أكّد خبراء في الاقتصاد الإسلامي أن دبي تمتلك إمكانيات هائلة للعب دور محوري في الاقتصاد الإسلامي في العالم يفوق التخيلات، مشيرين إلى أن سعي دبي لتكون عاصمة الاقتصاد الإسلامي له أهمية أكبر مما قد يتخيله البعض وسيكون له أثرٌ هائل على التجارة الدولية برمّتها. مشيرين إلى أن قيمة سوق المنتجات الاستهلاكية الإسلامية تصل إلى 4.8 تريليونات دولار.

وقال الخبراء إنه للمرة الأولى تلتقي الفرص الكبيرة في قطاعات الاقتصاد الإسلامي التي تقدر بمليارات الدولارات برؤية ودعم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، من خلال إطلاق سموّه مبادرة دبي عاصمة عالمية للاقتصاد الإسلامي.

المقومات اللازمة

وقال الدكتور سيّد فاروق، الرئيس العالمي لأسواق رأس المال الإسلامية في تومسون رويترز إن دبي تملك كافة المقومات اللازمة لقيادة الاقتصاد الإسلامي في العالم مؤكداً أن دبي لديها قيادة تتمتع برؤية ثاقبة للفرص وموارد ضخمة وهي قادرة على تحديد المتغيرات الحاصلة على مسرح الاقتصاد العالمي .

بالإضافة إلى تمتع دبي بموقع جغرافي يقع في صميم العالم الإسلامي. وأفاد فاروق في تصريحات للبيان الاقتصادي أن المبادرة أعطت زخماً عالمياً غير مسبوق للاقتصاد الإسلامي وتمكنت من تحديد الفرص الكبيرة المتاحة في قطاعات الاقتصاد الإسلامي وفتحت للمرة الأولى باب الفرص للاستثمار في سوق قوامه 1.65 مليار مسلم في العالم يزداد عددهم بمعدل الضعف بالمقارنة مع سكان العالم.

وأضاف: "تجاوز عدد المسلمين حول العالم الـ1.6 مليار نسمة، أي أن واحدا من كل أربعة مستهلكين في العالم هو مسلم، ومع تزايد أعدادهم بمعدلات تعادل ضعف تزايد سكان العالم، أدركت الشركات العاملة في مختلف القطاعات، من الصناعات الغذائية والتمويل إلى شركات الأزياء والسياحة، أن قيمة سوق المنتجات الاستهلاكية الإسلامية تصل إلى 4.8 تريليونات دولار.

ومع ذلك، فإنه ليس بسوق متجانس يسهل الوصول إليه، وذلك نظراً لتعدد المعايير المتبعة، فضلاً عن تفاوت التفضيلات الثقافية واختلاف الاقتصاديات المصنّعة لتلك المنتجات. ففي الوقت الراهن، تبقى التشريعات المتعلقة بالمأكولات الحلال رهناً للتشريعات المحلية في معظم الأحيان، ويتحكم بها أكثر من 300 جهة مانحة للتراخيص في مختلف أنحاء العالم."

معابر التجارة العالمية

وأضاف فاروق أن دبي تتمتع بتأثير كبير على معابر التجارة العالمية بفضل أصولها العالمية الاستراتيجية بمكانة فريدة تمكنها من تغيير وجه تجارة المنتجات الحلال بوتيرة متسارعة، وذلك من خلال شبكتها التجارية، الأمر الذي من شأنه دفع عجلة الاقتصاد الإسلامي قدماً ودفع إمكانيات دبي كمركز للاقتصاد الإسلامي.

وأضاف: "على سبيل المثال، تدير شركة موانئ دبي العالمية، أكثر من 65 مرفأً موزعة في القارات الست، بما في ذلك مشاريع قيد التنفيذ في كل من الهند وأوروبا وأميركا الجنوبية ومنطقة الشرق الأوسط، ففي الإمارات وحدها، تدير شركة موانئ دبي العالمية أربعة مرافئ تمتلك طاقة استيعابية هي الكبرى على مستوى العالم الإسلامي، أي أن تأثير الإمارات.

ودبي على وجه التحديد، على حركة التجارة العالمية في العالمين الإسلامي وغير الإسلامي، من شأنه منح الإمارة فرصة فريدة من نوعها كي تدفع بمعايير جودة تشمل المنتجات الحلال، موضوعة من قبلها ومقبولة عالمياً في الآن ذاته، ومن الممكن أن تستخدمها شركات التجارة والتصدير كجواز سفر يمنحها القدرة على توزيع منتجاتها في أسواق جديدة."

معايير عالمية

وتابع: "أظهرت التجارب السابقة لوضع معايير عالمية بأنه من الصعب أن ينجح تطبيق هذه المعايير على نطاق واسع إن بدت كمبادرة مرتبطة بمدينة منفردة.

