عندما عمدت إلى إكمال دراسة الدكتوراه اخترت لرسالتي هذا العنوان «هل ميزة دبي التنافسية مستدامة؟» وكانت البداية بنهاية عام 2007 ثم أتت الأزمة المالية في عام 2008 وكان ذلك تحدياً شخصياً لي بين موافقة الواقع ومسمى البحث.

وقال لي كثيرون ممن حولي يجب عليك تغيير مسمى البحث، ولكنني أصررت على إكماله بنفس المسمى لقناعتي التامة بأن اقتصاد دبي فيه من المرونة ما سيوفر له المضي قدماً رغم الأزمة المالية العالمية، وما تم بناؤه في الماضي سيكون عاملاً قوياً ومساعداً لتخطي عام 2008.

التنافسية في عالم اليوم

نعيش اليوم في عالم يتسم بالتنافسية في كافة المجالات، خاصة المجال الاقتصادي (وإن وصفنا ذلك بالاقتصاد المعرفي، أو الاقتصاد المعلوماتي، أو الاقتصاد المدعوم بالإبداع).

بدايةً علينا فهم تعريف «التنافسية» بشكل واضح، لما له من تأثير على حياتنا بشكل عام حتى نرتقي على سلم الحياة بدرجة مثل أو أعلى من الأخرين، وتأثير ذلك على النمو الاقتصادي بشكل خاص، حتى نصنع لأنفسنا مركزاً تنافسياً متقدماً بين دول العالم.

لذلك يعد مفهوم التنافسية من أهم المفاهيم المتداولة في عصرنا الحاضر، إن لم يكن أهمها على الإطلاق، خاصة في القضايا الاقتصادية لعالمنا المعاصر. وللتبسيط وبعيداً عن المنطق العلمي، فإن مفهوم التنافسية هو قدرة دولة ما على إنتاج سلع وخدمات تلبي متطلبات الأسواق العالمية (في ظل ظروف أسواق حرة ونزيهة) وفي نفس الوقت تحقيق معدلات نمو متواصلة في متوسط دخل الفرد على فترات طويلة.

هذا المفهوم يقودنا الى أن نعي أن تنافسية الدول أصبحت في بيئة عالمية، ونتيجتها تصب في النماء أو الازدهار الاقتصادي لهذه الدولة، والذي بدوره يزيد من الدخل الحقيقي للأفراد، ويرفع من المستوى المعيشي لهم، من خلال زيادة الكفاءة الإنتاجية للفرد، ما يشكل العمود الفقري لتنافسية المجتمع ككل.

ويقودنا هذا للتساءل عن ما هي أهمية التنافسية؟ أهمية التنافسية تأتي من ارتقاء سلم درجات الدول المرغوب الاستثمار والعمل فيها على المستوى العالمي (أي يكون عليها طلب عالمي) مما يولد هجرة رؤوس الأموال المستثمرة إلى تلك الدولة التنافسية.

والذي بدوره يعمل كمغناطيس جاذب لرؤوس الأموال المترددة والباحثة عن موقع لتوطينها. هذا كله يؤدي إلى النماء الاقتصادي والازدهار، وتوليد فرص عمل جاذبة للأيدي العاملة، سواء كانت مواطنة أم مستوردة، وزيادة الدخل عن طريق الكفاءة الإنتاجية، ورفع المستوى المعيشي للأفراد.

أهم مراحل تطور دبي تاريخياً

تناولت كتب ومقالات كثرة تاريخ دبي من منظور تاريخي بشكل عام أو متخصص، ويأتي هذا العنوان كنظرة فاحصة لتاريخ دبي وإبراز أهم المراحل من نظرة في التاريخ التنافسي لإمارة دبي.

بدأ حكم آل مكتوم في عام 1833 لدبي، وكانت إحدى السياسات الواضحة للحاكم ذلك الوقت هو توفير نمو اقتصادي لهذه الإمارة وشعبها وتميزها بمفهوم ذلك الوقت. كانت هذه نقطة البداية للفكر السياسي الاقتصادي التنافسي للإمارة، وقد كتب المقيم السياسي البريطاني في عام 1878 في إحدى مخاطباته للخارجية البريطانية، بأن موانئ دبي رغم صغر حجمها إلا أنها «ميناء مهم على الساحل العربي»، وهذا دليل على أن الفكر التجاري متأصل في دبي وأن موانئها مستقبلاً ستأخذ حصة من الموانئ القريبة.

