أجمع عدد من رواد الأعمال الشباب، والراغبين في تأسيس شركات ذكية صغيرة ومتوسطة على أن طموحاتهم دائماً ما تصطدم بعدد من الإجراءات والشروط الإدارية، وطالبوا بضرورة إعادة النظر في شروط إصدار التراخيص التجارية، والتي تحتم على المتقدم بالطلب لاستئجار مكتب دائم لمزاولة النشاط، مشيرين إلى أن هناك العديد من الأنشطة التجارية التي لا تحتاج لوجود مكتب، من بينها الشركات الإلكترونية (الدوت كوم) ومكاتب الترجمة وغيرها الكثير.
وأشار الرواد إلى أن هذا الشرط يصنف ضمن خانة "القوانين الطاردة" لتأسيس هذه الأعمال، خصوصاً في ظل القيمة المرتفعة لتأجير المكتب، سواءً داخل أو خارج المناطق الحرة، والتي تتراوح عادة ما بين 70 إلى 100 ألف درهم سنوياً وهو ما يفوق العوائد الإجمالية التي وضعها الرواد في دراسة جدوى المشاريع موضوع التقرير.
موقع توظيف حكومي
ويتمثل طموح الشاب الإماراتي عبد الله محمد، في إطلاق مشروع خاص به، بعيد عن وظيفته الحكومية في أحد مطارات الدولة، حيث يحلم بإطلاق شركة مع صديقه خالد أمين، متخصصة في تقديم حلول سريعة للشباب الراغبين في البحث عن وظيفة حكومية، على غرار العديد من الشركات التي تعمل في نفس المجال، لكن توجهها نحو القطاع الخاص...
ويقول "العديد من الشباب المواطنين يودون الالتحاق بوظائف حكومية، وفي المقابل العديد من المؤسسات ترغب في توظيف شباب مواطنين ذوي كفاءة وتأهيل أكاديمي عالٍ، فكرتي أن أفتح شركة تقدم خدمات توظيفية لهؤلاء".
وكخطوة أولى اتجه عبد الله نحو دائرة التنمية الاقتصادية للاستفسار عن شروط وخطوات تأسيس شركته، فكان من بينها تأجير مكتب خاص بالشركة سواءً داخل أو خارج المناطق الحرة المتعددة المنتشرة في دبي، لكنه فوجئ عندما بدأ بالبحث عن مكتب للتأجير أن الأسعار تتراوح ما بين 60 إلى 80 ألف درهم وتارات تصل إلى 100 ألف ليقول "فكرتي كلها إلكترونية وتعتمد على موقع في شبكة الإنترنت فما حاجتي لمكتب".
ترجمة اقتصادية
من جانبها، تقف هذه الخطوة ـ أي تأجير مكتب ـ عائقاً كبيراً أمام هانا ستيوارت، البريطانية الراغبة في إنشاء خدمة ترجمة إنجليزي ـ عربي تكون متخصصة في ترجمة المواد الاقتصادية للصحف والمجلات العاملة في الدولة، حيث ان رأس المال الذي تملكه يبلغ 100 ألف بينما المكتب الوحيد الذي وجدته داخل منطقة حرة يستحوذ على أكثر من 80% من هذا المبلغ، بالإضافة إلى 10% أخرى تكلفة التأسيس، تتضمن إصدار الرخص وباقي الرسوم، فيتبقى لها 10 آلاف درهم غير كافية بالطبع لسد باقي النفقات.
تقول هانا "عملي لا يحتاج لمكتب، ولا يحتاج لموظفين دائمين، كل ما أحتاجه هو كمبيوتر وشبكة انترنت وما بين 2 إلى 3 موظفين متعاقدين (Freelancers). وبحسبة بسيطة، فأنا لن أستطيع تحقيق عوائد تعادل المبلغ الذي سأدفعه للتأجير، فالشركة التي أفكر بها صغيرة، وقد تدر ما بين 60 إلى 70 ألف درهم سنوياً".
ولمتابعة هذه الطلبات تواصل "البيان الاقتصادي" مع عدد من الجهات الحكومية ذات الصلة المباشرة بهذا الغرض، وكانت الردود مختلفة، بينها من وافق هذا الرأي بضرورة تغيير هذه القوانين لتشجيع الأفكار، وآخرين أكدوا على أن وجود مكتب للشركات، يضمن المصداقية وإمكانية المتابعة القانونية في حال حدوث مشاكل في المستقبل.
الحد من الطموح

وقال محمد شاعل السعدي، المدير التنفيذي لقطاع التسجيل التجاري والترخيص في دائرة التنمية الاقتصادية، ان الدائرة، التي تعتبر الجهة التي تصدر تراخيص إنشاء الشركات، وهي نفسها الجهة التي تطالب بوجود مكتب دائم للشركة، لا تتدخل في سن القوانين..
وهذا الأمر يدخل مباشرة في صلاحيات وزارة الاقتصاد، مشيراً إلى أن العديد من المتقدمين بطلبات لتأسيس شركات، عدلوا عن قراراتهم بسبب ارتفاع أسعار تأجير المكاتب، واصفاً شرط الحصول على مكتب دائم بأنه "يحد من طموح الشباب". وأضاف "شخصياً أرى أنه حان الوقت لإعادة النظر في هذه القوانين، ومواكبة التطور خصوصاً في ما يخص الشركات الافتراضية (الدوت كوم)..
