أكد الدكتور سلطان أحمد الجابر، المبعوث الخاص للإمارات لشؤون الطاقة وتغير المناخ والرئيس التنفيذي لـ"مصدر" أن المواطن الخليجي يشعر بالاطمئنان إلى وفرة موارد الطاقة بمختلف أنواعها، ولكن المعنيين بالقطاع يدركون أن هذه الوفرة إنما هي نتيجة للسياسات الداعمة التي تنتهجها حكوماتنا لخدمة المواطن، وأنه إذا ما تم بيع وقود السيارات والكهرباء وفق التكلفة الفعلية وبأسعار الأسواق العالمية فإن الصورة ستكون مختلفة كثيراً، ولن تكون الاستفادة من خدمات الطاقة متاحة بالسهولة الحالية.

وقال: إذا أخذنا في الاعتبار أن غالبية دول الخليج تفتقر إلى موارد كافية من المياه العذبة، وأنها تقوم بتحلية المياه في عملية تتسم باستهلاكها الكثيف للطاقة، تتضح أمامنا المسؤوليات الإضافية الملقاة على عاتق الجهات المعنية في قطاع الطاقة والمياه.

زيادة الطلب

واضاف: حبا الله بلدان الخليج بثروات هيدروكربونية وفيرة، وعملت قياداتنا على تسخير هذه الموارد بحكمة لإرساء بُنى تحتية متطورة وتوفير كافة متطلبات الحياة العصرية. ورافق هذه النهضة نمو كبير في عدد السكان وزيادة في الطلب على الطاقة والمياه، مما وضعنا أمام تحدي الاستمرار في توفير الإمدادات الضرورية لمواكبة هذا النمو.

فمن جهة، نحن بحاجة إلى تصدير النفط والغاز لتأمين الموارد المالية واستكمال تطوير البنى التحتية، ومن جهة أخرى، تزداد الحاجة إلى مزيد من إمدادات الطاقة لمواكبة النمو المتسارع في الاحتياجات المحلية.

وقال: قبل أقل من شهر، ركز موضوع محاضرة تشرفت بتقديمها في مجلس الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة على الجهود التي تبذلها الإمارات في قطاع الطاقة لضمان استدامتها، حيث يمكن تعميم اتجاهات هذه الجهود على مختلف دول مجلس التعاون الخليجي نظراً لتشابه الظروف في ما بينها.

مبادرات

وكمثال على جهود ضمان أمن الطاقة والمياه، سنلقي الضوء على مبادرات الإمارات بهذا الصدد، حيث يقوم النهج الذي تتبعه الدولة على مسارين متوازيين هما: إدارة الطلب وتنويع المصادر، فعلى صعيد إدارة الطلب، يجري تنفيذ آليات وإجراءات فنية وتنظيمية، وتم وضع معايير إلزامية لتحسين كفاءة استخدام الطاقة في المباني الجديدة، وتشجيع استخدام أجهزة عالية الكفاءة تخفض الاستهلاك، فضلاً عن نشر وترسيخ ثقافة ترشيد استهلاك الكهرباء والمياه.

أما بالنسبة لتنويع مصادر الطاقة، فهو مجال يتطلب العمل وفق استراتيجية طويلة الأمد ويحقق العديد من الفوائد، بما فيها تعزيز أمن الطاقة والمياه، وتحقيق الاستدامة في قطاع النفط والغاز، والحد من آثار تقلبات أسعار المنتجات النفطية، وتحقيق نمو اقتصادي مستدام.

ونظراً لتنوع الظروف الجغرافية والمناخية، ينبغي ان تقوم كل دولة بدراسة المزيج الأمثل الذي يناسبها من الموارد المتوفرة لديها. وبالنسبة لنا في منطقة الخليج، تعد الطاقة الشمسية المورد الأمثل بالنسبة للطاقة المتجددة حيث تحظى بلادنا بنسب مرتفعة من الإشعاع الشمسي على مدار العام.

تكامل بين مزيج متنوع

وقال: باعتبار أن غالبية أنظمة توليد الكهرباء تعتمد حالياً على الطاقة التقليدية، فإن نشر مشاريع الطاقة المتجددة على نطاق واسع يحتاج إلى خطط طويلة الأمد، مما يعني أننا بحاجة إلى مزيد من المصادر إلى جانب الطاقة التقليدية والمتجددة.

وهنا تتضح مكونات مزيج الطاقة الذي يناسبنا ليشمل الطاقة التقليدية، والنووية، والمتجددة، وبحيث تتكامل فيه المصادر والتقنيات لتعزيز كفاءة الإنتاج والاستهلاك. ويمكن للطاقة النووية السلمية والآمنة القيام بدور محوري في تلبية الطلب المتنامي على الكهرباء، وبدأت الإمارات بالفعل في تنفيذ برنامجٍ نووي من المتوقع أن يبدأ بإمداد الشبكة الوطنية بالكهرباء في عام 2017.