عندما تعاقدت إيران مع الجمارك البلجيكية للاستعانة بالخبرات الاوروبية في عام 1899 لتطوير عمل الموانئ، أعلنت إدارة الموانئ الإيرانية زيادة الجمارك في عام 1901 بفرض ضرائب على الواردات تصل إلى 25 %، تذمر التجار من ارتفاع نسبة الجمارك وأدى بحثهم عن بديل الى تراكم البضائع.

وكذلك عدم سماع الحكومة الإيرانية لشكواهم ومطالبهم، مما شجع الشيخ مكتوم بن حشر آل مكتوم بالإعلان عن إلغاء الضرائب المفروضة في موانئ دبي يومها بنسبة 5%، والذي ساعد كثيراً على تحول تجارة الاستيراد من لنجه والذي كان يعد أكبر موانئ الخليج، الى موانئ دبي وأكسب موانئها زيادة في القدرة الاستيعابية لحركة الاستيراد حسب حاجة ذلك الوقت. ويمكن النظر لهذا القرار بأنه قرار سياسي اقتصادي تنافسي ساعد على زيادة الحركة الاقتصادية لدبي.

في ثلاثينيات القرن الماضي تعثرت صناعة وتجارة صيد اللؤلؤ الطبيعي بسبب الظروف الدولية ومنافسة اللؤلؤ الصناعي، مما دعا بالحاكم للتفكير في بدائل، وكانت التجارة وإعادة التصدير هي الاتجاه الذي تبناه حاكم دبي وبدعم تجارها، وهذا يدعم الفكر التنافسي لدبي.

وفي نهاية خمسينيات القرن الماضي حدث أمران، الأول بداية اكتشاف النفط والثاني حفر خور دبي، ما ساعد على نمو الاستيراد والتصدير الى المحيط الإقليمي الأوسع خاصة بعد اضمحلال مركز ممباسا في أفريقيا وتأثر عدن في اليمن في تجارتها مع أفريقيا، ما ساعد دبي لجذب كثير من تجار المنطقتين وأخذ حصة سوقية لتلك الأسواق التي كانت تخدم تلك المدن. وحفر خور دبي يؤكد مرة أخرى على الفكر التنافسي لقادة دبي.

وساهم استخراج وتصدير النفط في بناء البنية التحتية التي كانت دبي في حاجتها لفترة الطفرة المقبلة عليها.

أما قيام اتحاد الإمارات في عام 1971 فكان تتويجاً لكل ما ذكر والذي أعطى دبي صيغة وجودها ضمن دولة بعد أن كانت إمارة مستقلة، وركز فكر الحاكم فيها على النواحي التجارية والاقتصادية وتنمية الاقتصاد، ومنذ ذلك الوقت ونحن نرى دبي تنمو بشكل متسارع وإيجابي رغم الأحداث العالمية السلبية، لأن اقتصادها عرف كيف يلبي احتياجات الأسواق القريبة والبعيدة ويحصن نفسه ضد أحداث العالم إلى حد كبير بمرونة قراراته السياسية.

بعد منتصف التسعينيات عشنا بداية طفرة غير مسبوقة، ولا زلنا في إيجابيتها، رغم الأزمة المالية العالمية في عام 2008. وقد استعدت دبي للطفرات الاقتصادية القادمة بتوسيع المطارات والموانئ ومشاريع أخرى مثل قطار مترو دبي، فالبنية التحتية ستجعل من دبي الخيار الأول والأمثل للمستثمرين ولأي نمو اقتصادي في المحيط الإقليمي المباشر أو الأوسع.

وسيكون لدبي السبق في الاستفادة منه لاستعدادها لذلك من خلال البنية التحتية، والبنية القانونية، والبنية التقنية، وبنية النسيج الاجتماعي المتوافق، فدبي أكملت الى حد كبير تغطية متطلبات الاستثمار العالمي على خلاف كثير من المدن الأخرى والتي قد يقتصر تركيزها على محور أو اثنين.

دبي والتنافسية

يعتقد البعض بأن دبي برزت منذ منتصف القرن الماضي، وهي نظرة قاصرة وخاطئة إلى حد ما لأن دبي ومكانتها أقدم من ذلك بكثير، وللأمانة فإن من أشاع اسم دبي عالمياً اثنان ممن حكما دبي، هما الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، حفظه الله. ويمكن القول إن من وضع لبنات الأساس لطفرة دبي هو الشيخ راشد بن سعيد، ومن أطلق المرحلة الجديدة للعصر الذهبي لدبي هو صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.

