قيم مراقبون أن العلاقات التجارية بين الإمارات ومصر صارت بحاجة إلى إعادة هيكلة جديدة من خلال تمتين الأسس والركائز التي تنهض عليها حتى تصبح أكثر قوة ومناعة في مواجهة التطورات غير المتوقعة، وذلك بعدما اجتازت هذه العلاقات فترة مليئة بتحديات صعبة جعلت منها الفترة الأكثر تأزماً وصعوبة على مدى المراحل التاريخية المختلفة والتي مرت بها هذه العلاقات.

وبعدما اجتازت كذلك عوائق ومصاعب انعكست بالسلب على صيرورة هذه العلاقات على مدى عامين تقريباً، ومع تأكيد دولة الإمارات في بيان صادر عن وزير خارجيتها سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، على تطلعها إلى تعزيز علاقاتها مع مصر الشقيقة حكومة وشعباً.

والمضي بها قدماً إلى المزيد من التعاون الوثيق في مختلف الميادين، وبما يحقق المصلحة المشتركة للشعبين الشقيقين"، ومع تأكيد السفير تامر منصور سفير مصر لدى الدولة على أن موقف الإمارات يدشن لمرحلة جديدة في العلاقات بين البلدين.

وفي ظل هذه التأكيدات، ومع انقشاع سحابة الصيف التي خيمت على العلاقات بين البلدين، يتداول المراقبون تساؤلات حول كيفية تحصين وتمتين العلاقات التجارية والاقتصادية بين الإمارات ومصر ضد مختلف التحديات الناتجة عن التغيرات والتقلبات في الأوضاع على مختلف الصعد.

بحيث تتمتع منظومة هذه العلاقات بمناعة تقيها وتحصنها من ما هو خارج عن الحسابات والتوقعات، وتشير بعض الآراء إلى أن الفترة الصعبة التي مرت بها علاقات الدولتين تزخر بالكثير من الدروس والعبر التي يمكن لهما الاستفادة منها في تدشين مرحلة جديدة للعلاقات بين الدولتين.

ورصد المراقبون مقولة رددها بعض أصحاب الأعمال في الدولتين خلال الفترة الصعبة، ومؤداها أن العلاقات التجارية بين الدولتين كانت تسير بفعل قوة الدفع الذاتية، أي أن أصحاب المصلحة والمعنيين بالشأن التجاري بين الدولتين أداروا أعمالهم بناء على حسابات وقتية تتعلق برؤيتهم لما سوف يكون عليه الأفق المستقبلية لصيرورة الأوضاع في مصر.

وبالتالي، فإنه سوف يكون من المطلوب في المرحلة المقبلة هو رفد قوة الدفع الذاتية بعناصر ومقومات قوة جديدة على نحو يجعلها قادرة في المستقبل لأن تشكل في ذاتها خطوطاً دفاعية أمامية ضد أية تحركات أو ارتدادات عكسية، ويطرح المراقبون تساؤلات عن ماهية عناصر القوة الجديدة التي يمكن من خلالها تعزيز استقلالية وحيادية المحركات الداعمة على تطوير العلاقات التجارية والاقتصادية بين البلدين.

الرؤية الحكيمة والسديدة

وقدم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، إجابة حاسمة ووافية عن هذا السؤال، وذلك منذ سنوات طويلة مضت.

وعلى وجه التحديد في متن الحديث الصحافي الشامل الذي أدلى به سموه لجريدة الأهرام بتاريخ 4 أبريل 1998، حيث رد سموه على سؤال يتعلق بكيفية تعميق التكامل الاقتصادي بين الإمارات ومصر، بأن قال سموه بالحرف الواحد : « لابد من تنشيط ودعم التبادل التجاري بين البلدين.

ولكن ـ ولكي نكون عمليين ـ كيف نستطيع أن نفيد مصر؟ مثلًا لو أرادت مصر الآن أن تصدر سلعها إلى الخارج فإنه ربما يكون من الصعب عليها التصدير الى الدول الآسيوية، ودول كومنولث آسيا الوسطى، وهنا من الممكن ان يساعد الجانبان ـ المصري والاماراتي ـ بعضهما البعض اقتصادياً وتجارياً.

