غيرت شركة أبو ظبي الوطنية للطاقة «طاقة» قواعد لعبة تأمين احتياجات الغاز الطبيعي في غرب أوروبا من خلال انتهاج استراتيجية ترمي إلى الاستفادة من ما أسمته وكالة الطاقة العالمية بـ «العصر الذهبي للغاز الطبيعي » الذي يساعد في تنويع إمدادات الطاقة، وبالتالي تحسين أمنها.
وبدا ذلك جلياً للمراقبين في النقلة النوعية لاستراتيجية طاقة إزاء آبار غاز بحر الشمال وهولندا التي تلعب دوراً مؤثراً في توفير المرونة لتلبية الطلب المتقلِّب في غرب أوروبا . حيث تتطلع «طاقة» إلى اغتنام مزيد من الفرص الأخرى لتطوير منشآت تخزين الغاز في القارة الأوروبية، خاصة مع توجه أسواقها نحو مزيد من الانفتاح.
وقد حققت استراتيجية «طاقة» في أوروبا خلال شهر مايو من العام 2009 نقلة نوعية بعد مباحثات مطولة نجحت من خلالها بالحصول على الضوء الأخضر من مجلس الدولة الهولندي لمشروع بقيمة 1.2 مليار دولار أميركي يهدف لتطوير منشأة لتخزين الغاز في برجرمير بالقرب من الكمار، التي تبعد حوالي 40 كلم شمال العاصمة أمستردام، وتصبح بذلك منشأة برجرمير أكبر منشأة لتخزين الغاز في أوروبا.
وذلك عند وصولها إلى الطاقة التشغيلية الكاملة المتوقعة في العام 2015، مما سيضاعف تقريباً من القدرة الإجمالية لتخزين الغاز في هولندا، كما سيساعد هذا في وصول هولندا إلى هدفها بأن تصبح أهم مركز محوري للغاز الطبيعي في شمال غرب أوروبا، وقد تلقت هذه الاستراتيجية المعروفة باسم «الممر الدائري للغاز» دعماً من ماريا فان ديرهوفن، وزيرة الشؤون الاقتصادية الهولندية، التي أصبحت الآن المديرة التنفيذية لوكالة الطاقة العالمية
ويعد مشروع برجرمير حجر الزاوية لاستراتيجية «طاقة» في أوروبا، كما يشرح دان ويليم فان هوغستراتن، المدير الإداري لـ «طاقة» في هولندا ويقول: نحن نعرف هذا القطاع جيداً، خاصة بعد شرائنا أصول شركة BP الهولندية لاستكشاف النفط والغاز في العام 2007، من ضمنها منشأة تخزين الغاز BGI في الكمار، التي تستفيد من آبار الغاز، تماماً مثلما نهدف إلى تحقيقه في برجرمير، والتي أثبتت التجربة صوابيتها.
توسيع الأعمال
ويتابع فان هوغستراتن: «لقد سألنا عن كيفية توسيع أعمالنا لتتوافق مع متطلبات الحكومة الهولندية والهادفة إلى تطوير استراتيجية تجعلها مركزاً محورياً للغاز؟.. والجواب هو امتلاكنا للخبرات والمعرفة لتصميم وتشغيل عمليات تخزين الغاز.
كما نظرنا إلى نقاط قوتنا في شمال غرب أوروبا، وقررنا بأن الأفضلية بالنسبة لنا هي الاستثمار في مشاريع تصب في دائرة اهتمام الحكومات المضيفة، وقد استفادت (طاقة) من متانة العلاقات الثنائية التي تجمع بين حكومتي الإمارات وهولندا، وذلك لارتباط الشركة بحكومة أبوظبي، وتحتاج المشاريع المعقدة والضخمة كمشروع برجرمير إلى تنسيق على أعلى مستويات.
وهناك شقان يميزان الاستراتيجية الهولندية المعروفة بـ «الممر الدائري للغاز» بسياقها الأوروبي الأوسع، والتي تتماشى معها استراتيجية (طاقة) لتخزين الغاز، وهما الاستفادة من الاتجاه العام نحو تحرير سوق الغاز الأوروبي، ودخول مزيد من اللاعبين المنافسين عبر الحدود، وأيضاً لتهدئة المخاوف المتعلقة بأمن الطاقة من خلال توفير مزيد من خيارات التوزيع».
