نظمت غرفة تجارة وصناعة دبي ممثلةً في مركز أخلاقيات الأعمال التابع لها في مقرها أمس مؤتمر حوار دبي عن الحوكمة المؤسسية، وتناول أفضل التجارب والممارسات في هذا المجال، وذلك بمشاركة متحدثين مرموقين محليين وعالميين . كما عرض الاتجاهات الحديثة في مجال الحوكمة المؤسسية، وتحليل دور الحوكمة في تعزيز التنافسية والأداء المستدام للشركات. وشهد ورشتي عملٍ عن تصميم أطرٍ تنظيمية متكاملةٍ للحوكمة المؤسسية، ودور مجالس الإدارات في تحديد المخاطر، ووضع ضوابط داخلية فعالة للحوكمة.

اهتمام متزايد

وعلى هامش المؤتمر أشادت أليسا أميكو مديرة قسم الشؤون المؤسسية للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بالاهتمام المتزايد للإمارات بحوكمة الشركات وتطبيقاتها وأضافت بأن التفاعل الذي شهدته الإمارات بشأن الحوكمة خلال السنوات القليلة الماضية كان إيجابيا ومهما للغاية قائلة بأن الحوكمة تلزم الشركات والمؤسسات بتطبيق أفضل ممارسات الحوكمة أو تقديم التوضيح اللازم لمساهميها في حالة عدم التطبيق واصفة التطور بكونه مهما للغاية.

وأضافت بأن الإمارات تشهد تحسيناتٍ مهمة في الحوكمة المؤسسية سواء في الشركات المدرجة من ناحية إدخال نظام توضيحي للحوكمة أو في الشركات الحكومية التي باتت تضع أطراً لتحسين الرقابة والمساءلة فيها. وأشادت بتوسع قدرة المنظمين للحوكمة سواء عبر مركز دبي المالي العالمي أو هيئة الأوراق المالية والسلع في التعامل بقوة وضمان تطبيق الحوكمة ومن تلك الحالات قضية «داماس».

حيث أصدرت سلطة دبي للخدمات المالية غرامات مالية في قضية المخالفات المالية لشركة «داماس انترناشونال ليمتد» واختراقها قواعد الحوكمة المعمول بها في بورصة ناسداك دبي، إضافة لإجراءات أخرى وهذا يظهر مدى الجدية المتزايدة للمنظمين في الإمارات في الحفاظ على سلامة الأسواق العامة. وأضافت بأن هناك 1400 شركة مدرجة في مختلف أسواق المالي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بما فيها شركات من المنطقة الخليجية.

وسألت «البيان» أميكو عن قضية إثارتها خلال الكلمة التي ألقتها وتتعلق بالحاجة لخلق سياسة موحدة في المنطقة فيما يتعلق بحوكمة أكبر للشركات المملوكة للحكومات، فردت قائلة: كجزء من جهود الحوكمة المؤسساتية لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية فإن المنظمة شكلت قوة عمل تمثل جميع الدول في المنطقة، وتعمل بالتحديد على قضية حوكمة الشركات.

وخرجت قوة العمل تلك بتوصيات تتعلق بهيكل عملية التشريح لمجالس الإدارة لتحديد كيف ترشح الدول الممثلين في مجالس إدارة الشركات وما هي المتطلبات المتوقعة منهم، كما أن قضية الشركات المملوكة للحكومات ومساحة الإفصاح فيها أيضا قضية أخرى نتدارسها، وهناك أمثلة جيدة في الإمارات والمنطقة، فهناك جهاز أبوظبي للمحاسبة وهو جهاز مستقل بدأ يصدر مزيدا من المعلومات عن عمله وعن دوره وأهدافه هي التحقق من أن إدارة وتحصيل وصرف أموال وموارد الجهات الخاضعة تتم بكفاءة وفاعلية واقتصادية، إلى جانب التحقق من صحة التقارير المالية والتزام الجهات الخاضعة بالقوانين والأنظمة واللوائح وقواعد الحوكمة والارتقاء بمبادئ المساءلة والشفافية.

