تواجه التجارة الخارجية في إمارة رأس الخيمة جملة معوقات أثرت في تواجدها دوليا رغم النمو الصناعي الكبير الذي تشهده، والذي أسهم في 25 % من الناتج المحلي الإجمالي للإمارة طيلة السنوات الخمس الماضية.
وتطرقت لهذه المعوقات ورقة عمل حول العلاقات الإقليمية والدولية للتبادلات التجارية بإمارة رأس الخيمة في ندوة أقيمت مؤخرا تحت عنوان «أثر ترويج الصادرات على اقتصاد الإمارة وبناء علامتها التجارية» قدمها كل من د. جمال بلوط مدير إدارة الدراسات والإحصاء بدائرة التنمية الاقتصادية ـ رأس الخيمة ود. طالب حسن الحيالي الخبير الاقتصادي في دائرة التنمية الاقتصادية ـ رأس الخيمة.
وحدد الباحثان المشكلات في اربعة محاور أساسية تعوق نمو التجارة وهي: عدم وجود جهة حكومية مختصة، وعدم وجود سياسة تجارية واضحة على مستوى الإمارة تمكن من وضع استراتيجيات لقطاع التجارة الخارجية، ما أوجد سياسات واستراتيجيات فردية تتسبب أحيانا في منافسات سلبية تعطل تطور القطاع، إضافة إلى صعوبة إجراءات التصدير مع ضعف في الدعم الدعائي والترويجي للمصدرين محلياً وإقليمياً ودولياً.
كذلك فإن من الإشكاليات التي تواجه التجارة الخارجية عدم وجود مؤسسات تمويلية لدعم الصادرات والواردات ومؤسسات لتأمينها، حيث أن وجود مثل هذه المؤسسات يساهم في ضمان التمويل اللازم للمصدرين والموردين، إضافة إلى غياب إطار مناسب لبناء علاقات شراكة بين المنتجين والمصدرين من جهة والدوائر الحكومية من جهة أخرى لحل إشكاليات التصدير وتبادل الخبرات والمعلومات، النقص في الخبرات والمعلومات المساندة لعملية تطوير التجارة الخارجية، والتأخر في بناء صورة الإمارة من خلال الدعاية والترويج والدعم، والنقص في جاذبية البيئة الاستثمارية، وقلة تنظيم المؤتمرات والندوات وورش العمل وتوفر الدراسات والأبحاث المتخصصة في مجالات الاستثمار والإنتاج والتبادلات التجارية.
النقطة المحورية
وقال الدكتور جمال بلوط مدير إدارة الدراسات والإحصاء بدائرة التنمية الاقتصادية- رأس الخيمة، إن النقطة المحورية لعلاج الخلل يكمن في إيجاد جهة للترويج في الإمارة وكذلك تجاوز ضعف الاطلاع على القوانين الدولية ما يؤثر على القدرة التفاوضية والميزة النسبية في التجارة الدولية.
وأكد أن الحل يكمن في استحداث مؤسسة متخصصة مسؤولة عن الترويج للصادات والاستيرادات في الإمارة، تعنى بمهام متعددة منها العمل على توسع منافذ ومجالات التصدير وفق خيارات وبدائل أكثر مرونة، توفير المعلومات عن الأسواق والتجارة الدولية للمستثمرين والمصدرين، إضافة التوعية بالقوانين المنظمة للتجارة الدولية وغير ذلك، كذلك إيجاد موارد مؤسسات تمويلية للصادات والاستيرادات ومؤسسات لتأمينها.
محدودية الصادرات
وأوضح الدكتور جمال أن القطاع الصناعي احتل دورا مهما في تكوين الناتج المحلي الإجمالي لإمارة رأس الخيمة فقد تجاوز إسهامه في الناتج نسبة 25 % طيلة الخمس سنوات الماضية، ففي عام 2011 واصلت مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي نسبة 35 % تبوأت الصناعات التحويلية النصيب الأوفر منها بنسبة 26 %.