ويقول لازلو فارو، رئيس قسم أسواق الغاز والفحم والطاقة في وكالة الطاقة العالمية: «لطالما كان أمن الطاقة والعرض المتوفر من الغاز الطبيعي من القضايا المهمة والساخنة في أوروبا، وذلك نظراً إلى اعتماد أوروبا الكبير على إمدادات الغاز الروسي. ويمثل تأسيس سوق أكثر كفاءة وتكامل للغاز الطبيعي كأحد حلول تلك القضية، وتمكن الأولوية هنا في بناء هيكلية التوزيع الأوروبية، وهذا هو الدرس الذي تعلمناه بعد انقطاع إمدادات الغاز الروسي بين عامي 2006 و2009، حيث لعب عامل التخزين دوراً مهماً في إدارة الأزمات واستيعاب نتائجها».
إجراء في العمق
تم اكتشاف حقل غاز برجرمير في العام 1969، وأنتج منه الغاز حتى استنفاده في السنوات الأخيرة، وخضع مشروع تخزين الغاز في الحقل لدراسة متأنية ووافية، خاصة جوانبه المتعلقة بالمخاوف المرتبطة بالسلامة التي تم دراستها بعد الاستعانة بثلاث منظمات مستقلة في المعهد الهولندي الملكي للأرصاد الجوية (KNMI)، وشركة الأبحاث (TNO)،.
إضافة إلى معهد ماساشوستس للنمو المستدام، التكنولوجيا (MIT)، التي قامت بمراجعة تقرير TNO.ومن أبرز تلك المخاوف، احتمال وقوع الهزات الأرضية، خاصة بعد حصول مثل تلك الهزات أربع مرات إبان سنوات إنتاج الغاز في برجرمير نتيجة أعمال الحفر.
وقد خلصت جميع التقارير إلى أنه من المستبعد حصول هزات أرضية تتعدى قوتها 3.9 درجات وفق مقياس ميركيلي، والتي تعد خفيفة وتؤدي إلى اهتزاز بسيط في السيارات المركونة، ومن هنا قضت المحكمة بوجود الضمانات الكافية لسلامة عمليات التخزين.
كان على شركة (طاقة) خلال المفاوضات الخوض في مباحثات مطولة على المستوى المحلي. وتتمتع (طاقة) بتاريخ طويل في منطقة الكمار يمتد إلى 40 عاماً من العمل، وذلك بفضل إرث شركتي BP وأموكو، وحرصها على الاستفادة من العلاقات التي تم تطويرها خلال تلك العقود، وأحد أهداف «طاقة» هو تطوير علاقاتها مع المجتمع المحلي، والمساهمة في تحقيق طموحات بت برونوج، رئيس بلدية الكمار.
ويقول برونوج: «لقد كانت بالفعل علاقة إيجابية منذ الانطلاقة، فلقد أردنا دائماً العمل سوياً من أجل مصلحة مدينة الكمار ومجتمعها المحلي، فالمدينة تحول نفسها إلى مركز الطاقة في هولندا، وليس فقط من أجل استراتيجية الممر الدائري الخاصة بالغاز».
نقل المقر
وقد وافقت «طاقة» على نقل مقرها الرئيسي في هولندا من لاهاي إلى الكمار، ما يؤثر إيجابياً على فرص العمل وطلاب المدارس في المنطقة. وهنا يضيف برونوج: «انتقال المقر سيكون مهماً لناحية توفير فرص العمل في (طاقة)، وأيضا ًلكي نتعاون معها في تطوير المهارات الجديدة. فكلية هوجسكول الكمار (HSA) تطور المعارف الضرورية كي يتمكن متخرجوها من العمل في المنشآت».
وقد أعرب برونوج عن سعادته بتوقيع الاتفاقية التي ستوفر 50 وظيفة بشكل مباشر، إضافة إلى 100 وظيفة بشكل غير مباشر، وسترتفع هذه الأرقام مع تطور مراحل البناء، حيث ستصل إلى تقديم أكثر من 150 فرصة عمل جديدة.
كما تحرص «طاقة» على الحد من تأثير منشأة برجرمير لتخزين الغاز على البيئة، وسنعمل على تجديد المنشآت المستخدمة في سنوات الإنتاج ووضعها تحت الأرض، وسنستخدم أرقى ما توصلت إليه التكنولوجيا في هذا المجال لضمان خلو عملية الإنتاج من الانبعاثات الضارة تحت ظروف العمل العادية.
كما تم إنشاء محمية طبيعية في الحقول المجاورة لموقع الحفر التي تبلغ مساحتها 18 هكتاراً لتكون مأوى آمن لإدارة برنامج تزاوج الطيور وتكاثرها، وتخطط «طاقة» لشراء 30 هكتاراً جديداً من الأراضي المجاورة لإنشاء محمية طبيعية.
