مرة ثانية يعود مصطلح (فقاعة) إلى أحاديث العاملين والمتعاملين في السوق العقاري، لكن هذه المرة يعود المصطلح برفقة الانتعاش الذي يغلب على المشهد العقاري المحلي. ويمكن بسهولة معرفة نوايا البعض وهم يحذرون من تلك (الفقاعة) حرصاً على السوق، وعلى عدم الوقوع في أخطاء الماضي.
وهذا أمر محمود في إطار استباق التحدي بالخطوات السليمة. كما يمكن شم رائحة النوايا غير الحسنة لدى نفر قليل يروج لمصطلح (الفقاعة) حسداً وربما للتقليل من شأن كم وقيمة الصفقات العقارية التي أُبرمت خلال العام الماضي والنصف الأول من العام الحالي، وهي كبيرة بشهادة المراقبين داخل وخارج الإمارات.
أذ تقول بيانات دائرة اراضي وأملاك دبي إن التصرفات العقارية تجاوزت 154 مليار درهم خلال العام الفائت بنمو 8% مقارنة بعام 2011، وبلغ حجم صفقات البيع والرهن من ذلك الإجمالي أكثر من 111 مليار درهم.
فيما أظهرت بيانات دائرة الأراضي والأملاك في دبي أن القيمة الإجمالية للتصرفات العقارية في الإمارة خلال النصف الأول من العام 2013 قد ارتفعت بنسبة 30% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، لتصل إلى 108 مليارات درهم، ووصل مجموع عمليات البيع خلال الأشهر الستة الأولى من العام الحالي، إلى 22748 عملية بقيمة إجمالية بلغت 8 .52 مليار درهم، وبنسبة 49% من الإجمالي، فيما بلغت القيمة الإجمالية للرهونات 3 .51 مليار درهم وبنسبة 47% من الإجمالي.
تلك الأرقام والإحصاءات الرسمية تبشر بخير، وتعد بالمزيد خلال المستقبل القريب، لاسيما بعد بيان ثانٍ أصدرته الدائرة قبل أيام، قالت فيه إن سوق دبي العقاري نجح في استقطاب رؤوس أموال خليجية وعربية وأجنبية للاستثمار في العقارات بقيمة 53 مليار درهم.
الحفاظ على النمو
يرى المراقبون أن الحفاظ على نمو مستقر في السوق العقاري رهن بعدم انجرار المطورين العقاريين إلى التعجيل بإطلاق المشاريع، مالم يكن لذلك علاقة مباشرة بالعرض والطلب. إن ما يحتاجه السوق العقاري المحلي ـ طبقاً لرأي الكثيرين ـ ليس غياب بعض المطورين العقاريين عن وسائل الإعلام والاحتماء بالدروع الواهنة لشركات العلاقات العامة لتحقيق أمرين.
الأول الهروب الأنيق من أسئلة وسائل الإعلام المستقاة من السوق، أما الأمر الثاني فهو لتحقيق الاستفادة القصوى مما توفره شركات العلاقات العامة من إتاحة الفرصة للمطور العقاري ليقول ما يريد وحول ما يريد، وليس حول مايريده المستخدم النهائي والمستثمرون في السوق.
يحتاج السوق طبقاً لرأي العديد من المهتمين إلى درع يحمي النمو الجديد في السوق وينقله إلى خانة النمو المستدام، على أن يجري التركيز على غلق ملف مشكلات بعض المطورين والمتعاملين معهم عبر تفعيل ثلاثية (خفض الأسعار وجدولة الدفعات او اعادتها واستبدال العقارات)، وإلى التفاصيل.
تأجيل الدفعات أو إعادتها
تفعيل عملية جدولة الدفعات بطريقة منظمة او اعادتها: فإذا ما قام المطور الرئيسي بجدولة دفعات المطور الثانوي بدلاً من (تهديده) بمصادرة الدفعات الأولية مع الأرض ستعطي للمطور الثاني فرصة لملمة أوضاعه ومراجعة حساباته من جهة، وتسحب منه من جهة أخرى الذريعة ليتمرد فلا يدفع باقي الدفعات، بحجة تراجع سعر الأرض، على خلفية تراجع الطلب وزيادة العرض، وتطبيق قرارات تمنع البيع قبل تسديد ثمن ارض المشروع بالكامل.