غير أن مساهمة هذا القطاع في التجارة الخارجية للإمارة مازالت محصورة بعدد محدود من البضائع، حيث تركزت في عام 2010 وحسب المعطيات الإحصائية لهيئة الجمارك الاتحادية والتقرير التحليلي لوزارة التجارة الخارجية لعام 2010، على الإسمنت والحصى والأحجار إضافة إلى لفائف السجائر والألبسة المصنوعة من الأقمشة المستوردة، وبنسب 47 % و 10% و6 % من قيمة الصادرات.
ضعف توزيع
واحتلت إمارة رأس الخيمة المرتبة الثالثة على مستوى الدولة من حيث قيمة الصادرات الإماراتية عام 2010 بقيمة 2.086 مليار درهم بنسبة 2.5 % من صادرات الدولة، علما أن صادرات الحصى والإسمنت والمواد الحجرية ولفائف السجائر والملابس المصنعة شكلت 63 % من قيمة صادرات الإمارة، أي أن هناك فرصة لفتح أبواب تصدير مواد جديدة ترفع رقم الصادرات لرأس الخيمة.
وتوجه بالمتوسط 84 % من صادرات إمارة رأس الخيمة خلال الفترة (2007- 2011) إلى دول مجلس التعاون الخليجي، كما تتوجه إلى الدول الآسيوية 10%، والدول العربية 1.5% والدول الأوروبية 0.5% خلال نفس الفترة، وفي عام 2011 بدأت صادرات الإمارة متأخرة الى أفريقيا بعد أن كانت صفرا في السنوات السابقة، مع استمرار ضعفها في الأسواق الأمريكية والعربية والأوربية.
وأوضح الدكتور جمال أن ضعف تواجد صادرات الإمارة في الأسواق العالمية ومنها العربية «عدا الدول الخليجية»، يستدعي التحرك الجدي لفتح أسواق جديدة لتجارة الإمارة، عبر بذل المزيد من جهود التعاون والتنسيق بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص، بما فيها استحداث جهة مسؤولة عن التصدير في الإمارة، لاستغلال قدراتها وإمكانياتها في تعزيز مكانتها في الأسواق العربية والعالمية، كذلك محدودية الشركاء التجاريين للإمارة، حيث تتوجه أغلب صادراتها خليجيا وبالذات إلى سلطنة عمان وبنسب 33 % ثم قطر والكويت والبحرين والسعودية وإلى دولة أوربية واحدة، إضافة إلى الهند وإيران وباكستان وأفغانستان وغيرها.
توجه آسيوي
تحتل إمارة رأس الخيمة المرتبة الرابعة في إعادة التصدير على مستوى الدولة، وقد شهدت عمليات إعادة التصدير تحولا واضحا من دول مجلس التعاون إلى الدول الآسيوية، حيث انخفضت من 60.8 % عام 2008 إلى 8.4 % عام 2011 بالنسبة للأولى، وزادت من 3.6% عام 2008 إلى 73.6% عام 2011 بالنسبة للثانية، وهذا مؤشر إيجابي إذا يزيد عدد الدول التي يتم التعامل معها، ويقلص مخاطر تركز إعادة التصدير بعدد محدود من الدول، حيث تشير البيانات الإحصائية أن 80 % من إعادة التصدير في الإمارة تتم مع سلطنة عمان وإيران.
ارتفاع نسبة إعادة التصدير إلى الدول العربية إلى 10 % عام 2011 بعد أن كانت النسبة دون 1 %، بينما ظلت النسبة متدنية جدا للدول الأفريقية والأوربية، خاصة بعد التراجع الكبير الذي شهدته النسبة في المجموعة الأوروبية، أما بالنسبة إلى أمريكا فقد زادت نسبة إعادة التصدير إلى 7 % عام 2011 بعد أن كانت صفرا في السنوات التي سبقته، وهذا أيضا عنصر إيجابي يتطلب المزيد من البحث عن أسواق جديدة ليس فقط خارج المجموعة القارية الواحدة بل داخلها أيضا.
