بطبيعة بكر وصحراء حمراء تختلف كثيراً عن صحرائنا تحاول ناميبيا أن تجد لها مكاناً على خارطة السياحة العالمية التي تتعدد فيها الخيارات وتحتدم فيها المنافسة بين مئات بل ربما آلاف الوجهات. تتسلح ناميبيا في هذه المنافسة أيضاً بخلجان تنتشر فوق مياهها أفواج هائلة من طيور الفلامنجو، وغابات تنطلق فيها قطعان الغزلان الطليقة وتقع فيها الزرافات الطرق بكل تؤدة. وتسعى ناميبيا بهذه المقومات إلى أن يحول محبو السفر في الدولة والمنطقة أنظارهم إليها مركزة على تقديم نفسها كوجهة للصيد والمغامرة.

هذه المقومات السياحية من طبيعة خلابة ورحلات السفاري والغابات إلى جانب انتشار القرى والتجمعات التي تشتهر بالحرف اليدوية جعلت ناميبيا وجهة سياحية للسياح الأوروبيين الذين يشكلون نحو ثلث إجمالي السياح الذين يزورون ناميبيا. والعدد الأكبر بين هؤلاء السياح من الألمان.

 يبدو هذا منطقياً فناميبيا كانت مستعمرة ألمانية حتى عام 1915، وتستخدم اللغة الألمانية هناك على نطاق واسع حتى اليوم. ويحاول مجلس السياحية في ناميبيا توسعة نطاق الترويج للسياحة في ناميبيا وزيادة عدد السياح عن رقم الـ1.1 مليون سائح الذي تحقق في العام 2012. ويضع المجلس في هذا السياق عينه بصفة خاصة على الدول الخليجية بصفة عامة والإمارات خصوصاً.

وتشير الأرقام إلى زيادة من رقمين في عدد السياح المتجهين من الإمارات إلى ناميبيا العام الماضي. وتسعى الحكومة الناميبية إلى تسيير رحلات مباشرة من الإمارات إلى العاصمة ويندهوك، حيث إن ذلك يمكن أن يسهم كثيراً في مضاعفة أرقام السياح الذين يضطرون الآن إلى التوقف في جوهانسبرغ في جنوب أفريقيا قبل التحول إلى العاصمة الناميبية.

صحراء ناميبيا

قبل أن تشرق الشمس تتحرك أفواج السياح لتخترق صحراء ناميبيا التي طبعت اسمها على البلاد قاصدة الكثبان الرملية الشهيرة.. كثبان حمراء تقف سامقة لتسجل أعلى ارتفاعات للكثبان حول العالم. يحرص معظم السياح القادمين إلى ناميبيا على مشاهدة هذا المنظر الخلاب.

وبينما تبدأ أول خطوط الضوء تشق طريقها بين أستار الظلام معلنة قدوم الصباح يتسابق السياح لصعود الكثبان العالية ليشاهدوا من على قمم الـ«بيج ماما» و«البيج بابا» أمواجاً مترامية الأطراف من الرمال الحمراء التي تقطعها رقع بيضاء من الحجر الجيري ليتداخل الأحمر والأبيض في لوحة فنية بديعة تقدمها منطقة سوسوفلاي.

ناميبيا إذاً في معظمها صحراء مغطاة بالشجيرات الصغيرة والسافانا ولكن في المناطق التي يرتفع فيها معدل هطول الأمطار تزدهر أشجار الأكاسيا وتوجد مساحات من الغابات المتفرقة هنا وهناك في ناميبيا، ومناطق تعود إلى العصر الحجري وينابيع مياه حارة ومساحات من الأراضي التي لم تطأها قدم إنسان.

يتملك الزائر شعور بالرحابة. لم لا وعدد سكان ناميبيا لا يتجاوز مليوني نسمة إلا قليلاً. مليونا نسمة على مساحة كبيرة من الأرض تصل إلى نحو 825 ألف كيلومتر مربع تضع ناميبيا في المرتبة 34 في تصنيف دول العالم من حيث المساحة. وهي أيضاً من أقل دول العالم كثافة (2,5 نسمة في الكلم المربع) لتحتل المرتبة الثانية على قائمة تتصدرها منغوليا.

وتتمتع ناميبيا بتنوع وتناغم في الطبيعة ما بين صحراء كالهاري، والسواحل الممتدة على الأطلسي والمحميات الطبيعية. كذلك تعد ناميبيا إحدى أكثر الدول الأفريقية أمناً طبقاً لإحصائيات الأمم المتحدة إلى جانب كونها مستقرة سياسياً، ومعدلات الجريمة فيها منخفضة جداً، وهي بلد تولي اهتماماً كبيراً لنظافة المرافق كما يعد الشعب الناميبي صديقاً ومضيافاً.