ذُكر في كتب المؤرخين أن الهجرات إلى دبي ازدادت منذ بداية القرن التاسع عشر، وقد كانت هذه الهجرات تأتي بالتجار (بشكل أساسي) إلى دبي منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر، فقد هاجرت مجموعة من الأفراد المشتغلين بالتجارة وعائلاتهم من مختلف المناطق القريبة (داخل حدود دولة الإمارات)، كما شهدت دبي نزوح عدد من التجار من لنجه والساحل العربي لبلاد فارس بالإضافة إلى هجرات من داخل إيران والهند وإفريقيا ومناطق مختلفة.

السؤال الذي يطرح نفسه تلقائيا هنا، لماذا دبي في ذلك الوقت؟ (أو لماذا موقع دبي تنافسي في تلك الفترة؟)

الجواب يرجع إلى عدة عوامل منها أن حكام هذه الإمارة كانت لهم نظرة ثاقبة للمستقبل وعرفوا أن الاقتصاد هو العمود الفقري لأي تطور، فإذا هم أرادوا النهوض والتطور لبلدهم فعليهم بتقوية الاقتصاد مع مراعاة أن العدالة الإجتماعية أساس جذب العامل البشري والمادي لدبي، ولذلك عكف حكام دبي منذ ذلك الوقت على تذليل الصعاب للتجارة وأصحابها مع حفظ الحقوق للجميع، كما كانت حكومة دبي وعلى مر العصور حكومة ذات استجابة سريعة وذات مرونة عالية للعوارض الدولية والمحلية.

أما العامل الآخر، فإن حكام تلك الفترة (مثل اليوم) كانوا لا يقطعون أمراً دون الرجوع إلى مشاورة واستشارة أصحاب الرأي خاصة ممن يعمل بالتجارة من أهل البلد في مجالسهم، ما أضفى الطابع التجاري الجاذب للاستثمار الأجنبي على القرارات الصادرة من هذه المجالس.

ومن العوامل المساعدة أيضاً لتلك الفترة هي قدرة الحكام على تلبية رغبات أفراد المجتمع الجُدد من خلال إيجاد أراض سكنية لهم والاجتماع بهم لسماع آرائهم ومعوقات تجارتهم في بلدانهم الأصلية، والذي كان يولد في بعض الأحيان قرارات هدفها إزالة أي حواجز موجودة وموانع لنمو القطاع التجاري بهدف النهوض بالاقتصاد.

يلاحظ هنا أن عامل الجذب للمستثمرين كان موجوداً منذ أمد بعيد، وقد يكون سبب ذلك الحرية المعطاة لكل من تواجد على أرض دبي على أن تكون مشروطة بعدم المساس بحريات الآخرين، أو قد يكون ما يسمى بعامل الجذب الكيميائي الرابط بين الأشخاص وإمارة دبي. أما في الوقت الراهن أصبح عامل الجذب الكيميائي أكبر بسبب ترف الحياة في شتى المجالات الموجودة بدبي.

والذي توفره لكل من على أرضها بجميع المجالات ولا يواجد بمناطق أخرى بنفس الكيفية كنسيج اجتماعي يربط المجتمع ككل. فحسب ما يتردد أن أهل دبي والكثير ممن يقيم على أرضها محظوظون بالتواجد على أرض دبي، وقد أصبح ذلك ميزة يتمتع بها من سكن دبي ويغبطهم عليها من يحلم بدبي والتواجد فيها.

ما سبق ذكره أدى إلى نتيجتين، الأولى توطين رؤوس الأموال لهؤلاء التجار في دبي واستخدام دبي مقراً لتجارتهم، والنتيجة الثانية نقل هؤلاء الأفراد لمرونة دبي وسهولة التجارة فيها ومنها إلى باقي أفراد مجتمعاتهم في بلدانهم الأصلية، ما زاد الطلب على دبي منذ ذلك الوقت كمكان قابل لجذب الاستثمارات الأجنبية من رؤوس أموال أو خبرات الأفراد.

وهناك أمثلة كثيرة على مرونة دبي بهدف جذب الاستثمار الأجنبي منها، قيام الشيخ مكتوم بن حشر بن مكتوم آل مكتوم بإلغاء الضرائب الجمركية كما تم ذكره سابقاً، وهذا الفعل يدل على بعد نظر من القيادة السياسية لدبي في ذلك الوقت وتفكيرهم بعيد المدى في جذب التجار الذين يبحثون عن مكان بديل لرؤوس أموالهم.

مثال آخر ما قام به الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم في عام 1958 بخطوة استباقية لزيادة الحركة التجارية وتحريك الاقتصاد المحلي لدبي بحفر خور دبي والذي كانت نتائجه إيجابية بكافة المقاييس على الوضع التجاري والاقتصادي لإمارة دبي في ذلك الوقت وحتى يومنا هذا. ومن القصص التي رواها لي أحد الاسماء اللامعة في يومنا هذا أن الشيخ راشد في ستينيات القرن الماضي جمع عددا من تجار البلد .

