يُعرف عن رجل الأعمال الكويتي الدكتور نايف المطوع، أنه مبتكر مجموعة التسعة والتسعين، التي تضم عدداً من الأبطال الخارقين، في سلسلة مستوحاة من قيم الإسلام وتعاليمه، بعد أن لاحظ تأثر معظم الأطفال المسلمين بالأبطال الخارقين الذين تزخر بهم الرسوم الكرتونيه الغربية، مثل سوبرمان وباتمان.
كانت البداية من تساؤل عريض أطلقه الدكتور المطوع: أين أبطال المسلمين الخارقون؟
وقد أجاب على تساؤله بنفسه، وذلك من خلال شركته المسماة «مجموعة تشكيل للإعلام»، حيث ابتدع د. المطوع مجموعة الـ 99، وهم 99 بطلاً مسلماً، يحمل كل واحد منهم اسماً من أسماء الله الحسنى، مثل «جبار» و»كريم»، ويتحدّرون من أجزاء مختلفة من العالم الإسلامي. بعض هؤلاء الأبطال جاؤوا من ماليزيا وبعضهم من الهند وآخرون من أندونيسيا، بعضهم من العالم العربي والبعض الآخر من دول مجلس التعاون الخليجي. وكان القاسم المشترك الأعظم بين هؤلاء الأبطال أن كل تحركاتهم وتصرفاتهم قائمة على أساس التعاليم الإسلامية. وتتوفر المجموعة في هيئة كتب مصورة وأفلام رسوم متحركة كما تتجسد في منتزهات الأطفال. وتشكل التكنولوجيا والترفيه والتصميم السمة الأبرز في رؤية الـ 99.
إن د. نايف المطوع، الذي كرمه الرئيس الأميركي باراك أوباما خلال القمة الأخيرة لريادة الأعمال لدوره في ريادة الأعمال والابتكار، يمثل بالفعل نواة طيبة للريادة في مجتمعنا. الآن وقد تعرفنا على ما قدمه د. المطوع من فكرة مبتكرة تساهم في إنشاء جيل من الشباب المسلم، يحقّ لنا أن نتساءل عن دور رواد الأعمال الآخرين في مجتمعنا؟ وهل هم حقاً موجودون؟ ما هي التحديات التي يواجهونها لكي يكونوا مبتكرين؟ وما هي التحديات التي تواجه مجتمعنا العربي بشكل عام والمجتمع الخليجي والإماراتي بشكل خاص من أجل خلق بيئة مبتكرة ومبدعة؟
مقال اليوم يأتي مكملاً للمقال السابق، وهو مقدمة لسلسلة مقالات نعرف من خلالها ريادة الأعمال والابتكار وأهميتهما لمجتمع الإمارات واقتصادها. كما ستناقش هذه المقالات العوامل المطلوبة لدعم ريادة الأعمال والتحديات التي يجب التعامل معها.
كثير من عامة الناس لا يستطيعون التفريق بين «رائد الأعمال» و»صاحب الأعمال»، على الرغم من أن الفرق بينهما كبير جداً. ولعلّ من المفيد أن نعيد التذكير بما أوردناه في مقالنا السابق، من أن صاحب العمل هو ذلك الذي يبدأ ويدير عملاً تجارياً لتوفير بعض الخدمات والمنتجات للأفراد والمجتمع، بينما رائد الأعمال هو من يخلق مشروعاً يؤثر في حياة أفراد المجتمع وينقلهم من مرحلة حياتية إلى أخرى. إن رواد الأعمال ليسوا هم أنفسهم أصحاب الأعمال. ومع أن كلاً من رواد الأعمال وأصحاب الأعمال يشتركون في المخاطرة عند البدء في مشروع تجاري، إلا ان درجة المخاطرة تختلف، وكذلك الأهداف ومدى التأثير على المجتمع. رواد الأعمال هم أولئك القادرون على إحداث تأثير في حياة الناس.
وحتى تصبح هذه المعادلة أسهل للاستيعاب، فسوف نلخصها كالتالي: أصحاب الأعمال يتعاملون مع منتجات وخدمات وماركات تجارية وعقارات إلخ... كمواد خام لمشاريعهم، أما رواد الأعمال فالمواد الخام في قاموسهم هي الفرص والأفكار والإبداع والابتكار، ومن خلالها تقوم مشروعاتهم وتنهض.
وبالرغم من أهمية أصحاب الأعمال كقوة محركة في مجتمعنا، فلا تزال أهمية روّاد الأعمال تزداد يوما بعد يوم، والسبب هو أن اقتصاديات العالم باتت تنتقل تدريجياً من اقتصاد معتمد على الموارد الطبيعية، من بترول ومعادن وزراعة، إلى اقتصاديات تعتمد على الأفكار والابتكار. ولنأخذ، على سبيل المثال، ثورة اليابان الاقتصادية والتي بدأت في خمسينات القرن الماضي وحتى نهاية الثمانينات، وسنجد أنها قامت على الابتكار والاختراع وليس على الموارد الطبيعية، بالرغم من تلك الحقيقة التي لا يمكن إنكارها، وهي أنها سخرت الموارد الطبيعية لدعم مبتكراتها واختراعاتها.
والمفارقة ـ وإن كانت منطقية ـ هي أنه بمجرد أن بدأت قدرة اليابان على الابتكار والاختراع في الاضمحلال مع بداية تسعينات القرن الماضي، بدأ اقتصادها بالتراجع تدريجياً.
ثمة نقاش آخر يدور هذه الأيام وهو: هل الولايات المتحدة الاميركية لا تزال محافظة على دورها الريادي في الابتكار والاختراع؟ كثيرون يقولون بأن آلة تفريخ الأفكار في أميركا قد توقفت وأن معينها من الابداع قد نضب، بدليل أن جميع الاختراعات والابتكارات التي قدمتها أميركا للعالم طوال القرن الماضي، وشكلت رصيداً عظيماً في سجلها الصناعي والتقني، لم تستطع أن تقدم ما يماثله خلال العقد الأول من هذا القرن. ولذلك بدأت القدرة التنافسية لاقتصاد أميركا في التراجع، وهناك أكثر من مؤشر على ذلك ... وأكثر من دليل.
أما آلة التفريخ في الوطن فقد توقفت منذ زمن طويل. عطلتها منظومة المعتقدات البالية والخوف من الجديد والتطرف ونظريات المؤامرة وغيرها من الوساوس التي تعصف بعقولنا وتحد من قدرتنا على التفكير خارج تلك المعتقدات وقدرتنا على الابتكار.
تقول الإحصائيات إن دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قد سجلت ـ مجتمعة ـ 3244 براءة اختراع خلال الثلاث عشرة سنة الماضية، مقارنةً باليابان التي سجلت ـ وحدها ـ 233،000 براءة اختراع في سنة 2008 فقط. مع العلم بأن اليابان، كما ذكرنا آنفاً، لم تكن في لياقتها الاقتصادية الكاملة خلال السنوات الماضية.
في الواقع أنّ الفرص والأفكار في عالمنا لا تنتهي، ولكن يظل ذلك رهيناً باكتشافها واستغلالها، وهو أمرٌ يعود بدوره إلى قدرة أفراد المجتمع على الابداع والابتكار.
لذلك، عندما نقول إن قيادة دولة الإمارات بدأت تهتم وتساند قيام قطاع Hقتصادي قائم على الابتكار، يصبح التساؤل وارداً ومشروعاً: هل لدينا بالفعل مجتمع قادر على اكتشاف وابتكار منتجات وخدمات جديدة؟ ما هي مقومات البيئة المجتمعية التي من خلالها تتناسل الأفكار وتثمر؟ هل لدينا مؤسسات مساندة؟ وهل تقوم هذه المؤسسات بالدور المنوط بها لخلق مجتمع مبتكر؟ هل يمكننا القول إن دولة الإمارات جاهزة بالفعل لقبول هذا التحدي الذي وضعته لنفسها بأن تحتل موقعها بجانب الدول الرائدة في مجال الاختراع والابتكار؟ هل رجال الأعمال لدينا جاهزون ليكونوا رواداً للأعمال؟
في المقالات القادمة، سأحاول، سائلاً الله التوفيق، الإجابة على الأسئلة والتساؤلات التي وردت في ثنايا هذه المقدمة.
alkhazra@emirates.net.ae