وبينما لا يساورنا شك بقدرة دبي على وضع تلك المعايير وقيادتها وتنميتها ودعمها مالياً، إلا أننا نعتقد بأن على دبي أن تعمل بشكل وثيق مع الجهات الدولية الرئيسة ذات العلاقة، مثل البنك الإسلامي للتنمية، ومنظمة التعاون الإسلامي، ومعهد المقاييس والمواصفات للدول الإسلامية، فضلاً عن كبرى الدول المستوردة، وذلك بُغية ضمان قبول تلك المعايير دولياً بأقصى حدٍّ ممكن."

وأفاد فاروق أن تطوراً كبيراً حدث منذ إطلاق مبادرة دبي عاصمة للاقتصاد الإسلامي في يناير من هذا العام تمثل في قرب الانتهاء من استراتيجية تطبيق المبادرة تمهيداً لتنفيذها من خلال اللجنة العليا لتطوير قطاع الاقتصاد الإسلامي في دبي خلال الشهور القليلة القادمة.

وأضاف: "دبي التي تتمتع قيادتها برؤية تمتد إلى 2020 تسير بخطوات ثابتة في تطوير المبادرة وأتوقع أننا سنرى تطورات كبيرة في هذا الصعيد خلال أعوام قليلة. وفي حال إن تم تنفيذ المخططات على نحو صحيح، قد ننظر يوماً ما في المستقبل إلى العام 2013، كالسنة التي غيّرت فيها دبي معالم الاقتصاد الإسلامي."

تغيير الموازين

وأضاف: "قد لا ينظر البعض إلى دبي اليوم كعاصمة للاقتصاد الإسلامي بعد، ولكنها لن تكون المرة الأولى التي تغيّر فيها هذه الإمارة الموازين في الساحة العالمية. فعلى سبيل المثال، عندما تم افتتاح مطار دبي عام 1959.

ومن ثم تم تأسيس شركة طيران الإمارات في العام 1985، لم يتوقع أحدٌ قط أن تغدو دبي مركزاً عالمياً للطيران يصل الأقطاب الاقتصادية العالمية. وبفضل رؤية قيادتها الحكيمة، أضحت دبي اليوم بوابة تصل الشرق بالغرب، والدول النامية بالمتقدمة، والشمال بالجنوب، وغيرها من دول وقارات العالم."

جلب استثمارات جديدة

وأشار فاروق إلى أن مبادرة الاقتصاد الإسلامي ستفتح المجال أمام دخول استثمارات جديدة للمنطقة، خصوصاً في ظل الحاجة إلى خلق ما لا يقل عن 60 مليون وظيفة للشباب بحلول 2020 في العالم العربي.

وأضاف: "سيكون هناك حاجة لاستثمارات في المزيد من البنى التحتية لدعم تلك الوظائف ونعتقد أن الجيل الشاب القادم في العالم الإسلامي سيتمتع بشخصية عالمية إلى جانب إيمانهم وإدراكهم للقيم الإسلامية وهؤلاء يتمتعون كذلك بقوة اقتصادية قوية يتوقعون مستوى أفضل من الخدمات والمنتجات الإسلامية.

فرص البنوك

وأفاد فاروق أن انتقال الثقل الاقتصادي نحو الشرق يتزامن مع انتقال الثقل المالي أيضاً نحو منطقة الشرق الأوسط كذلك. وأضاف: "نرى اليوم أن بنوك المنطقة وليس الأوروبية بدأت في تمويل المشاريع مثل مشاريع البنية التحتية التي تتطلب تمويلا كبيراً، كما تشير الأرقام إلى أن 80% من الصكوك يتم شراؤها من قبل بنوك إسلامية لأنها تملك القدرة على الشراء فمثلاً بنك دبي الإسلامي اشترى أكبر حصة في مشروع "سالك" .

وهذا يشير إلى أن البنوك الإسلامية اليوم تملك السيولة اللازمة لشراء الصفقات وتمويل المشاريع الكبيرة في حين نرى أن البنوك الأوروبية لا تزال مستمرة في الانسحاب. وفي الوقت نفسه سيكون على تلك البنوك امتلاك رؤية بعيدة الأمد كذلك حول توجهات عمل البنوك مثل الاستثمار في التقنيات وخلافه.

وأضاف أن هناك فرصا كبيرة في الاستفادة من التمويل الإسلامي في تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة كذلك لأن القطاع الخاص هو في صميم هذه المبادرة كما أن بنوك الإمارات مثل بنك دبي الإسلامي وبنك أبوظبي الإسلامي بدأت تأخذ زمام المبادرة في ذلك. وأضاف: "كما تعلم أن المشاريع الصغيرة والمتوسطة توفر حوالي 85% من الوظائف في القطاع الخاص.

والتحدي الذي تواجهه الشركات اليوم هو أن 10% منها فقط يحصل على تمويل من البنوك. ومن هنا تأتي أهمية البنوك الإسلامية في سد احتياجات تلك الشركات إلى التمويل الذي تحتاجه لتنمية أعمالها خصوصاً وأن وظيفة البنوك الإسلامية هي إيجاد التوازن الاجتماعي في الأسواق.