وهناك تطور في وضع معايير مستقلة لمؤسسات الدولة المملوكة للحكومة. وقد أطلقت أبوظبي قبل أسابيع قليلة مطلبا يلزم الشركات المملوكة للدولة التي تقدمت بطلب ضمان رسمي من الحكومة بالإفصاح أولا عن ديون تلك الشركات قبل الإعلان عن ذلك لعامة الشعب.

نتائج الحوار

وقال هشام عبدالله الشيراوي، النائب الثاني لرئيس مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة دبي إن مبادرات غرفة دبي وشبكة الاستدامة وعلامة غرفة دبي للمسؤولية الاجتماعية للمؤسسات جميعها تشكل نتائج لحوار دبي، إلى جانب أن تعداد الشركات التي تشترك في تلك المبادرات وتساهم وتحقق نتائج في كل مبادرة من تلك المبادرات يعد دليلا على أن ثقافة المسؤولية الاجتماعية للشركات قد بدأت تتسرب داخل الفكر التجاري الموجود لدينا.

وتابع قائلا: تحتضن دبي أكثر من 200 جنسية من مختلف مجتمعات الأعمال من العالم وبالتالي توصيل رسالتنا لهذا العدد الضخم من الجنسيات المتعددة الثقافات والديانات، وهي عملية ليست سهلة وبالتالي أرى أن النتائج التي تحققت خلال السنوات السبع الماضية من عمر منتدى حوار دبي الذي نحتضنه اليوم إيجابية للغاية.

وعن مرتبة الإمارات في تطبيق ممارسات الحوكمة على مستوى المنطقة رد الشيراوي إنه لا يرغب في ترتيب الدول حسب أي ترتيب معين ولكن الإمارات بشكل عام ودبي بشكل خاص وغرفة دبي تحديدا لهم مبادرات كبيرة وقمنا بعمل ندوات كثيرة واجتماعات متعددة وندوات شهرية لنرفع من مستوى الوعي بأهمية المسؤولية الاجتماعية للشركات بما فيها حوكمة الشركات.

وخلق نوع من عدم الانتقائية في اختيار القرارات في أي شركة من الشركات وإنما ينبغي أن تكون تلك القرارات مبنية على أسس سليمة وأن يكون هدف تلك القرارات هو خدمة المستثمرين والزبائن والموظفين في الشركة وأيضا المحافظة على حقوق المدراء.

وعن انتقاد أليسا أميكو مديرة منطقة الشرق الأوسط في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية للشركات المملوكة للحكومات في المنطقة بكونها غير مطالبة بالإفصاح وبأنها اليوم مطالبة بتبني الحوكمة في ممارساتها قال الشيراوي: لا نستطيع بطبيعة الحال أن ننفي قلقها بشكل كامل.

ولكن أعتقد بأن جملتها عامة بشكل أكثر من اللازم، وفي الوقت ذاته نعم هناك بعض المؤسسات الحكومية وشبه الحكومية التي لا تقوم بالإفصاح الكامل أو إبلاغنا بشكل واضح آلية وكيفية اتخاذ القرار أو الأسس التي على أساسها اتخذ القرار أو حتى أحيانا لا نسمع القرار بشكل واضح وإنما يصلنا نتيجة إجراءات ورسوم .

حيث نصطدم فيها بعد المرور بإجراءات معينة. أيضا الأمر الآخر هو أننا نعاني في هذه المنطقة من الانتقائية وإذا ما أردنا حوكمة جيدة فعلينا أن نكون عادلين وواضحين ونعامل الجميع بشكل متساو وأن تعامل الشركات الحكومية والخاصة بشكل متساو وحتى على مستوى الإعلام في بعض الأحيان تكون هناك انتقائية في نشر الاسم أو الصورة أو الخبر وهي انتقائية غير سليمة ومضرة لا أعرف أسبابها وسيكون لها تأثير سيئ.