ولو قامت ونشطت وتدعمت العلاقات التجارية والاقتصادية بين الامارات ومصر لايمكن لهذه العلاقات ان تكون نواة تجمع بين الدول العربية، فالعرب عندهم المال والطاقة والمعرفة والعقول والسوق.

ونحن العرب لدينا كل شيء، ومادامت السوق موجودة فإن كل شيء يهون. والعالم كله يتصارع على الأسواق ونحن لدينا السوق فيمكن لنا ان نتحرك وننطلق، ولماذا لا نأخذ عبرة من الدول المحيطة بنا غرباً وشرقاً وهي تتجه الى التكتلات الاقتصادية والتجارية، واليوم اغلب التكتلات اصبحت تجارية وليست سياسية».

قوة الدفع الذاتية

وفي إطار هذه الرؤية الحكيمة والسديدة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، اتفق المراقبون على أن هناك بالفعل قوة دفع ذاتية للعلاقات التجارية والاقتصادية بين مصر والإمارات، تمثل رصيداً من المعاملات التجارية والاستثمارية والذي كبر حجمه على مدار العقود الماضية.

وباتت تشكل في ذاتها رقماً مهماً في معادلة العلاقات التجارية بين البلدين، بحيث يعود لها الفضل في الحفاظ على العلاقات التجارية بينهما عند مستويات معينة، رغم ما كنت تنطوي عليه علاقات البلدين من تحديات ومصاعب جمة.

ويكمن الرافد الأول والمعزز لقوة الدفع الذاتية في ارتباط الدولتين بعلاقات ثنائية وثيقة، يرجع تاريخها إلى ما قبل عام 1971 الذي شهد التئام شمل الإمارات السبع في دولة واحدة هي، دولة الإمارات العربية المتحدة، تحت قيادة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.

حيث أدى ازدياد قوة العلاقات الثنائية بين البلدين وتوثق عراها من يوم إلى آخر، إلى ازدياد التعاون بينهما في جميع المجالات وخاصة المجالات الاقتصادية، الأمر الذي أدى إلى ازدياد حجم الاستثمارات الإماراتية بحيث أصبحت الإمارات المستثمر الأول في مصر.

وقد أدى ازدياد قوة العلاقات الثنائية بين البلدين وتوثق عراها من يوم إلى آخر، إلى ازدياد التعاون بينهما في جميع المجالات وخاصة المجالات الاقتصادية، الأمر الذي أدى إلى ازدياد حجم الاستثمارات الإماراتية بحيث أصبحت الإمارات المستثمر الأول في مصر، على ضوء وجود 18 اتفاقية مشتركة تنظم العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين.

كما بلغ حجم التبادل التجاري بين مصر والإمارات 1.4 مليار دولار في عام 2008 مقابل (826) مليون دولار في 2007، وبزيادة قدرها (69.8)، حيث سجلت قيمة الصادرات المصرية منها نحو (503) ملايين دولار مقابل صادرات إماراتية إلى مصر بقيمة (900) مليون دولار.

وتحتل السلع تامة الصنع نسبة تزيد على (57%) من إجمالي الصادرات المصرية للإمارات، وتشمل قطاعات البطاقات الذكية ومنتجات النحاس والكابلات الكهربائية والأثاث وصناعات الحديد المدرفل والملابس والرخام.

وقد ارتفع عدد الشركات الإماراتية في مصر من (114) شركة عام 2000 إلى (460) شركة حتى يونيو 2009، وشاركت دولة الإمارات العربية في رأس المال المصدر لـ (456) شركة في مصر بما قيمته نحو (45.1) مليار جنيه مصري، وذلك منذ عام 1970 وحتى يونيو 2009، وتشمل أهم المشروعات الاستثمارية التطوير العقاري ومشروعات اكتشافات البترول والغاز، فضلاً عن قطاع السياحة والصناعات الكيماوية والغذائية والتعدين.

وبلغ أيضًا حجم الاستثمارات الاماراتية في مصر (10) مليارات دولار عام 2010، منها مليارا دولار في قطاع الزراعة والباقي في قطاعات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والعقارات والخدمات المصرفية.