ولادة نموذج

من جانبه اعتبر عبد الحميد إيفانز مؤسس شركة "إمارات" لاستشارات الحلال ومقرها لندن وأحد المشرفين في القمة أن المبادرة تعتبر بمثابة إعلان ولادة نموذج السوق الإسلامية الجديدة.

لافتاً إلى أن دبي تملك كافة المقومات اللازمة لقيادة الاقتصاد الإسلامي في العالم من خلال تطوير مقاييس عالية المستوى للاقتصاد الإسلامي بكافة قطاعاته لافتاً إلى أنه في حال تمكنت دبي من تطوير وتوحيد معايير لاستيراد الأغذية ليتم تطبيقها في كافة دول الخليج من جهة وتمكنت كذلك من إزالة عمليات التزوير والاحتيال التي تحدث خلال عملية توثيق الأغذية الحلال في العالم غير الإسلامي فسيكون لذلك أثر بالغ الأهمية على صناعة الأغذية الحلال في العالم.

وأفاد أن دولاً مثل ماليزيا وبروناي وإندونيسيا والفلبين تقوم فقط بتحديد معايير للأغذية الحلال داخل أسواقها فقط ويتم استخدام تلك المعايير كحواجز غير جمركية على التجارة أي يجب على دول كأستراليا والبرازيل التي تريد التصدير لتلك الدول التوافق مع معاييرها والحصول على شهادات وتراخيص قبل عملية التصدير.

لذلك لن يكون لمعايير تلك الدول تأثير على منتجات الحلال. في حين أن دبي تقع في منتصف خريطة العالم الإسلامي وفي قلب دول الخليج التي يبلغ حجم تجارة الأغذية فيها 83 مليار دولار أي حوالي 66% من إجمالي واردات الأغذية الحلال في الدول الإسلامية التي تصل إلى 126 مليار دولار.

معايير الصناعة

وأضاف: "المشكلة الرئيسة في سوق الأغذية الحلال تكمن في تطوير معايير الصناعة تلقى القبول الشرعي وأن تكون تلك المعايير قابلة للتطبيق صناعياً وإذا تمكنت دبي من تطوير معايير الصناعة الإسلامية وخصوصاً في قطاع الأغذية الحلال وارتقت بها إلى مستوى جديد، فمن دون شك ستكون تلك المعايير ذات تأثير كبير على الأسواق لأنها ستكون المعايير التي سيتوجب على باقي الدول الالتزام بها إن هي أرادت تصدير الأغذية إلى دول الخليج."

وحول ما إذا كان إيفانز كمسلم بريطاني يفضل استهلاك منتجات بمعايير صادرة من دبي أو بريطانيا، أجاب إيفانز أنه سيختار البضائع الموثقة في دبي أو أي بلد إسلامي آخر لأنه من المنطقي أن تكون المعايير الصادرة من دبي أكثر مصداقية خصوصاً لأنها ستكون معايير تتوافق مع تنافسية الإمارات العالمية وسمعتها الدولية ومن الطبيعي أن تؤسس دبي لتكون مركز التميز في الاقتصاد الإسلامي ومتطلباته.

وأضاف: "لدي ثقة أكبر في أي منتج يكون المسلمون هم من يتولى زمام تطويره وانتاجه. في المقابل تجب الإشارة إلى أن طرق وأساليب تسويق الأغذية الحلال في أوروبا والولايات المتحدة على سبيل المثال هي أكثر تقدماً ويمكننا الاستفادة منها وتجدر الإشارة إلى أنه سيقوم خبراء تسويق خلال القمة بمناقشة الطريقة المثلى لتسويق المنتج الحلال إلى السوق السائدة.

خصوصاً وأنه لا يزال هناك بعض الأفكار الخاطئة حول المنتج "الإسلامي" في تفكير بعض الشعوب غير المسلمة. فالمستهلك هو أس هذه الصناعة، وعلينا فهم ما يريده فعلاً هذا المستهلك الذي قد يكون مسلما أو غير مسلم."

القمة العالمية

 القمة العالمية للاقتصاد الإسلامي المقرر عقدها في دبي خلال الفترة من 25- 26 نوفمبر المقبل، والتي يشارك في تنظيمها كل من غرفة تجارة وصناعة دبي بالتعاون مع "تومسون رويترز"، تمثل مرحلة رئيسة وجديدة على طريق المبادرة ومن المواضيع التي سيجتمع خبراء الاقتصاد الإسلامي لمناقشتها خلال القمة هو وضع الأسس اللازمة للانتقال إلى مرحلة تطبيق المبادرة.

وسيتم خلال القمة مناقشة ستة محاور رئيسية للقطاع في إطار متكامل. وفي السابق كان ينظر إلى تلك القطاعات على أنها غير مرتبطة ببعضها ولكن المبادرة أدركت أن هناك تكاملا بين كل القطاعات كما سيتم خلال القمة استعراض مختلف الفرص والحلول لتطوير هذا القطاع الاقتصاد الإسلامي بالإضافة إلى أنه سيتم تحديد مصدري الأغذية الحلال وتوفير بيانات عن الصناعة.