لماذا لا تتراجع الإيجارات السكنية في مدينة أبوظبي؟ سؤال يشغل اليوم بال كل مستأجر في المدينة وضواحيها. فمع دخول أشهر الصيف من كل عام يترقب المستأجرون تراجع قيمة الإيجارات السكنية في المدينة وضواحيها خاصة وأن هذه الأشهر ترتبط بنهاية موسم العمل السنوي والمدارس وقيام الكثير من الأسر بتغيير محلات إقامتها أو سكنها.

وعلى الرغم من وجود مؤشرات قوية تشير لإمكانية تراجع حقيقي وكبير في الإيجارات السكنية خاصة بعد تزايد أعداد البنايات السكنية الجديدة التي دخلت للسوق خلال الأشهر الستة الماضية، وبصفة خاصة خلال الربع الأول، كما أكد ذلك مركز أبوظبي للإحصاء، واستقرار الطلب بل وتراجعه في مناطق عدة.

إلا أنه لا يبدو في الأفق أية علامات أو إشارات لتراجع الإيجارات بل العكس هو الصحيح حيث تتزايد إيجارات المباني القديمة في أماكن عديدة من أبوظبي، فضلا عن أن تأجير وحدة سكنية قديمة أمر صعب للغاية، كما أن إيجارات المساكن الجديدة مازالت مرتفعة وغير معرضة للانخفاض الأمر الذي يجعل المستأجرين يضربون كفا على كف متسائلين: لماذا لم تتراجع الإيجارات في أبوظبي؟

"البيان الاقتصادي" في هذا التحقيق تستقصي أسباب عدم تراجع الإيجارات السكنية في أبوظبي، والقوى الحقيقية التي تقف وراء استمرار ارتفاع الإيجارات السكنية في المدينة وضواحيها.

آلية العرض والطلب

يرى رضا مسلم، الخبير العقاري الشريك في شركة تروث للاستشارات الاقتصادية في أبوظبي، أن آلية العرض والطلب في سوق أبوظبي العقاري معطلة، ويشير إلى أن هذه الالية لو كانت موجودة كما هي موجودة في غالبية أسواق العالم الحرة لتراجعت الإيجارات السكنية في أبوظبي بشكل كبير، خاصة مع ضخ آلاف الوحدات السكنية الجديدة - كما أكد آخر تقرير لمركز أبوظبي للإحصاء - إلي السوق دون وجود طلب قوي عليها.

وأكد مسلم على وجود تدخل صريح وقوي في تعطيل آلية العرض والطلب في سوق أبوظبي، وهذا التعطيل وراؤه قوى عديدة وعوامل متعلقة بسوق أبوظبي العقاري، أبرزها فئة المواطنين الملاك، حيث لا يرغبون في تأجير بناياتهم السكنية بقيم إيجارية منخفضة، كما أن المباني الجديدة التي دخلت وتدخل السوق بشكل مستمر تم بناؤها بتكلفة مالية مرتفعة.

ويؤكد ملاكها أنهم لا يرغبون في تأجيرها بقيم إيجارية منخفضة، خاصة وأنهم وضعوا فترات محددة لاسترداد قيمتها، وهي فترات قصيرة زمنيا، وبالتالي فالذي يحدد الإيجار هو المالك وليس السوق كما هو متعارف عليه.

الملاءة المالية

وأضاف مسلم أن الملاءة المالية لملاك وشركات أبوظبي العقارية الكبري هي السبب الرئيسي والأقوى في استمرار القيم المرتفعة للإيجارات، مشيرا إلى أن هؤلاء الملاك الأفراد أو الشركات لا يواجهون بضغوط من البنوك مثلما يحدث في إمارات أخرى تدفعهم إلى تخفيض الإيجارات، بل إن ملاءتهم المالية القوية تجعلهم يبقون على بناياتهم السكنية شاغرة، الأمر الذي يزيد المخزون الفائض عن الحاجة من الوحدات السكنية.

وأكد أن إيجارات المساكن الجديدة والقديمة مازالت مرتفعة، ولم ترجع بعد إلى مستويات إيجارات عام 2006 وما قبله، مشيرا إلى أن الزيادة السنوية على الإيجارات القديمة مازالت موجودة، كما أن العديد من الملاك مازالوا يصرون على تحصيل الزيادة من السكان، وذلك على الرغم من وجود معروض أكبر من الوحدات في السوق، لكنهم يعلمون جيدا أن الوحدات الجديدة مازالت مرتفعة السعر، ولذلك يستمرون في تحصيل الزيادة السنوية على مساكنهم القديمة.

ارتفاع الإيجارات

وقال مسلم إن إيجارات المساكن القديمة لم تعد قليلة كما كان الحال قبل عام 2006، بل إن الزيادة السنوية على الإيجارات، والتي تم فرضها منذ عام 2007 رفعت قيمة إيجارات المساكن القديمة بشكل كبير، وعلى سبيل المثال فإن الوحدة القديمة المكونة من ثلاث غرف، والتي كان يستأجرها المستأجر من دائرة المباني التجارية (لجنة الشيخ خليفة) بقيمة ستين ألف درهم قفزت حاليا إلى ما يقارب 80 ألف درهم.

وهناك وحدات قفزت إلى 90 ألفاً و100 ألف درهم، وهي قيمة إيجارية معقولة جدا، وهنا لابد أن يراجع الملاك أنفسهم لأن الزيادة السنوية أنصفتهم وحققت لهم دخلا جيدا، ولابد أن يتعاملوا بواقعية مع السوق ويخفضوا الإيجارات السكنية حتى لا يتسرب المستأجرون منهم، خاصة بعد الإعلان عن مشاريع ضخمة في مناطق جديدة في أبوظبي مثل المنطقة الغربية.

دعم حكومي

ومن جانبه يكشف مسعود العور، الرئيس التنفيذي لشركة تسويق العقارية، أسبابا أخرى وراء استمرار ارتفاع الإيجارات السكنية في أبوظبي، يتعلق أولها بالدعم الحكومي القوي من حكومة أبوظبي للسوق بشكل مباشر وغير مباشر.

ويرى العور أن الحكومة وفرت بمشاريعها الضخمة، سواء في البنية التحتية أو النفط والغاز أو المدن الصناعية الجديدة في منطقة خليفة الصناعية "كيزاد" أو المؤسسة العليا للمناطق الاقتصادية المتخصصة "زنكورب"، الآلاف من فرص العمل للعمالة الوافدة، الأمر الذي أوجد طلبا على السكن في أبوظبي، خاصة السكن الفاخر، كما أن أبوظبي لم تتعرض لأزمة عقارية حادة مثلما حدث في أوروبا، وأضاف: بلا شك السوق تراجع، لكن تراجعه كان قليلا للغاية، وما نشهده حاليا زيادة حركة البيع والإيجار.

خدمات فائقة الجودة

ويشير العور إلى سبب آخر، وهو أن المباني الجديدة تشتمل على خدمات كثيرة، كما أنها مجهزة بمواصفات فائقة الجودة، كما أنها تقع في مناطق راقية، ولذلك ترتفع إيجاراتها. وقال: ليس معقولا أن يتم تأجير وحدة سكنية في أبراج جزيرة الريم الفاخرة، والتي تطل على الخليج، بنحو خمسين ألف درهم أو ستين ألف درهم لأن قيمتها الإيجارية الحقيقية هي مئة ألف درهم وما فوق.

وعلى مدار الثلاثة أعوام الماضية كانت توقعات المستأجرين وشركات الاستشارات العقارية الأجنبية والمحلية تشير إلى أن الإسكان الفاخر والجديد في أبوظبي مقبل على تراجع كبير في إيجاراته، وقد يصل في بعض المناطق إلى الكساد.

خاصة وأن مئات الأبراج الضخمة التي دخلت السوق في أماكن عديدة مثل جزيرة الريم ومنطقة الكورنيش والخالدية وشارع المطار ومدخل المدينة مقابل متجر كارفور وغيرها من المناطق الجذابة في الإمارة كانت تشير بوضوح إلى أن السوق لا يتحمل معروضاً أكبر في مقابل تراجع الطلب لدرجة أن بعض الخبراء توقعوا أن تتحول هذه الأبراج إلى مساكن للأشباح.

وهو ما لم يحدث، ومازالت هذه الأبراج حتى اليوم تشهد إقبالا من المستأجرين، سواء المواطنين أو الأجانب أو العرب، وتستقر إيجاراتها عند قيم إيجارية مرتفعة في أماكن عديدة، خاصة على الكورنيش وفي جزيرة الريم، ومازال هناك طلب جيد يتزايد في فترات محددة خلال العام بينما يتراجع بنسب ضئيلة جدا أو يستقر خلال فترات أخري، لكن بشكل عام الاستقرار هو سيد الموقف.

تحسن إيجابي

ولا يتوقع عبدالفتاح البرغوثي، مدير إدارة الاستثمارات في شركة إشراق العقارية، أن تتراجع إيجارات السكن القديم أو الفاخر في أبوظبي خلال الصيف الحالي، مشيرا إلى أن حالة التحسن الإيجابي هي المسيطرة على سوق أبوظبي العقاري، ومن أبرز الدلائل على هذه الحالة وجود طلب متزايد يقابله عرض جيد، يتوفر على فترات وليس مرة واحدة، الأمر الذي يؤكد أن السوق مازال قويا وليس معرضا للانهيار.

ويستبعد البرغوثي أن يدخل سوق أبوظبي العقاري، وخاصة الإسكان الفاخر، مرحلة كساد حقيقية مشيرا إلي أن عدد الوحدات الكثيرة، التي يصل عددها إلى أكثر من عشرة آلاف وحدة خلال العامين المقبلين، ستجد طلبا عليها حيث بدأ الطلب في التزايد بشكل ملحوظ منذ عدة أشهر، كما أن هناك حركة بيع نشطة ظهرت واضحة في الدورة الماضية من سيتي سكيب أبوظبي في شهر أبريل الماضي.

ويشدد على أن الإقبال على شراء أو تأجير وحدات وفيلات جديدة وقديمة في أبوظبي يتزايد بشكل مستمر موضحا أن السوق يتسم حاليا بدرجة ثقة ومصداقية عالية بعد أن دعمت الحكومة السوق وحدت من المضاربات فيه، وبلاشك فلولا حكومة أبوظبي لتراجع السوق العقاري بشكل دراماتيكي موضحا أن الحكومة كلفت الشركات الكبرى بتنفيذ مشاريع سكنية للمواطنين كما اشترت وحدات كثيرة منها.

استبعاد الانخفاض

 

يرى طارق حاتم سلطان، الرئيس التنفيذي لشركة بنية، المطورة للبنية التحتية في جزيرة الريم، أن إيجارات السكن في أبوظبي غير مرشحة للانخفاض الكبير، مشيرا إلى أن الانخفاض قد يكون قائما في حالة توقف المشاريع أو الأزمات المالية والاقتصادية، وهي كلها ظواهر لا تعرفها أبوظبي حاليا، وبكل تأكيد فإن سوق العمل في أبوظبي ينتعش، وخاصة سوق البناء والمقاولات، وهو السوق الرئيسي الذي يجلب عمالة ويدفع السوق للنشاط الحقيقي.

وقال: لاشك أن أبرز علامات الانتعاش في السوق حاليا أن الكثير من المطورين عازمون على بدء مشاريعهم الجديدة، سواء في جزيرة الريم أو غيرها، بعد أن تأكدوا من قوة السوق وبعده عن الدخول في مراحل ركود أو كساد حقيقية، ولذلك فإن المشاريع الجديدة، سواء في القطاع العقاري أو قطاع النفط والبتروكيماويات وغيرها من القطاعات الاقتصادية النشطة، مستمرة بقوة، وهذه المشاريع تتطلب عمالة جديدة متنوعة، وهذه العمالة تحتاج إلى سكن للإقامة فيه، الأمر الذي يؤكد أن السوق قوي ولن يتراجع.

 

إيجارات أبوظبي «الغنية» أقل من هونغ كونغ واليابان وأميركا

 

يري سيمون عزام، الرئيس التنفيذي لشركة بلوم العقارية، أن إيجارات المساكن الجديدة في أبوظبي ليست مرتفعة، مشيرا إلى أن إيجارات أبوظبي، التي تعد واحدة من أغنى مدن العالم، أقل بكثير من إيجارات مدن عالمية أخرى قد تكون أقل تنظيما وهدوءا وسكينة من أبوظبي، مثل هونغ كونغ أو طوكيو أو نيويورك.

وأضاف عزام أن أبوظبي خلال السنوات القليلة الماضية استقطبت سكانا جددا ذوي طبيعة خاصة، غالبيتهم من الأوروبيين والأميركيين، للعمل في مشاريعها الضخمة، وقد تطلب وجود هذه العمالة الماهرة الأجنبية سكنا فاخرا أو شبه فاخر.

وبلا شك فإن السكن الفاخر يتميز بتكلفته المرتفعة، علما بأن رواتب هذه العمالة تكفي لتسديد إيجارات هذه المساكن، كما أن هذه الفئة تطلبت سكنا خاصا مثل الفيلات، كما طلبت خدمات كثيرة مثل المدارس الأجنبية أو مساكن بمواصفات معينة، والمشكلة التي تظهر في السوق حاليا تتمثل في الطبقة المتوسطة التي لا تتميز بالدخل المرتفع وتطلب سكنا بقيمة أقل تتناسب مع قيمة دخولها، وهذا متوفر لكنه بشكل ليس بكبير.

مدينة عالمية

وأشار عزام إلى أن أبوظبي اليوم ليست مثل الأمس، بل هي مدينة عالمية بكل المواصفات، والأسعار فيها ترتفع بسبب طبيعة الحياة بها وطبيعة المقيمين فيها، وبلا شك فإن السوق منذ بداية العام ينتعش، والمهم أن يستفيد الجميع من حالة الانتعاش، حيث يحقق الملاك أرباحا أفضل، وكذلك المستثمرون والمشترون والمستأجرون، طالما أن المساكن متوفرة وبمواصفات وإمكانيات متميزة.

بوادر الانتعاش

ويؤكد عزام أن بوادر الانتعاش الحالية في سوق أبوظبي تتمثل في زيادة الطلب الحقيقي على الوحدات السكنية والفيلات وطرح مشاريع جديدة وإسراع الشركات الكبرى في تنفيذ مشاريعها المعلن عنها سابقا، موضحا أن السوق في أبوظبي يتحسن بشكل شبه يومي، والطلب على السكن يتزايد.

علما بأن الحالة العامة والغالبة على السوق هي الإيجار وليس البيع، والملاحظ أن المستخدم النهائي، وليس المضارب، هو المتواجد حاليا في السوق، وقال: أعتقد أن الاعتماد على سوق الإيجار سيظل هو السائد في أبوظبي لسنوات عديدة، وهو سوق صحي جدا خاصة مع التسهيلات الكثيرة التي يقدمها الملاك للمستأجرين، وبلا شك فإن مستويات الإيجارات حاليا معقولة جدا في أبوظبي.