وقال لهم هذه أموال أمدكم بها لتوسيع تجارتكم، كل حسب حجم تجارته، ولست طالباً للشراكة في تجارتكم وأرزاقكم، إنما هي مبالغ لدعم توسيع تجارتكم بشرط واحد وهو انتشاركم بالتجارة خارج حدود دبي لتكون تجارة عالمية.

وهذا دليل على بعد النظر من القيادة السياسية بأن التجارة يجب أن تنمو خارج الحدود الجغرافية المحلية لتصل إلى الحدود الإقليمية والعالمية، وهو دليل آخر على الفكر التنافسي لقيادة دبي.

ما حدث في العقدين الماضيين فهو أمام أعيننا ولا يحتاج إلى تحليل أو سرد ونلمس نتائجه الإيجابية يومياً، ونعيش واقعه من خلال سياسة انتهجها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.

كل هذه الدلائل تشير ان دبي تتمتع بالنظرة التنافسية التي امتلكها ويمتلكها حكامها وشعبها، رغم ان مبدأ التنافسية لم يبرز للواقع ولم ينتشر كمبدأ فكري اقتصادي إلا في الفترة القصيرة الماضية عالمياً، بينما دبي عاشت هذا المفهوم منذ زمن قديم وبعيد.

دبي والريعية

تعتبر الدول النفطية والخليجية بالذات مجتمعات ريعية، تعتمد على مداخيل النفط لتلبية مشاريع البنية التحتية واستدامة النمو الاقتصادي. وهنا يبرز اختلاف دبي عن مفهوم المجتمع الريعي بسبب بسيط هو أن دبي لم يكن فيها ذلك المخزون النفطي مقارنة بباقي دول الخليج أو مدنها، والسبب الآخر هو أن دبي كانت قبل ظهور النفط تعتمد على عامل الفطنة وبعد النظر والاستفادة من مجريات الأحداث لصالحها.

حركات دبي من الأفكار الإبداعية لم تكن تعتمد على مبدأ الافكار الريعية يوماً. فتعميق الخور، وبناء أكبر ميناء بحري، وإنشاء الحوض الجاف، وتوسيع المطار لدرجة أكبر من حسابات دراسات الجدوى، وإنشاء شركات صناعية مثل دوبال ودوكاب، وإنشاء الفنادق التي تخدم الطلب المتزايد .

والتي لم يستطع القطاع الخاص الإسراع في إقامتها، والمناطق الحرة التخصصية مثل مدينة الإنترنت والإعلام والمدينة الجامعية والطبية والمناطق الحرة الأخرى، وإنشاء جزر من اليابسة في عرض البحر، وغيرها من المشاريع المعلن عنها في دبي الحاضر أو الماضي، كل ذلك كان إبداعاً من مُتخذ القرار يومها، بل إن كثيرا من هذه المشاريع عندما تم الإعلان عنها كانت ردود الفعل كثيرة.

وأغلبها كان ينطوي على سلبية هذه المشاريع وعدم جدواها حسب مفهوم الكثيرين ممن كانوا في الداخل أو ممن انتقدها في الخارج. ونأتي اليوم لنفاخر بها بعد إقامتها ونجاحها، بل إن البعض ممن انتقد هذه المشاريع عندما كانت أفكاراً، يأتي اليوم ليبين للآخرين أنه كان طرفاً ممن وضعوا بصماتهم على تلك المشاريع.

دبي عاصمة التنافسية في العالم العربي

في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي كانت دول ومدن كثيرة في العالم العربي متقدمة اقتصادياً وإدارياً على دبي، وكانت هذه الدول والمدن تملك الموارد المالية بخلاف دبي، وتتجه إليها أنظار العرب وإلى حد ما الغرب، استثمارياً وسياحياً مثل لبنان ومصر وغيرها.

دبي لم تمتلك يوماً فائضاً من المال ولم تكن خزينتها تتسم بفوائض مالية بسبب استثمارها المستمر ببناء البنية التحتية، إلا أنها وفي منتصف التسعينيات أصبحت مضرباً للمثل وأصبح كثير من الدول والمدن التى كانت تفوقها قدرة قبل عقود من الزمن تقارن اليوم نفسها بدبي وكيف يمكن ان تستفيد تلك الدول أو المدن من تجربة دبي. هذا التغير في مركز دبي جعلها عاصمة للتنافسية على المستوى الإقليمي، وقلما نجد شخصاً لا يرغب في زيارة دبي للاستثمار أو العمل أو حتى السياحة.