والتي تغزو العالم في الوقت الراهن، حيث وجدت معظم الدول المتقدمة حلولاً للتعامل مع هذه الشركات، مثل الولايات المتحدة واليابان وكندا، عن طريق إطلاق ما يسمى بالرخص التجارية الافتراضية.وأشار إلى أن تغيير هذا الشرط، يحتاج لدراسة معمقة في إيجاد بدائل للعديد من الأشياء، من بينها ما يختص بالمكان الذي سترسل إليه المراسلات الحكومية، بالإضافة إلى مواكبة القانون التجاري والمدني لهذا التغيير.
جهات مختصة

من جانبه أكد حميد بن بطي المهيري الوكيل المساعد للشؤون التجارية في وزارة الاقتصاد بأن ممارسة أي نشاط تجاري في دولة الإمارات يتطلب الحصول على رخصة لمزاولة النشاط المستهدف، ويتطلب الحصول على موافقات من جهات مختصة معينة حسب نوع الرخصة، وتالياً فإن الحصول على هذه الرخصة يستوجب على المتقدم لها استيفاء مجموعة من الشروط..
وهنا نذكر أحد أهم تلك الشروط، وهو وجوب وجود مقر لمزاولة نشاطها ذي عنوان محدد في إحدى إمارات الدولة لمن يرغب بالحصول على الرخصة المذكورة. وطبعاً نذكر أيضاً بأن كل إمارة من الإمارات السبع معنية بوضع الضوابط والتشريعات الخاصة بممارسة الأنشطة والأعمال التجارية وفقا لمصالحها، شريطة عدم تعارضها مع القوانين الاتحادية لذات الصدد.
وأضاف "وفيما يتصل بالقوانين والتشريعات فإن وزارة الاقتصاد تحرص دائماً على تحديث التشريعات الاقتصادية ومراجعتها بشكل دوري ومستمر بما يعزز أداء الاقتصاد الوطني ويضمن تطوره ومواكبته للنهضة الوطنية. كما ان القانون الاتحادي رقم 1 لسنة 2006 بشأن المعاملات التجارية ينظم العمليات التجارية التي تباشر بالمراسلات الإلكترونية".
قوانين تحد من الأفكار
وقال هشام عبد الله الشيراوي، نائب رئيس غرفة دبي، ان دبي تسير حالياً على الطريق الصحيح في ما يختص بتعديل كل القوانين التي قد تحد من تبني الأفكار الخلاقة، خصوصاً تلك التي تعتمد على مشاريع جديدة غير اعتيادية، كتلك الموجودة على شبكة الإنترنت، مشيراً إلى أن الغرب ومنه أميركا قد تفطن للموضوع منذ سنوات كثيرة، وأصدر قوانين تنظم هذا القطاع وتساهم في تشجيع الاستثمارات الصغيرة الخاصة بقطاع الاقتصاد الرقمي أو التكنولوجي.
وأشار إلى أنه حالياً توجد بعض الحلول المؤقتة، كتأجير مكاتب أمامية (Front office) في المناطق الحرة والتي لا تتعدى تكلفتها السنوية من 30 إلى 40 ألف سنوياً، لكن هذه الحلول لا تغنينا عن إيجاد صيغ نهائية لحل هذا العائق، الذي يجعل مسألة الابتكار دائماً مرتبطة بحجم التمويل الذي تملكه، فنجد الكثير من الأفكار الرائعة تختفي قبل ظهورها فقط لأن صاحب هذه الفكرة لم يجد المال الكافي لتأسيس الشركة.
حلول
من جهتها قالت سلمى علي سيف بن حارب، الرئيس التنـــفيذي لعالم المناطق الاقتصادية والمنطقة الحرة في جبل علي إن جافزا توفر بعض الحلول لأصحاب أفكار تأسيس شركات إلكترونية، وتكون بأسعار منخفضة مقارنة مع تأجير مكاتب عادية، مشيرة إلى أن هذه الحلول ليست وليدة اللحظة...
كما أضافت أن المشكلة اليوم تتمثل بشكل أساسي في نسب الإشغال في المناطق الحرة في دبي، خصوصاً وأن غالبية هذه المناطق أصحبت تعاني من مشكلة محدودية الأماكن، وهو ما يدفعها لتطبيق سياسة الانتقائية للشركات التي تود الدخول إلى المنطقة.
الحاجة إلى عنوان

من جهتها أكدت الدكتورة أمينة الرستماني، الرئيس التنفيذي لمجموعة تيكوم للاستثمارات، التي تعمل تحت إدارتها مدينتا دبي للإعلام والإنترنت، أنه لا يمكن من الناحية التطبيقية تأسيس عمل أو شركة دون وجود مقر دائم وعنوان له، حيث ان العديد من المعاملات الاقتصادية والتجارية تحتاج إلى عنوان، بالإضافة إلى أن هذه الشركة ستحتاج إلى القيام بالتعاملات البنكية، وبالتأكيد ستطلب البنوك وجود عنوان للشركة بصفتها وشخصها، وليس اسم صاحب الشركة.