كما بلغ إجمالي المنح والقروض التي قدمتها حكومة أبو ظبي لمصر ما يعادل (250) مليون دولار حتى شهر يونيو 2007، وقدم صندوق أبو ظبي للتنمية منحاً وقروضاً إلى مصر تبلغ قيمتها (325) مليون دولار، ساهمت في تمويل عدد من المشروعات.

من أبرزها امتداد ترعة الحمام ومساكن الفلاحين بالخطارة ودراسة جدوى اقتصادية لمشروع النقرة الزراعي، بينما ساهمت القروض التي بلغت قيمتها (236) مليون دولار في تمويل مشروعات فندق عمر الخيام وكهرباء أبو قير، وتطوير قناة السويس، واستصلاح الأراضي بغرب النوبارية، والصندوق الاجتماعي للتنمية، وسماد طلخا.

خطوط دفاعية أمامية

ويتمثل الرافد الثاني الداعم والمعزز لقوة الدفع الذاتية المحركة للعلاقات التجارية بين الإمارات ومصر، في الشركات الإماراتية العاملة في مصر والتي وصل عددها بنهاية العام 2012 إلى نحو 520 حيث تأتي الدولة في المرتبة الثالثة بقائمة الدول المستثمرة في مصر بإجمالي استثمارات بلغ نحو 18,4 مليار درهم.

وتتميز الاستثمارات الإماراتية عن غيرها من الاستثمارات في مصر بأنها استراتيجية وتستهدف دعم الاقتصاد المصري، حيث تتوزع على عدة قطاعات وتتميز بأنها استثمارات برؤوس أموال ضخمة.

وتغطي الاستثمارات الإماراتية في مصر جميع القطاعات والمجالات الحيوية ذات الصلة بعملية التنمية الاقتصادية، مثل العقارات، والاستكشافات البترولية، السياحة والصناعات الكيماوية والغذائية، والزراعة مما يسهم بدوره في دعم الاقتصاد المصري وتوفير فرص العمل.

وتقود اتصالات، وإعمار، وموانئ دبي العالمية، ودانة غاز، وداماك، ومجموعة الفطيم للاستثمارات الإماراتية في مصر حيث تنفذ هذه الشركات العديد من المشاريع التكنولوجية واللوجستية والعقارية العملاقة مستفيدة من تجاربها وخبراتها المتراكمة التي اكتسبتها في السوق المحلية.

الحركات الارتدادية العكسية

ورصد المراقبون انكشاف قوة الدفع الذاتية المُسيرة للعلاقات التجارية بين الإمارات ومصر أمام حركات ارتدادية قوية نتجت عن الهزات السياسية الضخمة التي تعرضت لها مصر في أعقاب ثورة 25 يناير 2011، وقادت التطورات السياسية خلال العامين التاليين على الثورة المصرية إلى مضاعفات أثرت بالسلب على قوة الدفع الذاتية التي وهنت وضعفت تحت ضغط التحديات والمشاكل على مختلف الصعد.

ويعد قطاع التصدير أبرز القطاعات التي واجهت أزمة خطيرة بعد التوترات السياسية بين الإمارات ومصر، وبدأت معدلات تصدير السلع المصرية إلى الإمارات في التراجع لتصل نسبة التراجع إلى 14% خلال الربع الأول من العام الجاري.

 حيث تعد السوق الإماراتية واحدة من ضمن الأسواق العشر الرئيسية للصادرات المصرية، وبلغت صادرات مصر إلى الإمارات بنهاية عام 2011 ما يقرب من 45 مليارات جنيه مقابل 3,6 مليارات جنيه في عام 2010 بنمو 22% .

وهي الفترة التي لم تشهد خلافات بين البلدين، وكشف تقرير لهيئة الرقابة على الصادرات والواردات في مصر عن تراجع معدل التصدير إلى الإمارات خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري بنسبة 22%ليصبح 15 مليار جنيه مقابل 2 مليار جنيه في الفترة نفسها من العام الماضي.

وأوضحت بيانات الهيئة أن رحلة الهبوط لصادرات مصر إلى الإمارات بدأت منذ شهر مارس وهو الشهر الذي شهد بداية التوتر بين البلدين، وأظهرت أن مصر قامت بتصدير منتجات قيمتها 265 مليون جنيه في شهر يناير الماضي مقابل 259 مليون جنيه يناير 2011 بنمو 3%، في حين بلغت تلك القيمة 277 مليون جنيه لشهر فبراير الماضي بدلا من 260 مليون جنيه للشهر نفسه من العام الماضي وبنمو 6%.

وبحسب بيانات الرقابة على الصادرات والواردات فإن قطاع الصناعات الهندسية كان الأعلى تصديرا لدولة الإمارات خلال الربع الأول من العام بقيمة بلغت 231 مليون جنيه، تلاه قطاع مواد البناء بقيمة 197 مليون جنيه، والصناعات الغذائية 165 مليونا، ثم الحاصلات الزراعية 128 مليوناً، والكيماويات والأسمدة 76 مليوناً، والأثاث 51 مليوناً، ثم الملابس الجاهزة 13 مليوناً.

الحفاظ على البقاء والاستمرار

 

شرعت قوة الدفع الذاتية المحركة للعلاقات التجارية بين الإمارات ومصر، في تقوية خطوطها الدفاعية للحفاظ على بقائها أمام اشتداد قوة حركة الارتدادات العكسية، ووفق تقرير البنك المركزي المصري سجلت الاستثمارات الإماراتية نمواً ملحوظاً في مصر خلال الربع الأخير من العام الماضي بلغت نسبته 135% لتصل إلى474,5 مليون درهم «129,3 مليون دولار» مقابل 201,9 مليون درهم « 55 مليون دولار» في الربع السابق عليه من العام ذاته.

وشكلت الاستثمارات الإماراتية الجديدة في السوق المصرية خلال الفترة المشار إليها نحو41% من إجمالي الاستثمارات العربية الوافدة إلى مصر خلال الفترة المشار إليها والتي بلغت مجموعها 1,14 مليار درهم «311 مليون دولار».

وبلغ حجم الاستثمارات الخليجية في مصر خلال العام 2012 نحو 1,268 مليار درهم « 345,7 مليون دولار» وهو ما يمثل 91% من إجمالي الاستثمارات العربية في مصر خلال هذا العام.

ورغم التحديات التي واجهت الاستثمارات الإماراتية في مصر مع بداية الاضطرابات السياسية أعلنت العديد من الشركات الإماراتية الكبرى العاملة هناك التزامها بدعم الاقتصاد المصري وقامت على مدار العامين الماضين بضخ استثمارات جديدة كان لها أثر إيجابي بالغ في تعزيز ثقة المستثمرين الأجانب في جدوى الاستثمار في السوق المصرية رغم سخونة الأحداث السياسية.

فعلى سبيل المثال، حققت شركة «ماجد الفطيم» زيادة مطردة في حجم مبيعات محلاتها في مصر خلال النصف الأول من العام الماضي بلغت 44%، وتسعى إلى ضخ مزيد من الاستثمارات لبناء مول تجاري، بالإضافة إلى الاستحواذ على سلاسل محلات.

وقال إياد ملص، الرئيس التنفيذي لشركة «ماجد الفطيم القابضة»، إن المجموعة تسعى لإضافة 310 آلاف و800 متر مربع من المساحات المخصصة لتجارة التجزئة إلى أصولها الموجودة حالياً في مصر، كما تعتزم إنشاء «مول مصر» على مساحة تبلغ 306 آلاف متر مربع.

وتعتزم المجموعة افتتاح نحو 32 متجراً جديداً لـ«كارفور» من فئتي الـ«سوبر ماركت» والـ«هايبر ماركت» لخدمة المجتمعات في جميع أنحاء البلاد، مع التركيز في البداية على القاهرة والإسكندرية وشرم الشيخ، ومن ثم التوسع نحو الغردقة وطنطا والمنصورة.

وقال إن خطة «كارفور» التوسعية ستولد سنوياً نحو ألف فرصة عمل مباشرة و3 آلاف وظيفة غير مباشرة، لتصل بالتالي إلى 8 آلاف فرصة عمل مباشرة و24 ألف وظيفة غير مباشرة بحلول عام 2016.