العاصمة ويندهوك

ويندهوك العاصمة الناميبية أو فيندهوك كما ينطقها أهلها تأثراً بالألمانية تتبدى فيها تأثيرات طاغية للألمان في العمارة كما في الأسماء الطويلة والصعبة للشوارع. لقد مد الألمان سيطرتهم إلى هذه القطعة المنسية من أفريقيا التي كانت تتقاسمها أوروبا الاستعمارية. وعهدت عصبة الأمم بأمر البلاد إلى حكومة البيض في جنوب إفريقيا، بعد هزيمة المستعمر الألماني في الحرب العالمية الأولى.

وتم تجديد التوكيل من جانب الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية. وأخذ النظام العنصري يمارس رذائله في ناميبيا حتى تحقق الاستقلال بعد طول معاناة في العام 1990.

رحل الألمان منذ نحو قرن من الزمان لكنهم تركوا ويندهوك مدينة تدهش الزائر بنظافتها وحسن تنسيقها. وتبدو المدينة التي تقع في نقطة الوسط من ناميبيا وكأنها قطعة من أوروبا القرن التاسع عشر وإن كانت شوارعها تزدان بالعلامات التجارية للقرن الواحد والعشرين إلى جانب عدد من البنايات الحديثة والفنادق الجديدة والألوان الأفريقية المميزة.

طرق وعرة

تشكل العاصمة ويندهوك نقطة الانطلاق للرحلات الطويلة عبر ناميبيا. بعض الطرق ممهدة وبحالة جيدة لكن بعض المقاصد السياحية تقع في قلب الصحراء أو بين تجمعات سكانية قليلة لذلك من المعتاد أن تسافر على طرق ممهدة بالحصى وليس الأسفلت. وطوال الطريق تسمع الحصى المتطاير يصطدم بعنف ببدن الحافلة الصغيرة التي تدثرت من الخلف وأحياناً من الجانب بالكرتون حتى لا تستهدف حصاة الزجاج فتحوله إلى شظايا متطايرة.

تتلوى الطريق الوعرة في رحلة طويلة تحس أحياناً بأنها لن تنتهي بين الرمال تارة والجبال تارة أخرى. ثم بعد ساعات تجد الأخضر ممتدا في سهول ممتدة من العشب تحدها الأسلاك الشائكة التي تحجز خلفها أعداداً من النعام والغزلان الصغيرة وأحياناً الأبقار وقطعان الأغنام.

والفز باي

والفز باي هو الميناء الرئيسي لناميبيا. الآن نعم، لكن منذ سنوات ليست بعيدة كان الميناء حتى بعد استقلال الدولة تحت سيطرة دولة أخرى. لقد ظل الميناء يخضع لسيطرة جنوب أفريقيا أو قوة الاحتلال حتى 28 أغسطس 1993 عندما انزاح الكابوس ورحل الاحتلال ليعود ميناء والفز باب جزءاً عزيزاً ومهماً من الوطن ناميبيا.

 من «كاتوتورا» إلى «ماتوتورا»

 يحرص المرشدون السياحيون على أن يزور السائح في ناميبيا منطقة كاتوتورا والتي تعني باللغة المحلية «المكان الذي لا نرغب أن نعيش فيه».. اسم غريب لمكان يضم كثافة سكانية كبيرة مقارنة بمناطق أخرى كثيرة في ناميبيا. القصة تتلخص في أنه خلال الخمسينات قررت بلدية ويندهوك وسلطات الاحتلال الجنوب الإفريقي إجبار سكان المنطقة القديمة في العاصمة على الانتقال إلى موقع آخر يبعد 8 كيلومترات إلى الشمال.

أحد الأسباب الرئيسية لرفض السكان السود الانتقال إلى الموقع الجديد، هو أنهم كانوا يملكون الأرض في المنطقة القديمة بينما المساكن في المنطقة الجديدة مملوكة للبلدية. كما أنها كانت أصغر حجماً بكثير. ولم تكن هناك أية مساحات لحدائق أو غيره. وكانت هناك صنابير مياه وحمامات ودورات مياه مشتركة لكل مجموعة من المساكن. ناهيك عن أن السكان الفقراء بطبيعة الحال باتوا مطالبين بدفع إيجارات شهرية للمساكن الرديئة. وأسوأ من ذلك أنهم أصبحوا أبعد عن أماكن العمل وعليهم أن يدفعوا أيضاً أجرة الحافلات.