رخص افتراضية
قال عبد الباسط الجناحي، الرئيس التنفيذي لمؤسسة محمد بن راشد لتنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة، انه وللأسف هذه المشكلة تشكل عقبة أمام أصحاب الأفكار الجديدة خصوصاً وأن دائرة التنمية الاقتصادية تشترط وجود مقر دائم للرجوع إليه في حالة وجود مشاكل قانونية أو متعلقة بحماية المستهلك...
ويقول "إذا ما اشترى مستهلك منتجا ما عن طريق موقع إلكتروني ولم يستلمه، فإنه يقصد الدائرة لتقديم شكوى، وهو الأمر الذي يحتم على الأخيرة، التواصل مع الموقع في مقره، وهو ما يستوجب وجود هذا الموقع". وأضاف "الحل سهل وبسيط، ويتمثل في إنشاء رخص تجارية افتراضية تكون مرتبطة بعنوان صاحب الشركة".
تأسيس شركة لحفلات أعياد الميلاد
يقول المواطن سلطان الموسى، الذي يعمل في أحد البنوك في الدولة منذ 8 سنوات، انه يرغب في التقدم في مساره المهني عبر الاستفادة من خبراته التي اكتسبها من خلال عمله كمدير لوحدة المبيعات، ليخلص إلى فكرة تأسيس موقع إلكتروني إماراتي يقدم من خلاله بعض النصائح المالية المبسطة للراغبين في الحصول على خدمات بنكية، سواءً كانت قروضاً شخصية، أو تمويلا لشراء سيارة أو بيت.
ويضيف الموسى "لاقت الفكرة استحسان كل من عرضتها عليه، إلا أنني وفي التطبيق وجدت بعض الأمور والتحديات التي لم أكن أعرفها، منها أنني يجب أن أؤجر مكتباً دائماً لهذا الموقع،..
بالإضافة إلى ضرورة ترك عملي كموظف في بنك حكومي، وضرورة وجود موظفين معي في الشركة التي لا تحتاج إلى كل هذا، مشيراً إلى أنه "كان أمامي حلين، إما العمل في الموقع من البيت وهذا يفقدني الطموح الذي أصبو إليه، حيث ان هذا الحل يحد من الفرص، والثاني الاستغناء مؤقتاً عن الفكرة، وقد اخترت الحل الثاني".
مجلة إلكترونية للقطاع العقاري
بعد ما يقرب الـ20 عاماً من العمل الصحافي في الإمارات وخارجها، قرر العراقي بشار علي ان الوقت قد حان لتأسيس مشروع خاص به، ودخول مجال الأعمال عن طريق تأسيس مجلة إلكترونية مختصة بالقطاع العقاري، ليقول "الكثير من رجال الأعمال حالياً يودون استثمار أموالهم في القطاع العقاري..
لكن تنقصهم المعلومات الأساسية والنصائح الرئيسية قبل الدخول إلى هذا المجال". ليضيف "فكرتي تتمثل في سد هذه الفجوة، وتقديم هذه الخدمات إلكترونياً".
لكن بشار علي اكتشف عندما اتجه إلى فرع الدائرة الاقتصادية أنه لا توجد في خانة "نوع المشروع" أية إشارة إلى ما هو موجود على الإنترنت، ما يضطره إلى تسجيل الشركة كمجلة ورقية يطبق عليها نفس الشروط، ليقول "لا أحتاج إلى مكتب ولا أحتاج موظفين.. لكني فهمت أنهما ضروريين، حتى أن الموظف نصحني بفتح مكتب (Front office) بالمنطقة الحرة دون التواجد الفعلي فيه، وتسجيل بعض أقاربي في الشركة كموظفين".
100.000
قالت نهال المغربي إنها أنشأت مؤخراً موقعاً إلكترونياً لتنظيم الحفلات مثل أعياد الميلاد والأعراس، تقدم من خلاله العديد من المساعدات الفنية، سواءً عبر الإنترنت أو الاتفاق على أن تتولى هي شخصياً تنظيم الحفل، وهو ما كلفها 80 ألف درهم، مشيرة إلى أنه من المستبعد جداً أن تحقق هذه الفكرة هذا الرقم كعائد سنوي، خصوصاً وأن هذا المجال يتطلب شراء معدات وأجهزة مرتفعة التكلفة.
وأشارت إلى أنها ومع ذلك قامت بكل الخطوات التي تمكنها من تطبيق هذه الفكرة، حيث صرفت ما يقرب 100 ألف درهم، ككلفة تأسيس، بالإضافة إلى شرائها المعدات والأجهزة عن طريق الحصول على قرض من البنك، وهي حالياً تقترب من إكمال عام كامل على تأسيس الشركة، مع العلم أن كل ما جنته خلال هذه السنة لا يتجاوز 70 ألف درهم، وهو الأمر الذي قد يدفعها إلى إعادة النظر في الاستمرارية في هذا العمل.