منافذ جديدة
وأكد الدكتور طالب حسن الحيالي الخبير الاقتصادي دائرة التنمية الاقتصادية ـ رأس الخيمة، أن قيمة واردات رأس الخيمة قد بلغت 2.5 مليار درهم عام 2011 مقابل 2.1 مليار درهم عام 2010 بزيادة 20 %، وأهم ما يميز وارداتها وجود عناصر ومدخلات تصنيعية مثل الرمال والصلصال ومنتجات كيماوية غير عضوية، وسجلت الواردات من الدول الأفريقية زيادة ملحوظة خلال العام 2011 مقارنة بعام 2010 بلغت 69 %، غير أن ما يؤخذ عليها أنها محصورة بدولة جنوب أفريقيا فقط حسب المعطيات الإحصائية المتاحة.
كما تراجعت نسبة الواردات من الدول الآسيوية غير العربية إلى 21 % عام 2011 مقارنة بـ 33 % عام 2010 و 66 % عام 2009، وبقيت الواردات من الدول العربية دون 1 %، ودون 8 % بالنسبة إلى أمريكا والدول الأوروبية، وهذا أمر سلبي بالنسبة لواردات الإمارة، حيث يعكس حالة من ضعف المرونة كونه محددا بعدد قليل من السلع والدول، ويتطلب ضرورة التحرك الجدي من أجل التفتيش عن منافذ جديدة للواردات كما هو الحال في الصادرات، للتمكن من المناورة وتحقيق الفوائد من خلال الأسعار أو النوعية ليس فقط في الحالات الاعتيادية فحسب، بل وفي أوقات الأزمات أيضا، ولا يكمن أن يتم ذلك بمعزل عن وجود جهة حكومية مختصة قادرة على التحرك بجميع الاتجاهات لتحديد الأسواق المناسبة لواردات الإمارة وصادراتها.
جهة متخصصة
أكد الدكتور طالب الحيالي أنه في زمن أصبحت قصص النجاح تبنى فيه على علامات تجارية وخدمات ومنتجات مميزة وموجهة بإحكام إلى ثقافات أو شرائح أو أذواق أو أعمار محددة، وجب على التجار والمصنعين أن يعرفوا تمام المعرفة ماذا ينتجون ويسوقون، ولمن؟ ومتى؟ وأين؟ وكيف؟
باختصار، التبادلات التجارية يجب أن تدار من خلال منظومة متكاملة لها مدخلات وعمليات ومخرجات وترتبط بالمؤسسات التجارية الإقليمية والعالمية لتأخذ نصيبها من الميزات التي تقدمها هذه الأنظمة والمؤسسات وتستفيد من دعمها في استغلال الفرص المتاحة لولوج صادراتها إلى الأسواق العالمية، من هذا المنطلق نرى أن تطوير حركة التجارة الخارجية بالإمارة يتوقف على وضع سياسة واضحة في هذا الميدان وإنشاء جهاز حكومي/شبه حكومي، يعنى بوضع الاستراتيجيات الخاصة بالتبادلات التجارية، وتسهيل إجراءات التصدير ودعم المصدرين على كافة الصعد بالتعاون مع الجهات المختصة.
ومساعدتهم في الترويج لمنتجاتهم محلياً وإقليمياً ودولياً، وبناء علاقات شراكة بين المنتجين والمصدرين من جهة والحكومة من جهة أخرى، والمساعدة في حل الإشكاليات القانونية للتصدير وتقديم الاستشارة وتوفير المعلومات والخبرات في هذا المجال، والمساهمة في تهيئة البيئة الاستثمارية المناسبة للمستثمرين وجذب الاستثمارات المحلية والدولية إلى الإمارة.
