مشاكل البناء تخلّف قلوباً جريحة

المنزل بيئة السعادة العائلية

صورة

يشبّه الكثيرون قرار بناء المنزل بقرار الزواج! وعلى الرغم من الفارق الكبير إلا أن من يذهب في هذا الاتجاه يستطيع أن يضع عشرات النقاط المتشابهة بين الأمرين. ومنها أن من النادر أن يتمكن فرد (أو زوجان) من تدبر اختلاط التوقعات، ونقص الخبرة، والميزانية المتضخمة في سبيل تحقيق هذا الهدف.

المعماريون بدورهم يشكون من أنهم مطالبون بالعمل مثل المتخصصين في الصحة النفسية والعقلية أكثر من عملهم كمصممين للمنازل، في حين يشكو أصحاب المنازل من أن مهندسيهم وشركاءهم لا يفهمونهم.

لذا ليس غريباً أن تنتقل المشاكل من مكاتب الاستشارات الهندسية ومواقع بناء المنازل وتتسرب بقوة إلى حياة الأزواج، فتخلف لاحقاً قصص أزواج منفصلين بسبب مشكلات بناء منزل جديد، أو عملاء يقاضون مهندسيهم ومقاوليهم، لكن يبقى المؤكد والحتمي أن في كل تلك القصص هناك قلوب جريحة.

قصص

تتعلق إحدى القصص المؤثرة التي نقلها (بيلدكس أونلاين) بمنزل تبلغ مساحته 26.000 قدم مربع، ويبلغ ثمنه 21 مليون دولار، لزوجين من كونيكتيكت، اكتشفا بمجرد بنائه والانتقال إليه، أن طرازه وأجزاءه وتجهيزاته، من حجرة بلياردو ومسرح وساحة داخلية، لا تناسبهما على الإطلاق. ونقل عن الزوجة قولها: «سأكون راضية بمساحة 3.500 قدم مربع».

فكرة

شجعت مثل هذه الحالات المصمم المعماري كريستوفر ترافيس (57 عاما)، على بذل المزيد من الجهد في الترويج لطريقته، وهي عبارة عن تدريب شامل للانسجام الجمالي والنفسي لمن يريدون بناء منزل، وذلك جزء من دليل المساعدة الذاتية وجزء آخر من اختبار الشخصية.

ويسمي ترافيس هذا التدريب ورشة عمل (المنزل الحقيقي)، وأصبح هذا الاسم علامة تجارية مسجلة. ونجح إلى حد ما في مجال التصميم والبناء.

دائماً

ودائما ما يقول ترافيس إنه إذا لم تكن تفهم المكونات، فكيف تصمم المنزل؟. ربما تظن أنك تريد تصميما على الطراز الإسباني، «لكن أنا لا أصدقك، ولا أريد أن أسمع هذا». ما يريد ترافيس معرفته هو كل تفاصيل علاقتك بوالدتك، ومشاكلك مع والدك، وكيف تشعر إذا فكرت أنك خذلت أبويك في القرارات المتعلقة بحياتك.

ويريد أيضا أن يعرف ما الذي يغضبك من شريك حياتك. ويستخدم ترافيس هذه المعلومات لممارسة ما أسماه بأسلوب البناء العاطفي، لتصميم منزل لا يتكون من «طوب وقطع أثاث»، «لكنه بيت هو خلاصة خبرات عاطفية».

مجنون

قد يبدو ترافيس مجنونا بعض الشيء، لكن لديه عددا من المتعاملين الذين شعروا بالرضا عن عمله، وبعض المشجعين البارزين، مثل سام غوسلينغ، وهو عالم نفس وباحث في جامعة تكساس في أوستن، يدرس تأثير الأشياء والبيئات في الحياة الداخلية للأشخاص، كما أنه ضيف مفضل في البرامج الأميركية الإخبارية الصباحية.

قال غوسلينغ في اتصال هاتفي من بودابست، حيث يحضر مؤتمرا هناك: «إن ما يقترحه ليس مثيرا للضحك.. فذلك من الممكن تحقيقه». واستطرد يصنف ويحسن من «خلل» عملية التصميم عبر إنشاء ملف يحوي البيانات النفسية للعميل، ومن ثم يمكن تصميم منزل مناسب له.

ولمساعدته على ذلك، يستعين ترافيس بعالم نفسي عصبي وطبيب نفسي ليشيرا عليه في هذه العملية، وهي موجودة في مجلد يحتوي على أكثر من 100 صفحة من الأسئلة والتدريبات التصورية والتوجيهات، وأشياء أخرى مفيدة. ويتوقع ترافيس رفع مضمون هذا المجلد على موقع إلكتروني يمكن أن يستخدم في جميع أنحاء العالم.