التوجه الفكري لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد كان واضحاً بأن سموه يرغب بوضع دبي «العالمية» على خارطة العالم، وكان واضحا إصراره على الصدارة في كثير من الأمور، ما نشر الرغبة بين المواطنين والمقيمين في الوصول لنفس الهدف وبشكل إيجابي متأثرين بالطاقة الإيجابية الصادرة عن سموه والتي تدفع الجميع للوصول لأفضل النتائج ورفع راية دبي عالياً.

هذا الدافع الصادر من سموه والذي تغلغل في نفوس المجتمع، جعل دبي تتميز سياسياً واقتصادياً وإدارياً واجتماعياً عن غيرها، وأهم ما تميزت به هو اقتصادها ونسيجها الاجتماعي، ما وضعها على الخريطة العالمية وأصبحت بذلك عاصمة الوطن العربي في التنافسية والانجاز دون منافس.

النفط وتنويع مصادر الدخل

عندما تم اكتشاف النفط، وجهت حكومة دبي مداخيله في بناء قاعدة عريضة من البنية التحتية التي احتاجتها في ذلك الوقت، كما قامت بإنشاء وبناء المشاريع التجارية والصناعية والسياحية التي عجز القطاع الخاص عن إقامتها. أيضاً قامت الحكومة وعلى رأسها الشيخ راشد بن سعيد بعد استكمالها للبنية التحتية التي تحتاجها في ذلك الوقت، على العمل لاستكمال قاعدة البنية التحتية المستقبلية.

والتي ستشكل حاجة دبي في المستقبل، وهذا هو أحد أهم أسرار نجاح دبي في تجربتها التي نراها اليوم. ومن اليوم الأول عرف الشيخ راشد أن النفط لن يشكل دخلاً ثابتاً ودائماً، لذلك ركز على التجارة وإعادة التصدير والصناعة والبناء وقطاع التجزئة وساهم في دفع التجار لأن يكونوا ذوي مبادرات خلاقة وإيجابية تصل بهم إلى العالمية.

يروي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد تجربته عندما رأى في عام 1984 أو 1985 فرصة لم تخطر على بال الكثيرين، رغم أنها تمر عليهم بشكل دائم ولم يلحظوها، خلال تجواله على شواطئ دبي، شاهد إحدى العائلات الأوروبية تستمتع بالشاطئ في الصيف، فنزل من سيارته وتحدث معهم وسألهم كيف يجدون شواطئ دبي في الصيف، فعرف تمتعهم بالأجواء والشواطئ، ومنها انتبه سموه إلى أن هناك فرصة سانحة لدبي للدخول في المجال السياحي والإبداع فيه.

من هذه الحادثة البسيطة وبنظرة للمستقبل، بدأ سموه بدفع قطاع السياحة ورسم سياسته ليصل اليوم الى ما وصل اليه من مساهمة مباشرة لقطاع السياحة أو مساهمته من خلال قطاع بيع التجزئة ليمثل لدبي النفط القادم بدل النفط المستخرج.واليوم نرى أن مساهمة النفط في دبي انخفضت لأقل من 3 % بعد أن كانت تتجاوز 50 % في العقود السابقة، كما نرى أن مساهمة قطاع السياحة والتجزئة وتوابعه تقترب من 40 % لتمثل بديلاً فعلياً لصناعة استخراج النفط.

علامة وسط المدن العالمية

 تطمح إمارة دبي إلى أن يكون اسم دبي «علامة تجارية» بين المدن العالمية، مثل شنغهاي وبرشلونة وأوكلاند، كونها تقع على طريق التجارة العالمية الجديد، وذلك لارتباطها بالأسواق التقليدية مثل دول الخليج العربي والشرق الأوسط وشبه القارة الهندية وإيران وإفريقيا وغيرها من الدول في المحيط الإقليمي الأوسع.

وقد تطورت دبي من اقتصاد محدود خلال فترة قصيرة من الزمن في تجارتها مع هذه الدول إلى اقتصاد يحكمه الاستثمار المستمر لأسباب عدة منها قوة البنية التحتية العالية المستوى، وربط مطارها بشبكة المطارات العالمية والطيران العالمي لكثير من دول العالم، وكذلك ربطها واتصال موانئها الرائدة بشبكة الموانئ للدول المذكورة.

وتصف تقارير إعلامية عالمية اسم دبي بأنها «علامة تجارية» تقدر قيمة شهرتها بـ 90 مليار دولار، وعناصر معالم هذه العلامة التجارية المرئية هي بعض المباني الإبداعية في دبي مثل برج خليفة كأطول مبنى عالمياً، وبرج العرب الذي يشكل شراعاً بارزاً على شواطئ دبي.

