالحياة الإنسانية في مجالات النهضة العمرانية والبنية التشريعية والحياة الآمنة المستقرة.
إعجاب عربي بتجربة دبي في تشجيع الاستثمار العقاري
قبل عامين رعى الملك عبدالله الثاني العاهل الأردني، أعمال المؤتمر العربي الرابع للتنمية العقارية والعمرانية تحت شعار (نحو سوق عقاري عالمي وشفاف)، واستهدفت دائرة الأراضي والأملاك في دبي من ورائه تقديم كل خبراتها واتاحتها امام الأشقاء العرب.
شارك في أعمال المؤتمر 40 متحدثاً رسمياً يمثلون 24 دولة عربية واجنبية هي (الإمارات ومصر وسوريا واليونان والسودان والسعودية واميركا والأردن وتونس وفلسطين وعمان والمغرب والكويت ولبنان واليمن والعراق والبحرين وبريطانيا وايطاليا وغانا وكوريا الجنوبية والمانيا والهند) وحشد من المتخصصين يتجاوز عددهم 300 خبير عربي وأجنبي ساهموا في إثراء فعاليات المؤتمر المنعقد في فندق لو رويال قاعة عشتار في عمان.
حرصت دبي على تسخير جهودها وخبراتها المتراكمة والمتطورة لتعضيد وتقوية العمل العربي المشترك إيماناً منها بأهمية تعزيز الشراكة المعرفية العربية على صعيد الاستثمار والتطوير العقاري.
وقال مدير عام الدائرة سلطان بطي بن مجرن إن (دائرة أراضي وأملاك دبي تثق بأن الشراكة العربية على هذا الصعيد ستتكلل بالنجاح عبر تسخير أعمال المؤتمر ونقاشاته المعمقة ليكون بمثابة المجهر الذي يبحث الفرص مقابل كل التحديات التي تواجه صناعة الاستثمار العقاري)، مؤكداً سعي وحرص امارة دبي للحفاظ على مكانتها الفاعلة في المؤسسات العالمية التي تعنى بشأن التنظيم والتطوير العقاري لتوفير كل ما من شأنه ان يعود بالمنفعة على الإمارات والدول العربية في المحافل الدولية والعالمية المختصة بالتطوير والتنظيم العقاري.
وأضاف بن مجرن أن دائرة الأراضي والأملاك تجتهد على مدار اليوم لتصبح مرجعية عالمية في التنظيم والتسجيل العقاري وتشجيع الاستثمار والتعليم العقاري من خلال أذرع الدائرة المتخصصة.
وقد نجحنا خلال السنوات الماضية في بلوغ مراتب متقدمة وتحقيق انجازات كبيرة لخدمة السوق العقاري ومنها حصولنا على المركز السادس عالمياً في تسجيل العقارات حسب مؤشر ممارسة الأعمال والمركز الأول إقليمياً في الشفافية العقارية والتي هي نتاج البيئة العقارية التي طورتها الدائرة.