مفلس

يملك ترافيس مكتبين في كل من أوستن وراوند توب، ويعيش في راوند توب منذ أوائل التسعينات، عندما انتقل إليها من هيوستن مع زوجته وأطفالهما الثلاثة. وتجتذب راوند توب بمعارضها ومراكزها الفنية المسافرين في عطلة نهاية الأسبوع من هيوستن والهاربين من المدن.

درس ترافيس الفلسفة في جامعة تكساس في أوستن، وأقام مشروع بناء بعد تخرجه، لكنه عندما وصل إلى هنا عام 1992، كان مفلسا، كما يقول، بعد أن نصب عليه شركاؤه في العمل التجاري. اشترى كوخا من أشجار اللوز بمبلغ 3.000 دولار وبدأ في ترميمه من أجل أسرته، التي كانت حينها في هيوستن.

ذكريات

وبعد ذلك بفترة قليلة، عندما بدأ أعمال الترميم والتصميم والبناء في التطور، وجد نفسه يسأل العملاء على معلومات حول ذكرياتهم المنزلية. كان هذا أسلوبا جديدا في العمل نتج عنه قبول التصميم من الجولة الأولى.

يقول ترافيس: «كنا نجني الكثير من المال، في مقابل القليل من طلبات التغيير في التصميم، لذلك منذ أربعة أعوام جلست وكتبت 10 صفحات من الأسئلة أسميتها (هوم وورك)، كنت أرسلها إلى كل عميل جديد».

اجتهاد

وبالفعل اجتهد ترافيس في دراسته للموضوع، فقرأ لكريستوفر ألكسندر الذي ما زال كتابه الذي صدر في منتصف السبعينات معيارا لفن لعمارة، وقرأ لسكوت تورنر، عالم البيئة في كلية جامعة ولاية نيويورك لعلوم البيئة، ولإيروين ألتمان عالم النفس الاجتماعي، الذي يعمل حاليا أستاذا متفرغا في جامعة يوتا، حيث يدرس تأثير البيئة في السلوك، وكتب بتوسع عن الخصوصية والحميمية.

وأعاد ترافيس تسمية طريقته بالعمارة الواعية (sentientarchitecture.com) وأقنع 10 من عملائه بالموافقة على أن يكونوا محل تجربة لاختبار شامل، أصبح ورشة عمل «ترو هوم» في ما بعد، في مقابل تخفيض 20 في المئة من أتعاب التصميمات، على حد قوله.

أول عمل

كانت مزرعة «بار نون» بالقرب من راوند توب، أحد أعمال المرحلة الأولى من «هوم وورك»، استغرق إنشاؤها 18 شهرا على مساحة 5.000 قدم مربع، وشيد بها منزل على طراز توسكان على مساحة 200 فدان.

المزرعة كانت لفرانك وجين رايموند، اللذين يعيشان في هيوستن، لكنهما يستعدان للتقاعد. تعمل الزوجة كمصممة ديكور وتتخصص شركة الزوج في صناعة صمامات البترول والغاز.

عطلة

يقول ترافيس إن رايموند الذي عمل بكد من أجل إنجاح شركته كان «يحتاج إلى منزل بسيط.. وكان من الصعب عليه قبول مستوى عال من الفخامة». وقال رايموند: «لقد أجبرنا كريس على هذا. وكنت أفكر في قضاء عطلات طويلة فيه، لكن جين كانت تفكر في تمضية بقية حياتنا فيه».

وكانت أسئلة ترافيس هي التي جمعت بين رأي الزوجين، كما قالا. مضيفا أنه عندما يكون العملاء زوجين، يتطلب منهما أن يملأ كل واحد منهما استبيانا منفصلا، ملاحظا أن النساء أكثر التزاما من الرجال. فقد رفض رايموند أن يملأ استبيانه الخاص، وكتب عبارة «نفس الشيء» إلى جوار إجابات زوجته.

استخدم ترافيس ما تعلمه لتصميم خليط من الأساليب: الواجهة الخارجية على طراز توسكان وبرج فوق غرفة النوم الرئيسية، التي اعتمدت على ذكريات رايموند السعيدة عن الاستوديو الفني الخاص بوالده. علقت زوجة رايموند بالقول «لقد صدمت.. لم أقل توسكان، لكني قلت أشياء من العالم القديم». ويعقب زوجها: «بمجرد أن انتهى، عرفنا ما كنا نريده بالفعل».