هذا وستطور «طاقة» منشآتها لتخزن أكثر من 4.1 مليارات متر مكعب من الغاز تكفي لسد حاجات 2.5 مليون منزل بالسنة، وسيعاد استخدام 6 من 9 آبار في برجرمير، كما سيتم حفر 14 بئراً جديدةً، وسيتم العمل على تنظيف الغاز المستخرج من الخزانات، وتخفيفه وضغطه في منشأة ضغط من المخطط إنشاؤها في المنطقة الصناعية، وستعمل خطوط أنابيب جديدة على نقل الغاز إلى الخزان في محطة المعالجة، لينقل من بعدها إلى نظام نقل الغاز الوطني الهولندي.
دور مفصلي
وسيلعب مخزون الغاز في برجرمير دوراً أساسياً في الخطط الهولندية، لتصبح مركزاً محورياً للغاز الطبيعي في شمال غرب أوروبا، وستلعب هولندا دوراً مهماً في سوق الغاز الأوروبي منذ اكتشاف حقل جرونينجن في العام 1959، ومنذ ذلك الحين بدأت هولندا بالتنقيب البري والبحري وإنتاج الغاز، وعمدت إلى توفير البيئة التحتية اللازمة لنقل الغاز وتوزيعه.
ويقول فان هوغستراتن: «يمكن لبئر جرونينجن من تغطية الفجوات كافة خلال الأزمات التي شهدناها حتى الآن، ولكن عندما تصل الدولة إلى مرحلة استيراد الغاز، فمن المهم جداً أن تمتلك قدرة التخزين المحلي لتلبية الطلب الملح عند الضرورة، خاصة .
وأن وصول الغاز إلى أنظمة نقله في هولندا يستغرق يومين من النرويج، و5 أيام من روسيا، كما يتطلب وصول الغاز الطبيعي المسال من الشرق الأوسط 14 يوماً». ووفرت وزارة الشؤون الاقتصادية الهولندية الدعم الكامل لمنشأة تخزين الغاز في برجرمير كجزء أساسي من استراتيجية الوزارة الأوسع «الممر الدائري».
وقامت الوزارة بتكليف مجموعة بدائل للقيام بدراسة متعلقة بتأثير تطوير استراتيجية «الممر الدائري للغاز»، وقدرت الدراسة أن هذه الاستراتيجية ستوفر 11600 فرصة عمل بشكل مباشر وبدوام كامل، و31500 فرصة عمل بشكل غير مباشر، إضافة إلى دعم 23300 فرصة عمل، ذلك أن قطاع الغاز يتعامل مع الاقتصاد الهولندي، كما قدر التقرير قيمة حجم السلع والخدمات المنتجة في محيط قطاع الغاز الهولندي بـ 41 مليار يورو، أي ما يعادل نسبة 7 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي لهولندا.
ويقول فان هوغستراتن: «إن أبرز مميزات منشأة تخزين الغاز في برجرمير هي مرونتها، كما أننا سنقدم كل سعة التخزين لتلبية احتياجات السوق دون حجز أي سعة منها لاستخدامنا الخاص».
وتتضمن لائحة المستخدمين المحتملين شركات توليد الطاقة الكهربائية وتوزيعها وتجارتها، ويشكل ولوج منشآت الطرف الثالث الخاصة بتخزين الغاز، مثل منشأة غاز برجرمير، عنصراً أساسياً لتحقيق الاستراتيجية المتعلقة بالغاز في الاتحاد الأوروبي من خلال سعيها لجعل عمل أسواق الطاقة أكثر كفاءة ولتسهيل توفير المزيد من المنافسة.
وتعد الشراكات مع القطاع الحكومي من العوامل الأساسية أيضاً، فشركة EBN المستقلة في هولندا تملك حصة 40 ٪ من المشروع، وأيضاً «غاز بروم» هي من الشركاء الذين يدفعون بحصتهم من الغاز مقابل نسبة من السعة التشغيلية والاستفادة من التشغيل التقني للمنشأة.
وتتطلع «طاقة» إلى مزيد من الفرص الأخرى لتطوير منشآت تخزين الغاز في القارة الأوروبية، خاصة مع توجه أسواقها نحو مزيد من الانفتاح، تماماً كما فعلت في منشأة برجرمير لتخزين الغاز.
هولندا تمتلك قدرات ضخمة لتخزين الغاز الطبيعي
قال لازلو فارو، رئيس قسم أسواق الغاز والفحم والطاقة في وكالة الطاقة العالمية (IEA) إن كيفية لعب آبار غاز بحر الشمال وهولندا دور في توفير المرونة لتلبية الطلب المتقلِّب في غرب أوروبا،.