وجزيرة النخلة والتي تمثل إنشاءً بشرياً لليابسة في عرض البحر. يضاف إلى ذلك استضافة المؤتمرات الرئيسية ورعاية الرياضات المختلفة على المستوى الإقليمي أو العالمي، والنشرات الإعلانية التي تعزز اسم دبي على نطاق عالمي واسع.

أما عناصر «العلامة التجارية» لدبي وغير المرئية، فهي تشمل الفخامة الموجودة في كثير من المشاريع التي نراها، ومستويات جودة الخدمة التي يجدها من يعيش أو يزور دبي، وأهم هذه العناصر الأمن والسلامة التي نحمد الله على وجودهما في دبي.

إيجابيات

يتمتع اقتصاد دبي بالكثير من الإيجابيات والذي يساعد دبي لدعم التنمية التي تصبو إليها على المدى الطويل. فعلى سبيل المثال، ورغم ارتفاع التكاليف التشغيلية للأعمال في دبي، فإن نوعية الخدمات وسرعتها في دبي تتفوق على كثير من منافسيها في هذا المجال.

كما أن ارتباط دبي بالأسواق العالمية والثقة التي تحوزها في هذا المجال دافع إيجابي للاستثمار في دبي، أيضا الموقع الاستراتيجي والموانئ والبنية التحتية تجعل من دبي مركزاً لوجستياً (نقل وتوزيع) لكثير من الشركات العالمية. ويمكن أن يضاف إلى ذلك، النظرة والثقة التي تصف دبي وتتمتع بها في أعين العالم. هذه بعض العوامل الجاذبة والتي تجعل من دبي مركزاً تجارياً واستثمارياً رائداً في الخليج العربي مدفوعاً إلى منافسة المراكز العالمية.

 عوامل قوة الإمارة في التنافسية المستقبلية

هناك عده عوامل تمكن دبي بأن تتمتع بوضع تنافسي أفضل مستقبلاً:

أ- ريادة الأعمال: التركيز على ثقافة الإبداع وريادة الأعمال ونشرها في المجتمع من خلال الإعلام والتعليم المتوسط والعالي ومراكز الابداع الفعلية بتوفير التمويل ورأس المال الجريء لها، ودعمها وذلك من خلال إيجاد برامج لأفكار ومشاريع إبداعية وتنميتها (خاصة وأن دبي تملك العنصر البشري المبدع والموجود على أرضها)، فريادة الأعمال والإبداع عصب النمو الاقتصادي مستقبلاً، خاصة وقد باتت دبي تُعرف على الصعيد العالمي بأنها أرض تحقيق الأحلام للأفكار والإبداعات الجديدة.

ب- تنمية الفكر الإماراتي: نظراً إلى أن نسبة أهل الامارات قليلة، فتنمية وتطوير فكر الإماراتي، وتطويره من ناحية إدارية ومهنية هدف سامي للدولة لتسليمهم زمام الأمور في تسيير القطاعين الحكومي والخاص في المشاريع المقامة على هذه الأرض خاصة التجارية والصناعية والسياحية منها.

ت- التعليم العالي: الاهتمام بالتعليم العالي ورفع مستوياته وجعله ركيزة الإبداع وحثه للتعاون مع المجتمع الاقتصادي من خلال مراكز بحثية يستفيد منها جميع الأطراف وبرعاية حكومية سيؤدي الى نتائج إيجابية للمستقبل يستفيد منها الاقتصاد المحلي وقد يكون سبباً في الانتشار إلى العالمية ببعض أفكاره.

ث- حلقة الوصل: كانت المجالس سابقاً حلقة الوصل بين القطاع الخاص والعام للأفكار ومداولة السلبيات والإيجابيات، وبحكم تطور الحياة الاجتماعية وكثرة مشاغل القيادة السياسية يتطلب الأمر تفعيل دور مؤسسات مثل الغرفة التجارية والمجلس الاقتصادي برعاية كريمة لإيصال الآراء لولاة الأمر مباشرة.

ج- سن القوانين: بدأ العالم المتقدم اليوم في تغيير سياساته (بعد أن سحبت الصين والهند في العقود الماضية البساط من تحت أقدام الدول المتقدمة) واعتماد سياسة سن القوانين للاقتصاد الكلي والتخلي عن سياسة سن القوانين للاقتصاد الجزئي. هذا يحتاج إلى مراجعة شاملة لكثير من القوانين والأوامر المحلية وترابطها بشكل كامل والنظر إليها بمفهوم الاقتصاد الكلي، لا بعين الاقتصاد الجزئي.