وقد حظي نموذج التزود بالوقود النووي الذي وضعته الإمارات بتقدير كبير نظراً لالتزامه بأعلى معايير السلامة والشفافية وحظر الانتشار النووي، وقامت العديد من الدول باعتماد هذا النموذج لتطبيقه. وتقدم الطاقة النووية مزايا كبيرة، أهمها الجدوى الاقتصادية من حيث تكلفة الإنتاج، فضلاً عن توفير إمدادات الطاقة اللازمة لدعم التنمية الصناعية واستمرار النمو الاقتصادي.

تغيرات عالمية

وبالنظر إلى أسواق الطاقة العالمية، نرى أن عام 2011 شهد، وللمرة الأولى، ارتفاع حجم الاستثمارات في مشاريع توليد الكهرباء من الطاقة المتجددة ليفوق الاستثمار في توليد الطاقة من الوقود الهيدروكربوني، حيث كانت قيمة استثمارات مشاريع الطاقة المتجددة ما يزيد عن 257 مليار دولار، مقابل 223 مليار دولار للوقود الهيدروكربوني.

ولهذا التحول أسباب عديدة، منها السعي إلى ضمان أمن الطاقة لمواكبة النمو السكاني والاقتصادي والصناعي، وإيجاد تقنيات نظيفة تسهم في الحد من تداعيات تغير المناخ، إضافة إلى زيادة الاهتمام بالمحافظة على الموارد الطبيعية لتستفيد منها أجيال الغد وفقاً لمبادئ التنمية المستدامة. ونظراً لكوننا - في دول الخليج - لاعب رئيس في مجال الطاقة التقليدية، فإن بناء القدرات في قطاع الطاقة المتجددة سيتيح لنا تعزيز هذا الدور والاستفادة من خبرتنا ومواردنا بشكل أكبر.

تطوير قطاع الطاقة المتجددة

وأوضح انه استجابة للطلب المتزايد على إمدادات الطاقة، قامت حكومة أبوظبي قبل ما يزيد على ست سنوات بتأسيس "مصدر"، من خلال شركة مبادلة للتنمية، وذلك بهدف تطوير قطاع الطاقة المتجددة وفق نظرة شاملة تغطي كافة مراحل سلسلة القيمة.

فبدلاً من الاكتفاء بتنفيذ مشاريع توليد الكهرباء من المصادر المتجددة، رأت قيادتنا بنظرتها الحكيمة أن المحافظة على مكانتنا المتقدمة في قطاع الطاقة تتطلب بناء القدرات وتطوير القطاع بكافة مراحله، بدءاً من التعليم والبحث والتطوير، مروراً بالاستثمار في تطوير التكنولوجيا النظيفة، وتنفيذ المشاريع المحلية والعالمية لتوليد الكهرباء من الطاقة المتجددة، وصولاً إلى بناء مدينة مستدامة تكون بيئة حاضنة لتحفيز ودعم نمو هذا القطاع والناشئ.

مراحل مهمة

وقطعت "مصدر" مراحل مهمة في السنوات الماضية، حيث تسهم في بناء رأس المال البشري المتخصص في القطاع من خلال "معهد مصدر" الذي خرج دفعتي ماجستير، وقدم 15 طلباً لتسجيل براءات اختراع.

وأطلقت "مصدر" صندوقين للاستثمار في تطوير التكنولوجيا النظيفة، وساهمت بتنفيذ العديد من المشاريع المحلية والعالمية لتوليد الكهرباء من الطاقة المتجددة على أسس تجارية، ومن أهمها "شمس1" التي تعد أكبر محطة للطاقة الشمسية المركزة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؛ إضافة إلى مشاريع عالمية مثل خيماسولار، وفالي 1 و2، في اسبانيا؛ ومصفوفة لندن في المملكة المتحدة التي تعتبر أكبر محطة في العالم لتوليد الطاقة من الرياح البحرية.

مدينة مصدر

كما يجري العمل على بناء "مدينة مصدر" لتكون منصة تحتضن الشركات المتخصصة في مجال التقنيات النظيفة وتدعم نمو القطاع. ويجري تطبيق أفضل معايير التنمية العمرانية المستدامة في مدينة مصدر، حيث تم خفض استهلاك الطاقة بنسبة 51% مقارنة بالمباني المشابهة في دولة الإمارات، وتم خفض استهلاك المياه بنسبة 54%، كما يجري إعادة استخدام وتدوير نسبة 96% من مخلفات عمليات التشييد والإنشاء. ويجري حالياً تشييد المقر الدائم للوكالة الدولية للطاقة المتجددة (آيرينا) كأول منظمة دولية بهذا الوزن تتخذ مقرها في منطقة الشرق الأوسط.