هنا سيصبح المطور الثانوي قادرا على تأجيل دفعات المشترين، ما سيجعل هذه الشريحة التي تعد العمود الفقري للسوق العقاري قادرة على التقاط أنفاسها وعدم التفكير بسيناريوهات تضر أكثر مما تنفع بفعل الضغوطات. وربما من الأفضل أن يكون تأجيل الدفعات شاملاً البنوك أيضاً، فالعملية بسبب تشعبها لن تنجح ما لم تقم المؤسسات المالية بتأجيل دفعات كل الأطراف (المطور الرئيس والثانوني والمشتري وحتى المقاول)، مما سيخلق مناخاً غير مسبوق من الطمأنينة والثقة في السوق العقاري.
حتى الآن لم تحصل عمليات تأجيل بالحجم التي يحتاجها السوق. وكان أغلب تلك التأجيلات من المطور الرئيس للثانوي تعتمد على حجم مشاريع الأخير مع الأول. في حين جاءت تأجيلات المطور الثانوي لبعض المشترين من باب معرفة المطور بأن المشتري لن يدفع، فمن الأفضل ان يتم التأجيل لتظهر الشركة بمظهر المتفهم!!
سيكون لجدولة الدفعات ـ او اعادتها الى المشترين في المشاريع التي لم تتم المباشرة بأعمالها الإنشائية ـ فيما لو طبقت على نحو يحتاجه السوق أصداء ايجابية وسيتحول المشترون الى افواه جوّالة تقوم بترسيخ المزيد من الطمأنينة والثقة في السوق العقاري، فيما يشبه عملية تسويق مجانية.
لقد قطعت دبي شوطا كبيرا في عملية تدعيم وترسيخ الثقة بالسوق وزيادة جاذبيته وبحجم لم تسبقها إليه أي مدينة في العالم وخلال فترة وجيزة، لكن تعنت وعدم حرفية بعض المطورين الرئيسيين والثانويين وعدم مرونتهما في التعامل مع المستجدات الاقتصادية وفرا مناخاً سلبياً، سمح بتوجيه ضربات موجعة للسوق، وساهم في زيادة وطأة تداعيات الأزمة العالمية.
خفض الأسعار
خفض الأسعار بما يواكب السوق: يتوجب على المطور الرئيس او الفرعي الجلوس والتفكير بهدوء لإجراء مراجعة شاملة ودقيقة وموضوعية لأسعار الأراضي او العقارات، لأن الأثر النفسي المبالغ فيه، الذي تركته الأزمة العالمية، لا يتعدى كلمة (انهيار) في كل الأسعار، بدءا بالعقارات ومرورا بالأسهم وانتهاء بأسعار الخضار والفواكه! ولاحقاً اكتشف الجميع أن السوق العقاري كان ضحية المبالغات، بدلالة تعافيه وعودته السريعة لتسجيل معدلات نمو فاقت التوقعات.
لذا فإن من غير الاحتراف قيام بعض المطورين هذه الأيام بالعودة إلى السلوكيات الاستثمارية غير المدروسة التي شهدناها في عامي الطفرة (2006 و2007) عندما كانت الأراضي والأبراج تباع خلال ساعات من قبل الإعلان عنها، بينما لم يجهز منها غير (بروشورات التسويق).
وكان ذلك يكفي لوصف عمليات البيع تلك بأنها غير مسبوقة إن لم تكن خرافية في بعض الأحيان. في حين باتت شركات الوساطة تشعر بأنها لو تمكنت من بيع شقة واحدة في الأسبوع فإن ذلك يندرج تحت عجائب الدنيا السبع!!
إن الوضع الراهن في السوق العقاري يستدعي قيام المطور الرئيس بخفض أسعار الأراضي التي باعها إلى المطور الثانوي، فيما يتوجب على الأخير خفض أسعار الوحدات التي باعها للمشتري النهائي. إن النداءات التي يطلقها البعض في هذا الصدد لها ما يبررها، فأسعار تنفيذ المشاريع حالياً تراجعت إلى مثيلاتها عامي 2002 و2004 تقريباً.