عدالة بين الموظفين

ويؤكد الشيراوي لـ»البيان» على أن الحوكمة ستخلق عدالة بين الموظفين وبالتالي الموظف سيعرف حقوقه وواجباته وسيكون مدركاً ماذا سيجني من جهده الإضافي وإخلاصه في عمله وبالتالي هذا سينعكس على أداء الشركة بشكل عام وهذا سيخدم المستثمرين والمساهمين في الشركة وفي الوقت ذاته سيتحقق ذلك إذا كان للشركة متعاملون وزبائن على درجة عالية من الراحة ومستهلكون مدركون بأن الشركة أو المؤسسة تقدم الخدمات على كفاءة عالية في وقت زمن خدمة معقولة .

وكل ذلك سيسهل التعامل مع الشركة وسيرفع من أداء وإنتاجية الشركة وكل ذلك دائرة تجعل الجميع في وضع نفسي أكثر ارتياحا وسيجعل مجتمع رجال الأعمال لديه ثقة بأداء الشركات تلك وزيادة عدد الشركات تلك في موقع جغرافي معين سيجذب العديد من الاستثمارات الأجنبية إليها مما سيرفع من مستوى الاقتصاد العام.

ودعا الشيراوي في كلمة لها أمام الحضور الشركات في دبي إلى اعتماد ميثاقٍ للحوكمة المؤسسية الذي يحدد المسؤوليات والواجبات لأعضاء مجالس الإدارة والموظفين، وكيفية إدارة الشركات بشفافيةٍ ووضوح، واعتبر أن الحوكمة المؤسسية الرشيدة جزءٌ أساسي في نجاح الشركات، محذراً من انه في حال تجاهل تطبيقات الحوكمة فإن ذلك سيكون له عواقب وخيمة على سمعة الشركة في السوق وأمام المتعاملين والمستثمرين بالإضافة إلى انعكاسها السلبي على أدائها.

تعزيز التنافسية

وأشار الشيراوي إلى أهمية الحوكمة الرشيدة والمسؤولية الاجتماعية للمؤسسات وخاصةً في وقتنا الحالي، معتبراً إياهما الأساس لتحقيق الاستدامة في الأداء المؤسسي وتعزيز التنافسية وسمعة الشركات، ولفت إلى أن غرفة دبي تمتلك ميثاقاً واضحاً للحوكمة المؤسسية يبرز بوضوح الأدوار والمسؤوليات المناطة بمجلس إدارة الغرفة والموظفين، ويظهر سياسات المسؤولية الاجتماعية للغرفة ومعايير الشفافية والإفصاح المعتمدة بالإضافة إلى أخلاقيات العمل والثقافة المؤسسية.

وأضاف قائلاً: «لقد أصبحت الحوكمة المؤسسية ميزة تنافسية عالمية، حيث ترتبط الحوكمة ارتباطاً وثيقاً بأداء الشركة واستدامتها، والمؤتمر اليوم يمثل المنصة الملائمة لعرض أفضل التجارب المؤسسية في مجال تطبيق الحوكمة، وتحليل دورها في تعزيز سمعة وتنافسية الشركات.

هيكل للحوكمة

قال محمد الفهيم، الرئيس التنفيذي لباريس غاليري إن وجود هيكل قوي للحوكمة لم يكن قط بالأهمية التي هو عليها الآن في وقت يتزايد فيه عدم الاستقرار في العالم قائلا بأن الحوكمة فقط هي التي يمكنها أن تنقذ اليوم المؤسسات المنطلعة على المدى الطويل نحو تحقيق النمو المستدام.

وأضاف الفهيم بأن جوهر حوكمة الشركات يتمثل في مبادئها التي تعتمد الشفافية والإفصاح، حيث يمكن قياس الفوائد لإجراء تقييم أفضل للسوق. وهذا مهم جدا لكسب ثقة أصحاب المصلحة. ومع تواجد سجلات مالية للمقارنة يجعل ذلك الشركة خيارا أفضل للاستثمار فيها، وخاصة أن المستثمرين دائما ما يقبلون دائما على المؤسسات التي لديها سجل حافل في الحوكمة والتي تملي الممارسات والفلسفة والنجاح للشركة. حيث يساعد على الحفاظ على مصداقية الشركات ومنعها من الانهيار.