اعترض السكان كثيراً السود على النظام العنصري الذي كان يجبرهم أن يعودوا إلى كاتوتورا قبل الخامسة ولا يمكنهم الخروج حتى للحصول على المياه أو قضاء حاجتهم بعد التاسعة. فكان طبيعياً أن يكون هذا المكان «كاتوتورا» لا نرغب أن نعيش فيه البتة.

وتم إطلاق سلسلة من الاحتجاجات امتدت إلى مقاطعة خدمات البلدية تماماً. واشتعل الوضع عندما أطلقت قوات الشرطة النار على المحتجين في 10 ديسمبر عام 1959 لتقتل 11 شخصاً وتصيب 44 آخرين. هذه الواقعة أطلق عليها «انتفاضة الموقع القديم» وللاحتفال بذكراها تم إعلان يوم 10 ديسمبر من كل عام يوماً لحقوق الإنسان وهو يوم عطلة رسمية في البلاد الآن. وللأسف لم تمنع الاحتجاجات النقل القسري للسكان السود إلى «كاتوتورا» وإن كان الأمر تطلب سنوات عدة.

اليوم وبعد أن انزاح احتلال نظام الفصل العنصري. وحصلت ناميبيا على الاستقلال أخذت الحكومة تهتم بالمكان. وملكت السكان المساكن التي كانوا يضطرون لدفع إيجاراتها. كما أن المنطقة أصبحت تضم مرافق خدمية وترفيهية عدة. وتم بناء مركز ضخم للتسوق يجتذب الآلاف من المتسوقين طوال اليوم. كل ذلك حول «كاتوتورا» إلى «ماتوتورا» والتي تعني «المكان الذي نحب أن نعيش فيه» حتى ولو بقي الاسم على حاله ولم يتم تغييره رسمياً.

افتقار إلى ثقافة الطعام الحلال

 يمكن أن يجد السائح العربي صعوبة في الحصول على طعام حلال في ناميبيا. يؤكد مسؤولو هيئة الترويج السياحي في ناميبيا أن هناك مطاعم تقدم اللحم الحلال، لكنها ليست متاحة بسهولة. فعدد السكان من المسلمين قليل للغاية ولا تكاد نسبتهم تتجاوز 2-3% من السكان حسب تقديرات متفائلة.

يشير هؤلاء المسؤولون أيضاً إلى أنهم يجهزون لرحلات لعدد من الطهاة العرب المشهورين لتنظيم دورات تدريبية للطهاة في عدد من أشهر المطاعم في ناميبيا لنشر ثقافة «الحلال» بين هذه المطاعم. لكن ذلك قد يستغرق بعض الوقت.

أصحاب المنتجعات السياحية من جانبهم أبدوا حماساً كبيراً للترحيب بالسياح من المنطقة. ولم يسمعوا عن المتطلبات الخاصة للسائح المسلم من معرفة لاتجاه القبلة ومواقيت الصلاة وغيرها من تجهيزات في الغرف التي يمكن أن تستضيف السائح العربي. وهم يحتاجون أيضاً إلى بعض الوقت لتوفير ما يحتاج إليه السائح من المنطقة عند زيارة ناميبيا. البيان

تأثيرات وثقافات

 ترتفع العاصمة ويندهوك بنحو 1650 متراً فوق سطح البحر وتحيطها سلاسل جبال الأواس والإيروس. وإلى جانب الملامح الألمانية القوية تتبدى أيضاً تأثيرات حضارية هولندية بتأثير «الأفريكانيين» القادمين من جنوب إفريقيا، والإنجليز الذين ظلوا طويلاً في مستعمرة الكاب «رأس الرجاء».

ويضاف إلى ذلك خليط ثقافات القبائل الإفريقية من الأوامبو والدمارا والناما والبوشمان والهيريرو.

الموقع واللغة

 تقع ناميبيا في الجزء الجنوبي الغربي من قارة إفريقيا على ساحل المحيط الأطلسي. وتحدها أنغولا وزامبيا شمالاً، وبوتسوانا شرقاً، وجنوب إفريقيا جنوباً.. وعاصمتها مدينة ويندهوك.

نالت استقلالها من جنوب إفريقيا سنة 1990 وهي ذات نظام جمهوري وعضو في الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة ومجموعة دول الكومنولث. واللغة الرسمية هي الإنجليزية، إلا أن الألمانية وبعض اللهجات المحلية شائعة الاستعمال.