يشهد السوق العقاري في أبوظبي زخماً كبيراً، وسط طلب وعرض متزايدين في نفس الوقت مع ارتفاع في إيجارات الاستوديو والغرفة والسكن الفاخر.
ويرصد «البيان الاقتصادي» في هذا التحقيق حالة السوق العقاري في أبوظبي ومستجداته واحتياجاته، ويجيب على تساؤلات كثيرة مازالت تحير غالبية أطرافه من مستأجرين وملاك ومكاتب عقارية وخبراء عقاريين.
ووفقاً لجولات ميدانية ولقاءات مع خبراء عقاريين يتأكد لنا أن سوق أبوظبي العقاري مازال نشطاً وقوياً على الرغم من التكهنات التي سادت خلال السنوات الماضية بأن السوق سيدخل مرحلة ركود بسبب تزايد المعروض بشكل كبير إلا أن ما حدث أن غالبية المعروض من الوحدات السكنية والفلل الجديدة التي استقبلها السوق.
ومازال يستقبلها حتى اليوم تلاقي طلباً حقيقياً، كما أن الملاءة القوية لملاك المباني السكنية الضخمة سواء كانوا أفراداً أو شركات تحول دون تراجع الإيجارات خاصة الجديدة التي مازالت تشهد طلباً كبيراً.
ارتفاع الإيجارات
ولا تزال الإيجارات السكنية والمكتبية سواء الجديدة والقديمة مرتفعة كما كان متوقعاً خلال الشهور الماضية، وكما يؤكد لنا عتيبة العتيبة رئيس لجنة العقارات في غرفة تجارة وصناعة أبوظبي سابقاً فهناك أسباب كثيرة مازالت تحول دون تراجع الإيجارات بشكل كبير كما يتوقع بعض المستأجرين.
موضحاً أن من هذه الأسباب الجديدة والتي طرأت على السوق خلال العام الجاري هو قرار حكومة أبوظبي بإلزام موظفيها بالسكن داخل الإمارة وبلا شك فإن هذا القرار الذي يبدأ تنفيذه فعلياً أواخر الشهر الجاري بعد منح مهلة لمدة عام للموظفين امتص جانباً كبيراً من المعروض الجديد من الوحدات السكنية بل ومن الوحدات القديمة وحالياً هناك طلب متزايد بشكل كبير على تأجير الاستوديو والوحدة السكنية ذات الغرفة الواحدة.
كما أن الإسكان الفاخر والجديد قد ارتفع أيضاً خاصة وأن العديد من الجهات الحكومية وشبه الحكومية في أبوظبي تمنح موظفيها بدل سكن أو سكناً بمبالغ كبيرة، وإذا وضعنا في اعتبارنا أن نسبة كبيرة من الموظفين الوافدين العاملين في وظائف عالية في إمارة أبوظبي يحتاجون لسكن راقٍ فهم يقبلون على دفع إيجار السكن الفاخر الجديد علماً بأن العديد من الخبراء كانوا يتوقعون لهذا النوع من السكن كساداً وهو ما لم يحدث.
ويضيف عتيبة:" حالة السوق اليوم مختلفة تماماً عما سبق، فالسوق اليوم لا يعيش مرحلة ندرة المعروض كما حدث عقب الأزمة المالية العالمية 2008 كما لا يعيش مرحلة الوفرة حيث المعروض الكبير كما حدث عام 2010 و2011 .
ولكنه يعيش اليوم حالة الاستقرار بين الطلب والعرض فهناك طلب يتزايد وأيضاً هناك عرض يتزايد بصورة تدريجية وليس مرة واحدة بقوة وبلا شك فإن أسعار الإيجارات تحسنت بشكل أكبر بالنسبة للملاك سواء المالكين لوحدات جديدة أو قديمة علماً بأن الوحدات القديمة شهدت حتى اليوم زيادات متلاحقة وصلت إلى نحو 30% من قيمة إيجارها القديم بسبب تطبيق قرار الزيادة السنوية بنسبة 5%، لكن المستفيد الأكبر من الطلب المتزايد اليوم في السوق هم ملاك الإسكان الجديد أو الفاخر.
الإسكان الفاخر
وطبقاً لجولة ميدانية لـ«البيان الاقتصادي» في جزيرة الريم المشهورة بالسكن الفاخر وكذلك منطقة الكورنيش يتأكد لنا إن إيجارات الوحدات السكنية في الأبراج الفاخرة الشاهقة مستقرة على ارتفاع، ولم تشهد تراجعاً حقيقياً خلال الشهور القليلة الماضية كما كان متوقعاً مع زيادة المعروض الأمر الذي يؤكد وجود مؤشرات قوية على تماسك القطاع العقاري.
ووفقاً لمسؤولي مكاتب عقارية وخبراء فإن الطلب على السكن بالأبراج الشاهقة متوفر ومتزايد الأمر الذي لم يؤد إلى تراجع إيجاراته كما كان متوقعاً، خلال الصيف الجاري بل استقرت إيجارات الوحدات السكنية الشاهقة وكلها من الإسكان الفاخر عند مستويات إيجارية مرتفعة.
ووفقاً لإحصاءات شركات أو مكاتب التأجير للعديد من الأبراج السكنية الشاهقة الجديدة يتراوح إيجار الوحدة السكنية المكونة من غرفة نوم واحدة بين 90 ألفاً و140 ألف درهم، بينما يتراوح إيجار الوحدة السكنية من غرفتين وصالة ما بين 135 ألفاً إلى 200 ألف درهم، والوحدة السكنية ثلاث غرف وصالة ما بين 150 ألفاً و 300 ألف درهم وذلك حسب الموقع والمساحة.
ويجزم عبد الرحمن الشيباني مدير مكتب الغانم للعقارات في أبوظبي أن مكتبه لديه وحدات سكنية يقوم بتأجيرها في العديد من الأبراج الفاخرة، مؤكداً أن الطلب على هذه الوحدات السكنية جيد جداً ومعظم الطلب من مديري الشركات الحكومية وشبه الحكومية والخاصة مثل البنوك وشركات البترول والعقارات.
ويقول: "لا أتوقع أن يشهد سوق إسكان الأبراج الشاهقة كساداً أو تباطؤاً خلال السنوات القليلة المقبلة بدخول العديد من الأبراج إلى السوق، حيث إن فئة النخبة من كبار الموظفين الوافدين تتزايد في أبوظبي كما أن هناك مواطنين كثيرين يفضلون السكن في هذه الأبراج بسبب كفاءة وروعة تصميماتها الخارجية والداخلية إضافة إلى إطلالتها على الخليج أو تزويدها بخدمات وتسهيلات عديدة تناسب أجواء حياة الرفاهية غير المحدودة.
الملاءة المالية
ويحدد رضا مسلم الخبير العقاري في شركة تروث للاستشارات الاقتصادية في أبوظبي سبباً آخر وراء عدم تراجع إيجارات السكن الفاخر في أبوظبي، مشيراً إلى أن الملاءة المالية القوية لملاك البنايات السكنية الجديدة في أبوظبي سواء كانوا أفراداً أم شركات قوية للغاية وبالتالي فهم ليسوا مضطرين لتأجيرها بقيم إيجارية أقل طالما كان لديهم موارد مالية أخرى.
ووفقاً لتقديرات مكاتب عقارية وخبراء عقاريين فإن إيجارات الوحدات السكنية الفاخرة في مدينة أبوظبي كانت ستتراجع تدريجياً خاصة مع اكتمال عمليات تشطيب وتسكين أبراج جزيرة الريم مثل أبراج مارينا سكوير في جزيرة الريم.
حيث تضم هذه الأبراج أكثر من 4400 وحدة سكنية، لكن ما حدث على أرض الواقع أن الإيجارات لم تتراجع وذلك على الرغم من وجود عدد كبير لابأس به من الوحدات السكنية في هذه الأبراج خالياً والسبب في ذلك أن ملاك هذه الوحدات يرفضون تأجيرها بقيمة أقل بدعوى ارتفاع تكلفة هذه المباني إضافة إلى تميزها من ناحية التصميم المعماري والخدمات والموقع.
ويشهد السوق في أبوظبي حالياً طلباً جيداً على السكن الفاخر يعده غالبية الخبراء العقارين في الإمارة انتعاشه محـدودة جيـدة، وهذه الانتعاشة تبشر باستقـرار إيجارات الأبراج الجديـدة إلـى مـدة غيـر محـدودة فـي المستقبـل.
وينبهنا رضا مسلم الخبير الاقتصادي إلى أن انتعاش سوق إسكان الابراج الشاهقة الجديدة يرجع إلى سببين أولهما الحكومة في المقام الأول، حيث تمنح الحكومة أو الشركات شبه الحكومية في أبوظبي مخصصات سكن كبيرة جداً لبعض موظفيها.
كما أن غالبية سكان هذه الأبراج من الأجانب الذين استقدمتهم الشركات بأجور مرتفعة وامتيازات عديدة للاستفادة من خبراتهم. والسبب الآخر هو قوة المواقف المالية لملاك هذه البنايات ومن المؤكد على أنهم قادرون على الصمود لسنوات أمام تراجع الإيجارات.
ويرى خبراء عقاريون في أبوظبي ومنهم الدكتور محمد نعيمات رئيس شركة الحصن العقارية أن الفترة الحالية تشهد إقبالاً جيداً من المستأجرين وغالبيتهم من المستأجرين القدامى الراغبين في تبديل وحداتهم السكنية القديمة بأخرى جديدة، مشيراً إلى أن سوق أبوظبي اليوم مليء بأبراج جديدة سواء شاهقة أو غير شاهقة وكل برج له ميزاته ومواصفاته وسكانه أيضاً.
وبلا شك فإنه ليس كل الملاك والمستثمرين للأبراج والبنايات السكنية الفاخرة الجديدة في مدينة أبوظبي لديهم القدرة المالية القوية لسنوات طويلة وبلا شك فـإن نسبـة لابـأس بها منهـم ستتماشى مع متطلبات السوق وستعمد إلى تخفيـض إيجارات وحداتهـا السكنيـة.
سوق الفلل
وينوه الدكتور محمد نعيمات أن سوق أبوظبي ليس أبراجاً شاهقة جديدة أو بنايات قديمة بل هناك الفلل وهي عنصر مهم جداً في السوق، واليوم هناك تراجع في إيجارات الفلل سواء في مدينة أبوظبي أو ضواحي المدينة، وهذا التراجع حالياً محدود بعد أن بلغ ذروته منذ نحو عام، وهناك حالياً إقبال غير متوقع أو مسبوق على تأجير الفلل.
حيث إن 70% من طلبات التأجير حالياً لدى غالبية المكاتب العقارية في أبوظبي يتجه للفلل بينما لا تزيد حصة الوحدات السكنية داخل أو خارج مدينة أبوظبي عن 30%.
ووفقاً لتقارير المكاتب العقارية تشهد إيجارات الفلل السكنية في ضواحي أبوظبي تراجعاً جيداً منذ أكثر من عام ونصف بسبب كثرة المعروض وتراجع الطلب، ووفقاً لمسؤولي مكاتب عقارية كبرى في أبوظبي فإن إيجارات الفلل السكنية داخل وخارج مدينة أبوظبي تشهد تراجعاً مستمراً يعد الأكبر من نوعه خلال السنوات الخمسة الماضية،.
حيث تراجعت إيجارات الفيلا المكونة من 6 أو 5 غرف حالياً إلى 140 ألف درهم مقارنة بنحو 450 ألف درهم خلال أعوام 2006 و2007 و2008، ووصلت قيمة إيجار الفيلا المكونة من 4 غرف إلى 125 ألف درهم حالياً، بينما سجلت نحو 350 ألف درهم سابقاً، وشهد سوق إيجارات الفلل السكنية في أبوظبي وضواحيها معروضاً كبيراً من الفلل الجديدة يتزايد يوماً بعد الآخر.
وتزايد الطلب على الفلل في ضواحي أبوظبي بصورة ملحوظة خلال الشهور الماضية من قبل الموظفين العاملين في دوائر وهيئات حكومة أبوظبي تمهيداً لتنفيذ قرار الحكومة بالسكن داخل الإمارة، ويتوقع مسؤولو المكاتب العقارية باستقرار أو التراجع المحدود لإيجارات الفلل السكنية خلال الربع الأخير من العام الجاري، مؤكدين على أنه ليس من المتوقع أن ترتفع إيجارات الفلل السكنية مرة أخرى، بسبب كثرة المشاريع الجديدة من الفلل التي ستؤدي لا محالة إلى مزيد من التراجع.
غموض
يرى عدد من الخبراء العقاريين أن سوق أبوظبي يعد سوقاً غامضاً، حيث لا تتواجد لدى أي جهة معلومات وإحصاءات دقيقة عن حالة الطلب والعرض فيه كما أن أصوات الخبراء والملاك والمستأجرين تعالت منذ سنوات لوضع تشريعات تنظمه.
والمطلوب اليوم أن تتعجل دائرة البلديات في إصدار تقارير وإحصاءات عن السوق طالما أنها تتولى اليوم توثيق العقود وعلينا بأن ندفع إلى الأمام بمشاريع القوانين والقرارات المنظمة للسوق والتي كان من المفترض صدورها عقب قرار الملكية العقارية 2006 ولكن تأخر صدورها علماً بأن السوق هو الخاسر الأكبر من تأخر صدورها.