ح- الصحة: على دبي أن تدرس كيفية مواجهة الأمراض التي بدأت تشكل خطراً على المجتمع، وقد تعدت الخطوط الحمراء دولياًً لأمراض مثل السكري وضغط الدم والكولسترول والبدانة، وذلك بمحاولة التصدي لها قبل حدوثها من خلال برامج تعليمية وإعلامية، أو علاجها حتى يكون هذا الشعب خالياً من الأمراض ومستعداً لمجابهة متطلبات المرحلة القادمة بهمةً وعزم لتخطي موجات التحدي القادمة.

وأخيراً هناك بعض الأمور الأخرى والمتفرقة والتي من مصلحة المؤسسات والدوائر المحلية النظر فيها لأهميتها المستقبلية لموقع دبي التنافسي.

وللإجابة عن السؤال المطروح أساساً، هل ميزة دبي التنافسية مستدامة؟ أطرح عليكم نفس السؤال وأترك لكم الإجابة والحكم من خلال ملاحظاتكم على المتغيرات التي تحدث في دبي ومن حولكم.

 عامل الميزة التنافسية ملاحظات

رؤية القادة على الرغم من إعداد خطط الخلافة لقادة المستقبل إلا أن أسلوب القيادة قد يختلف ويتغير مع تنوع وتعقيد الاقتصاد بشكل أكثر خلال العقود المقبلة.

الاستقرار السياسي يعزز استقرار دبي السياسي وجودها كإمارة ضمن الإمارات العربية المتحدة وعضوية دول مجلس التعاون الخليجي.

الأمن قد تكون الإمارات إحدى البلدان الأكثر أماناً في منطقة الخليج وعلى ما يبدو أنها ستظل كذلك.

سرعة اتخاذ القرارات التعقيدات المتزايدة في الاقتصاد وتنوعه تجعل من الصعب على الآليات التقليدية لصنع القرار أن تعمل بشكل فعّال.

لذلك هناك حاجة إلى تعزيز الإدارة والحوكمة في المؤسسات الحكومية.

القدرة على تنفيذ الاستراتيجية إن التحول في الاستراتيجية عن هدف التركيز على تطوير البنية التحتية المادية بسبب إتمام أغلبها، إلى أهداف يتم السيطرة عليها بشكل أقل، مثل إيجاد اقتصاد معرفي، فإن ذلك يتطلب درجة أكبر من الالتزام والمساهمة الفاعلة من قبل الدوائر والهيئات الأخرى. بعض هذا الأنشطة ووفق المتغيرات الجديدة يجب أن يكون مبنياً على ثقافة

استراتيجية تنموية جديدة تنبع من أسفل القاعدة إلى أعلها.

نوعية البنية التحتية المادية من المتوقع أن تتباطأ وتيرة تطوير البنية التحتية المادية بسبب استكمال أغلبها، ورغم ذلك، لا يوجد أي سبب يؤدي للتوقف عن الخطط المستقبلية في الإمارة لما تحتاجه مستقبلاً.

الموقع الاستراتيجي من المرجح أن يستمر موقع دبي لخدمتها بشكل جيد، خاصة بتوسع أسواق شرق آسيا وشبه القارة الهندية.

توافر عوامل الإنتاج الرخيصة استراتيجية دبي القائمة على «قم بالبناء، وهناك من سيستخدمه» تعتمد على توافر عوامل الإنتاج الرخيصة والوفيرة،

لا سيما العمالة والأرض ورأس المال. هناك تحد لتوريد العوامل الثلاثة مستقبلاً بالتكاليف نفسها.

موقع دبي كمركز تجاري يمكن أن تتآكل مكانة ريادة دبي كمركز الأعمال في منطقة الخليج من قبل المنافسين الناشئين والذين لديهم «جيوب نقدية أعمق»، مع التأكيد على أن دبي لم تُبن بفوائض مالية.

موقع دبي كمركز مالي الاقتصاد القائم على المعرفة هو إلى حد كبير حقيقة ملموسة في قطاع الخدمات المالية في دبي. كما عزز النمو العالمي

في التمويل الإسلامي مكانة دبي، خاصة الآن بعد إطلاق تفعيل قطاع الاقتصاد الإسلامي في دبي.

موقع دبي كمركز اللوجستية (النقل والتوزيع) الاستثمار المكثف في السابق في الموانئ والمطارات والمرافق اللوجستية والخبرة الكبيرة، أعطى دبي مكانة عالية وميزة أول المتحركين في هذا القطاع.

السمعة والثقة عانت سمعة دبي نتيجة الأزمة المالية لعام 2008، وقد يكون ذلك جزئياً بسبب نقص الشفافية وضعف نظم الحوكمة.

هذه الثقة تحتاج إلى إعادة بناء بعناية، مثل ما تم ذلك خلال الأعوام اللاحقة للأزمة المالية وحتى يومنا.

سهولة ممارسة أنشطة الأعمال قد يكون موقع دبي الريادي انخفض باعتبارها المكان «الأسهل» للقيام بأعمال تجارية في منطقة الخليج مع بروز مراكز

أخرى بالمنطقة. وقد أدت مخاوف بشأن العمالة غير الشرعية في دبي (والإمارات) لتشديد اللوائح ورفع تكاليف المعاملات بالنسبة للأعمال التجارية.

تكلفة ممارسة الأعمال التجارية ذكر أشخاص تمت مقابلتهم أن الرسوم قد ارتفعت في عدد من المجالات، خاصة خارج المناطق الحرة.

الحرية في القيام بالأعمال التجارية سياسة المناطق الحرة، على وجه الخصوص، قد سمحت للأعمال التجارية أن تجري بحرية في دبي. أدى انتشار المناطق

الحرة في دبي مقارنة مع بقية الإمارات، لتوفير ميزة تنافسية لتلك الحرية. هذه الاستراتيجية (المناطق الحرة)

أعطت دبي ميزة أول المتحركين، لبقاء الشركات والمؤسسات الموجودة نظراً لعوائق الانتقال (تكلفة التحول والانتقال).

الاستعداد التكنولوجي (التقني) رغم وجود استثمارات كبيرة في البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات لتصل بها إلى المستوى العالمي،

يبقى هناك نقص في الخبرات المحلية القادرة على استغلالها بشكل فعّال لتوليد أعمال جديدة.

ثقافة التجارة على الرغم من أن طبيعة التجارة قد تغيرت، ولكن تبقى ثقافة التجارة موجودة لدى أهل دبي وتظل أهمية دبي كميناء ومركز تجاري باقية.

جاذبية دبي كوجهة سياحية ستظل دبي وجهة سياحية جذابة مع العلم أن المنافسة الإقليمية للسياحة في تزايد خاصة في قطاع سياحة الأعمال

والسياحة الرياضية والسياحة الثقافية. وهناك مراكز أخرى تستثمر بكثافة في مرافق البنية التحتية السياحية،

ومرافق سياحة المؤتمرات والمعارض وسياحة المتاحف وصالات العرض ومجموعة واسعة من الرياضات التي توفر كلاً

من المشاهدين والمشاركين مما يؤثر على دبي على المدى الطويل.

جاذبية دبي كمكان للعيش والعمل ستعتبر دبي دائماً، بالنسبة لعدد كبير من الناس، مكاناً جاذباً للعيش والعمل وقد يقل هذا الجذب بسبب انعدام الأمن

الوظيفي والتضخم والضغط النزولي على الأجور والرواتب.

الانفتاح وضعت دبي نفسها عمداً كأكثر مجتمع انفتاحاً في منطقة الخليج. إن بطء وتيرة مواكبة التغيير في دول الخليج الأخرى

وطبيعة قيادتها ومجتمعاتها الأكثر تحفظاً تشير إلى أنه من المرجح ألا يكون لدبي منافس في هذا المجال.

استخدام اللغة الإنجليزية كلغة للحكومة ورجال الأعمال شيوع اللغة الإنجليزية بوصفها لغة الأعمال التجارية، والحكومية في بعض الأحيان، (والآن النظام القانوني التجاري)

يزيد من جاذبية الأعمال لدبي كموقع لتواجد الشركات الأجنبية. الكثير من مؤسسات النظام التعليمي العالي تستخدم

اللغة الإنجليزية والتي سوف تساعد على الحفاظ على هذه الميزة مستقبلاً.

عناصر ميزة دبي التنافسية

لا يمكن حصر عناصر ميزة دبي التنافسية في سطور ولا حتى في كتاب، فهي مجموعة كبيرة من العناصر المترابطة والمتداخلة التي تم بناؤها عبر قرنين من الزمان، وعبر متغيرات وتأثيرات محلية وإقليمية ودولية. إن ما تم ذكره هنا هو ما يعتقد الباحث أنها أهم عناصر ميزات دبي التنافسية عبر مثلث التوافق المعرفي من الأدبيات المنشورة وتوافقها مع المقابلات التي قام بها الباحث مع آرائه المتوافقة في هذا المجال.