واغلب المطورين بنوعيهم باعوا بأسعار 2007 المرتفعة ويقومون حتى الوقت الراهن بمفاوضة المقاولين لإعادة تسعير العقود وفقا لأسعار السوق الحالية. وقد نجحت مفاوضات العديد من المطورين والمقاولين، لكن لم يحدث أي تقدم كبير ما بين المطور العقاري والمستثمر النهائي المتعثر.
استبدال العقارات
ما الذي يخسره المطور لو قام بدعوة المشتري ليعرض عليه نقل عقاره من مشروع قيد الإنجاز الى مشروع على وشك الإنجاز وربما بسعر اقل بقليل؟ ربما من المنطقي ان يبدأ السؤال على الطريقة التالية: مالذي سيكسبه المطور لو انه .... الخ.؟
يجب الإشارة إلى أن العديد من المطورين طبقوا هذه الخطوة وتقاسموا الرضا بغلق ملف المشكلة، لكن شركات أخرى لا تزال متمسكة بموقفها مقابل عناد المتعامل أو تحوله إلى متعثر.
مكاسب المطورين ستكون كبيرة الى درجة لن يتصورها البعض، لو يعرض على المشتري نقل وحدته السكنية او المكتبية الى مشروع آخر وبمزايا افضل، تبدأ بالأسعار وتنتهي ربما بزيادة في المساحة او في الإطلالة. سيحصد المطور على ولاء المشتري وسيحصل السوق على ثقته.
وسنكسب عاملاً مهماً وقويا يساعد الإجراءات الحكومية على انعاش السوق. وسيضيف القطاع الخاص الى سجله اسباباً اخرى اهلته بأن يكون اهلاً للثقة التي اولتها له الحكومة، ويستحق الفرص الاستثمارية التي حصل عليها بناء على تلك الثقة.
ان استبدال العقارات؛ المطلوب ان يحدث بمفهوم واسع يشمل استبدال الأراضي، فإذا كان عرض تعويض المشتري بعقار آخر في مشروع على وشك الإنجاز سيوازيه عرض من المطور الرئيس للمطور الثانوي باستبدال ارض بأكملها في اطار مشروع رئيس لم يباشر بأعماله الإنشائية بأرض اخرى، في اطار مشروع رئيس قيد الإنجاز.
واذا ما جرى ذلك وفق مقتضيات السوق فإن الأمر سيستدعي تعاون المطورين الرئيسيين بغية التعاون للوصول الى علاقة تكاملية عند تقديم عروض للمطورين الثانويين.
عمليات تأجيل الدفعات وآثارها
حتى الآن لم تحصل عمليات تأجيل بالحجم التي يحتاجها السوق. وكان أغلب تلك التأجيلات من المطور الرئيس للثانوي تعتمد على حجم مشاريع الأخير مع الأول. في حين جاءت تأجيلات المطور الثانوي لبعض المشترين من باب معرفة المطور بأن المشتري لن يدفع، فمن الأفضل ان يتم التأجيل لتظهر الشركة بمظهر المتفهم!! سيكون لجدولة الدفعات.
او اعادتها الى المشترين في المشاريع التي لم تتم المباشرة بأعمالها الإنشائية، فيما لو طبقت على نحو يحتاجه السوق أصداء ايجابية وسيتحول المشترون الى افواه جوّالة تقوم بترسيخ المزيد من الطمأنينة والثقة في السوق العقاري فيما يشبه عملية تسويق مجانية.
حفظ الحقوق
لا يمكن إغفال ملف المشكلات بين بعض المطورين وبعض المستثمرين في المشاريع المتعثرة أو الملغاة، فكل طرف يتمسك بحججه، لكن دبي المعروفة بمواجهة التحديات سارعت إلى نقل ملف تلك المشاريع إلى الحسم وفق منطق الحكمة والعدالة.
وأصبحت الآمال اليوم معقودة على اللجنة القضائية، التي أمر بتشكيلها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء، رعاه الله، بصفته حاكماً لإمارة دبي، لتأخذ على عاتقها مهام مراجعة المشاريع العقارية الملغاة في إمارة دبي، وتسوية الحقوق المتعلقة بها. هذه الخطوة لقيت ترحيب المستثمرين، إذ ينتظر من اللجنة غلق الملف الشائك بما يعطي للسوق زخماً أكبر على صعيد النمو، ويرسي قواعد وأخلاقيات تعامل مبنية على المزيد من الثقة والشفافية.