وعلى تصرف هولندا وفقاً لموقعها كمرفق عملاق لتخزين الغاز. ويضيف: «تقوم آبار بحر الشمال وهولندا بزيادة قدرتها الإنتاجية لتغطية الطلب التقليدي المتزايد على الغاز في فصل الشتاء، مقارنة بالصيف، والذي يتضاعف أربع مرات. ستكون أقل قدرة على تلبية الاحتياجات مع الوقت مع انخفاض مخزون آبار بحر الشمال وجرونينجن».
وقررت عدة حكومات بناء سعات تخزينية إضافية وفقاً لضرورتها الاستراتيجية، ذلك أن موقع الغاز الروسي بعيد، وكمية صادراته متعادلة في الشتاء والصيف، وهناك مزيد من المنافسة عليه من آسيا. كما أن هناك إمكانية لتخزين الغاز الطبيعي المسال في خزانات خاصة بسعة تتعدى العشرة أضعاف مقارنة بطرق التخزين التقليدية. هذا الأمر سيغير من سعر الغاز عالمياً واقتصاد الغاز المخزَّن.
ويتابع فارو قائلاً: «إذا سلمنا بأن الغاز الطبيعي هو وقود المستقبل المرن، فإن توفر الغاز والقدرة على تخزينه سيشكلان عاماً أساسياً في تحقيق أمن الطاقة».
استثمارات طاقة
مجلس الاستدامة
انضمت «طاقة» إلى مجموعة أبوظبي للاستدامة التي تأسست في العام 2008، وتشمل لائحة أعضاء المجموعة إدارات حكومية، وشركات كبرى، ومنظمات غير ربحية، والتي تقدر أموالها مجتمعة بملايين الدولارات، وتهدف المجموعة إلى تسويق إدارة الاستدامة في الإمارات المختلفة وما هو أبعد منها، من خلال تبادل المعلومات والأفكار وأفضل الممارسات.
تحويل النفايات
تم تجهيز محطة في أبوظبي لتوليد طاقة من النفايات تبلغ طاقتها الإنتاجية 100 ميجاواط، لتكون واحدة من أكبر المحطات من نوعها في العالم، وتملك المحطة قدرة على معالجة مليون طن من النفايات الصلبة سنوياً.
ويساهم ذلك في تحقيق هدف «مركز إدارة النفايات CWM» لتحويل 80 ٪ من نفايات المقالب في الإمارة، وبدأت «طاقة» و«مركز إدارة النفايات» بتطوير منشأة ستكون الأولى من نوعها في دولة الإمارات العربية المتحدة. ومن المتوقع أن تفتتح في العام 2016، ويتماشى ذلك مع استراتيجية «طاقة» لتوفير مصادر طاقة بديلة من النفط الطبيعي.
ويقول معالي حمد الحر السويدي، رئيس مجلس إدارة «طاقة»: «ستكون هذه المنشأة الأولى من نوعها في أبوظبي، وسيتبع ذلك المزيد من المشاريع التي تستخدم النفايات كمصدر بديل لإنتاج الطاقة، وسيعمل ذلك على توفير المزيد من فرص العمل والتقدم التكنولوجي بالمنطقة».
استثمارات في المغرب
قام موقع طاقة الجرف الأصغر في المغرب بزيادة قدراته الإنتاجية بنسبة 700 ميجاواط، وذلك بفضل صفقة تمويلية بلغت قيمتها 1.4 مليار دولار أميركي. ويتم إدارة محطة الجرف الأصغر من قبل شركة مملوكة بالكامل لـ «طاقة»، وهو يعتبر من أكبر مجمعات توليد الكهرباء باستخدام الفحم في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
وجاء التمويل من عدة بنوك كبيرة في أوروبا واليابان وكوريا، «رغم استمرار حالة عدم الاستقرار في الأسواق المالية العالمية»، وفق ما قاله فرانك بيريز، المدير التنفيذي ورئيس قطاع إنتاج الماء والكهرباء في «طاقة»، وهي المرة الأولى التي تقوم فيها جهات تمويل يابانية وكورية بتمويل مشاريع في المغرب.
خطط جديدة لـ «طاقة» مع تركيا
قامت حكومتا تركيا وأبوظبي بالتوقيع على وثيقة «تصريح مشترك» تتعهد بموجبه الدولتان بدعم التعاون ما بين شركة «طاقة» وشركة الكهرباء التركية، وذلك للاستثمار في مشروع أفسين-البستان لإنتاج الطاقة، بما في ذلك تطوير مناجم الفحم الحجري ومنشآت توليد الطاقة. وتتفاوض الحكومتان حالياً على اتفاقية ثنائية حول المشروع من المرتقب إبرامها قبل نهاية العام الحالي.