مثال آخر

كاثي وفرانك جونستون، اللذان يعيشان في مزرعة على الطراز الألماني الأميركي في تكساس، أيضا من عملاء ترافيس. يعمل الزوج في مجال العقارات، وتدير الزوجة وكالة إعلانات. قالت جونستون إن الإجابة عن مجلد الأسئلة تطلب منهم 90 يوما: «لقد أخذنا الأمر بجدية».

وعندما أحضر الزوجان مجلديهما، كانت لحظة مفاجأة. تقول: «لقد وجدنا أن كل الإجابات متشابهة: نفس المساحات المفتوحة والتفاصيل المعمارية». بالإضافة إلى أسئلته النفسية، يطلب ترافيس من عملائه إحضار صور من الأساليب الفنية والتفاصيل. تذكر الزوجة: «لقد نظر كل منا إلى الآخر وقال: «لم أكن أعرف أنك تحب الأشياء نفسها».

تم فتح المطبخ من جوانبه الثلاثة على «الشارع» والشرفة الخلفية وغرفة الطعام، مما يسمح لجونستون بالاتصال مع أكبر عدد من الضيوف الذين تحب دعوتهم إلى منزلها.

فوضى

يقول ترافيس إنه توصل إلى هذا التصميم من ذكريات طفولتها والفوضى التي كانت تسود عائلتها في أوقات تناول الطعام، والإحباط الذي كانت تشعر به حينها. وقد صمم المطبخ خصيصا ليعوض الذكريات غير المستقرة بجو سعيد.

«إن فكرة أسلوب البناء العاطفي ليست جديدة، رغم سيادة المذهب المعماري الذي يعتمد على العقل» كما تقول كاري جاكوبس، وهي كاتبة في الفن المعماري، ومؤلفة كتاب «المنزل المثالي بـ100.000 دولار: رحلة حول أميركا بحثا عن مكان ليكون بيتا». كاري تقول: «إذا لم يكن فن العمارة يتعلق بالعواطف، فما فائدته؟»

وتكمل: «قد يكون هذا رأي أقلية، حيث يفضل الكثير من فناني الحداثة أن يروا أن أعمالهم عقلانية بالدرجة الأولى، لكني أعتقد أن كل عمارة جيدة، بغض النظر عن الطراز أو الفترة، بها قوة عاطفية».

المرأة

ومن المثير للاهتمام، أن المعماري ريتشارد نيوترا من مدرسة الفن الحديث اتبع طريقة مماثلة لطريقة ترافيس، مستخلصا سيرات ذاتية مفصلة من عملائه في استبيان يجيبون عنه في منازلهم، هذا ما قالته أليس فريدمان أستاذة تاريخ الفن الأميركي في ويلسلي ومؤلفة كتاب «المرأة وصناعة المنزل الحديث».

أحد أفضل المنازل التي صممها نيوترا هو منزل كونستانس بيركنز في لوس أنجلوس، الذي بناه من أجل بيركنز. وقد تأثر نيوترا بأفكار فرويد تأثيرا كبيرا. تقول فريدمان: «لقد أراد تصميم المنازل وفقا لاختيارات أصحابها وعقلياتهم».

وعلى الرغم من أن ترافيس ليس في مستوى ريتشارد نيوترا، إلا أنه مصمم حساس وموهوب. وكما وصفته يونغبلود: «ليس رجلا تقليديا». فهو قادر على أن يفهم معلومات عملائه الشخصية ليصنع لهم على ضوئها مساحات تنال رضاهم. أما عن كيفية استفادة آخرين من برنامجه فهو أمر غير واضح، لكن يفضل ترافيس أن يجعل العملية أكثر مرونة ليتمكن أي شخص من الاستفادة منها.

 

علم النفس يتدخل

 

يقول أحد المعماريين: «أوافق تماماً على أن المنزل هو قصة حياة، لكن تفسير القصة ليس مجرد علم بل هو فن». ويضيف لذلك نحن بحاجة إلى مهندس وفي الوقت ذاته، إلى مفسر بارع فنيا.

تقول مؤلفة كتاب «مكان ما مثل البيت: استخدام علم النفس في التصميم لبناء أماكن مثالية»: «إن هذه الفكرة طموحة بالفعل، لكني لا أعرف إذا كانت واقعية». وتعمل المؤلفة عالمة نفس في نيوجيرسي، وهي تساعد العملاء، مثل ترافيس، على الوصول إلى «أهدافهم العاطفية» من خلال الديكور وتخطيط مساحاتهم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات