تحولت الأفلام القصيرة التي يبثها موقع يوتيوب وتظهر فيها شركات مقاولات صينية وهي تبني مباني ضخمة خلال أيام معدودة إلى نقمة على صناعة التشييد في بلد التنين. فهذا البلد يعيش قلقاً غير مسبوق بسبب اكتشاف تآكل الخرسانة في بعض المباني، ما فجر المخاوف بشأن احتمال انهيار ناطحات سحاب ربما تكون ضحية استخدام خرسانة لم تكن بالجودة والمتانة المطلوبتين.

وتناقلت وسائل إعلام صينية وعالمية ذلك القلق بسلسلة تقارير، كان آخرها تقرير نشره موقع وايرد البريطاني وتحدث عن اتساع نطاق المخاوف بشأن الخرسانة ذات الجودة المنخفضة عشية اكتشاف نتائج لا تبعث على الطمأنينة في نتائج فحص خرسانة ناطحة سحاب قيد الإنشاء وصلت إلى ارتفاع 80 متراً في طريقها إلى ارتفاع 660 متراً، لتصبح ثاني أعلى برج في العالم بعد برج خليفة في دبي بعد إنجازها في 2015 القادم.

أظهرت الاختبارات بأن خلطة الخرسانة في ذلك المبنى المعروف باسم برج بنغنيغ المالي، تحتوي على رمال بحرية لا تزال تحتوي على الأملاح والكلور اللذين يفسدان المادة الصلبة التي تتشكل منها الخرسانة التي تتكون في العادة من الرمال المعالجة جيداً إلى جانب الحصى أو الصخور المطحونة.

ولم تتوقف حدود المشكلة عند اكتشاف ما يريب في ذلك البرج، إذ تفجر القلق لاحقاً بعد اكتشاف وجود خرسانة مماثلة في العديد من أكبر المباني في البلاد ما يعرضها لخطر الانهيار.

ولم تتأخر السلطات المحلية في إيقاف أعمال البناء في ذلك البرج ريثما يجري الوقوف على المخاطر المحتملة والتي قد تجبرهم على هدم ما جرى تشييده والعودة إلى الأساسات. كما أمرت السلطات بفحص هياكل 15 ناطحة سحاب أخرى ثبت أنها مشيدة بذلك النوع من الخرسانة.

وامتدت الإجراءات الاحترازية إلى وقف تصريحات البناء لنحو 31 شركة ولمدة 6 أشهر حتى تتأكد السلطات من نتائج التحليلات والاختبارات قبل أن تقرر سحب تلك التصريحات من عدمه. وكانت الجهات المعنية منحت تلك الشركات والمقاولين موافقات للبدء بأعمال البناء في مشروعاتهم، وتتضمن تلك التصاريح الموافقة على استخدام الخرسانة المذكورة.

ويقول أحد مكاتب الاستشارات الهندسية إن بعض المقاولين ربما يكونون قد استخدموا رمال البحر المعروفة بجودتها المنخفضة مقارنة برمال النهر التي تجيز القوانين الصينية استخدامها لتمتعها بالجودة المطلوبة.

وفسر أحد المهندسين تصرف المقاولين بأنه لا يتعدى رغبتهم في تحقيق هامش ربح جراء استخدام رمال البحر المعروفة بسعرها المنخفض مقارنة برمال الأنهار.

وحاولت السلطات تخفيف حدة قلق السكان، ونشرت بيانات تقول إن المباني التي تتكون هياكلها من الخرسانة غير الجيدة قد لا تتأثر قبل 10 سنوات من الآن. وشددت على أن تلك المباني لن تنهار بشكل مفاجئ، وسيجري العمل على وضع تدابير وقائية تمنع انهيارها.

تدرك السلطات بأن إقناع الناس لن يكون سهلاً، لاسيما وأن البلد حاضن لتسعة من أصل 20 أعلى مبنى في العالم، وهي تعي تماماً ما يعنيه انتشار المخاوف في عموم المدن الصينية، فضلاً عن تأثر سمعة كبرى شركات المقاولات بهذه "الفضيحة".

وتحولت تلك المصيبة إلى مكسب كبير لشركات المقاولات التي تبني مشاريعها وفق تطبيقات الاستدامة العقارية التي لا تتعامل بغير المواد الصديقة للبيئة والمعاد تدويرها وتخضع لرقابة صارمة. إذ بدأ الناس وملاك المشروعات بالحديث عن ضرورة التوجه للبناء المستدام لأنه آمن.

ويبقى السؤال الذي طرحه موقع وايرد البريطاني حول ما يمكن أن يغيره قرار استئناف العمل في المبنى الذي فجر تلك الفضيحة الإنشائية وما إذا كان سيدفع فعلاً باتجاه البناء المستدام وإلى الدرجة التي جعلت رئيس الشركة الذي كان وراء تشييد برج شارد في لندن يقول إنه سيشيد مشروع مدينة السماء في تشانغشا الصينية خلال 90 يوماً وفق معايير الاستدامة العقارية، فيما لاقت تصريحاته ردوداً متشككة.