تزايد الوحدات السكنية القديمة من 3 غرف
يشهد سوق أبوظبي اليوم تزايداً في عدد الوحدات السكنية القديمة خاصة ثلاث غرف وصالة بينما يقل المعروض من الاستوديو الأمر الذي أدى إلى استقرار إيجاراته عند مستويات مرتفعة تتراوح بين 35 ألف درهم إلى 40 ألف درهم بينما وصلت قيمته الإيجارية قبل 2007 إلى 19 ألف درهم.
ويؤجر الملاك البنايات القديمة بأسعار السوق اليوم وليس بخدمات البنايات أو موقعها، كما أن غالبية الملاك يضيفون نسبة الزيادة السنوية 5%، وخلال لقاءات مع مستأجرين رصد "البيان الاقتصادي " شكواهم من ارتفاع الإيجارات في البنايات القديمة وسوء الصيانة فيها.
ويضطر المستأجرون للبحث عن سكن جديد بسبب ارتفاع إيجارات المساكن القديمة إضافة إلى ضعف بل وغياب خدمات الصيانة فيها، وتستقر إيجارات المساكن القديمة عند مستويات إيجارية مرتفعة منذ بداية العام، وعلى الرغم من وجود مؤشرات قوية بداية العام الجاري تؤكد تراجع إيجارات المساكن القديمة في أبوظبي إلا أن عام 2013 يودعنا باستقرار في الإيجارات.
حيث لم تتراجع بشكل حقيقي كبير بل بنسب تراجع طفيفة تتراوح بين 5% و10% لوحدات سكنية معينة لا تتميز بواجهات أو مواقع أو بجودة صيانتها وهي غاليتها تقع ضمن فئة الإيجار الجديد، بينما المستأجرون القدامى يدفعون إيجارات أعلى لها بسبب نسبة الزيادة السنوية 5% وذلك على الرغم من ضعف وتدني مستوى الصيانة فيها.
ويشير أحد المستأجرين إلى أنه استأجر وحدة سكنية ثلاث غرف منذ سنوات في أبوظبي بقيمة 50 ألف درهم ووصلت قيمتها الإيجارية اليوم إلى 85 ألف درهم بسبب نسبة الزيادة السنوية الـ5% ويقوم المالك بتأجير وحدة مماثلة لها في نفس البناية بسعر 110 آلاف درهم وللأسف يتجاهل المالك القيام بأعمال صيانة سواء للمستأجرين الجدد أو القدامى.
ويؤكد مستأجرون أنهم خططوا خلال عام 2013 لنقل إقامتهم إلى مساكن جديدة بدلاً من القديمة إلا أن ارتفاع إيجارات المساكن الجديدة وإصرار الملاك على عدم التماشي مع حالة السوق بتراجع إيجارات المساكن القديمة اضطرهم إلى البقاء في وحداتهم القديمة والصبر على تجاهل الملاك لأعمال الصيانة فيها.
ويجزم مستأجرون كثيرون بأن إيجارات أبوظبي لم تتراجع خلال السنوات القليلة الماضية مثلما تراجعت الإيجارات في إمارات أخرى بل ظلت إيجارات أبوظبي على مستويات مرتفعة، مؤكدين على أن السبب في ذلك هو قوة الموقف المالي لملاك أبوظبي، حيث إن غالبيتهم يديرون استثمارات كبيرة ومتنوعة مما يدفعهم إلى عدم الرضوخ لمتطلبات السوق.
لكن الملاك المواطنين يؤكدون أن نسبة لابأس بها منهم تضطر إلى تثبيت الإيجارات عند مستويات مرتفعة، حيث إن الطلب مازال جيداً فضلاً عن أن المعروض من السكن الجديد مرتفع الإيجار كما أن نسبة ليست قليلة من الملاك المواطنين يواجهون مأزقاً حالياً.
حيث اقترضوا خلال الأعوام الماضية عشرات الملايين من الدراهم من البنوك لبناء فلل وأبراج سكنية خاصة خارج أبوظبي للاستفادة من ظاهرة ارتفاع الإيجارات ولكنهم اليوم مع تراجع الإيجارات خارج المدينة مضطرين إلى تأجيرها بقيم إيجارية منخفضة مما يعرضهم لمشكلات مع البنوك التي مولت عمليات البناء بسبب تعاقدهم على سداد نسبة كبيرة من قرض التمويل وفوائده، الأمر الذي يدفعهم إلى تثبيت إيجارات المساكن القديمة.