بينما في الوقت نفسه يحمي المصالح المالية لمالكي الشركات والمديري والموظفين وأصحاب المصلحـة. وقال الفهيم إنه ولكي تتجنب الشركات العائلية الانزلاق خلال الجيل الثالث من إدارة الشركة فإن حوكمة الشركات تعتبر السبيل الوحيد لتحقيق النمو والاستدامة على المدى الطويل. فهي تخلق الانضباط، وتحدد قيمة الشركة والأعمال بشكل صحيح للأجيال في المستقبل، بحيث لا تختلط المسائل الأسرية والتجارية معا.

وقال الفهيم إن ما يجعل باريس غاليري رائدةً في السوق هي الرؤية الواضحة ووجود خطة حوكمة قوية بدأت في 2006 بالإضافة إلى قيادة ملتزمة وفريق عمل متخصص على أعلى مستوى. ونحن في باريس غاليري كانت لدينا رؤية وأهداف طويلة المدى نطمح إلى تحقيقها. فإحدى التحديات التي واجهناها كان النمو المستدام والذي تطلب تغيرات ثورية في طريقة إداراتنا للأعمال، فاتخذنا قراراً بتغيير اللازم وكانت إعادة هيكلة نظام الحوكمة عندنا جزءاً أساسياً من ذلك.

الأخلاقيات والمسؤوليات

وقالت مونيكا ساونز، ممثلة المشرق كابيتال ان الحوكمة والمؤسسة ليستا كلمتين منفصلتين بل هما يتشاركان لتعريف الممارسات الأخلاقيات والمسؤولية الاجتماعية للمواطن تجاه الاقتصاد. وأضافت ساونز أن نموذج الحوكمة الرشيدة لا يملي فقط العلاقة بين الشركة ومتعامليها وبالتالي المجتمع بل إن الحوكمة الرشيدة هي نظام لإدارة وتوجيه الشركة أو بمعنى آخر هو نظام لخلق القيمة في الشركة.

واعتبر ساجيث كومار، المدير والرئيس التنفيذي لـ»انترناشونال بروكيرديج» أن الحوكمة ونظام إدارة المخاطر والامتثال تتزايد أهميتهم في قطاع الخدمات المالية في الإمارات، حيث تبرز أهمية تثقيف المستثمر وتوجيهه وخاصة في الوساطة المالية والسمسرة. وبدوره قال جايمس واويرو، ممثل شركة يونيليفر الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ان الحوكمة المؤسسية تعتبر نقطة تلاقٍ لكل مصالح المتعاملين لكيفية إدارة الشركة لعملياتها، والمساءلة وتشمل إدارة المخاطر المحتملة واستغلال الفرص وذلك للتأثير الإيجابي على مصالح المتعاملين.

 مؤتمر عالمي

 اعتبر هشام الشيراوي أن حوار دبي بات مؤتمراً عالمياً مروجاً لأفضل المفاهيم المطبقة في مجال المسؤولية الاجتماعية والاستدامة المؤسسية والحوكمة الرشيدة. وشدد على دور غرفة دبي من خلال مركز أخلاقيات الأعمال على تعزيز وعي مجتمع الأعمال بأفضل الممارسات المسؤولة في مجال الحوكمة المؤسسية، ويعتبر مركز أخلاقيات الأعمال الذي تم إطلاقه في غرفة تجارة وصناعة دبي عام 2004 المركز الأقدم والأهم من نوعه في الإمارات نظراً لدوره في ترويج مفهوم المسؤولية الاجتماعية للأعمال. ويشجع المركز أعضاء الغرفة على تطبيق ممارسات الأعمال المسؤولة التي تسهم بتعزيز أداء مؤسساتهم وقدراتهم التنافسية.

هامش للاستثمار

 استعانت أليسا أميكو في كلمتها خلال المنتدى بدراسة حديثة لمعهد ماكنزي الدولي لهذا العام بعنوان «فجوة أسواق المال» تظهر بأن الأفراد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يحتفظون بأصول تقدر بنحو 2.7 تريليون دولار منها 65 % استثمرت في السيولة واحتفظ بها كودائع وبالتالي لم تستثمر في أسواق المال في حين أن 14 % منها استثمرت في منتجات الدخل الثابت وفي السندات والصكوك ونحو 18 % في أسواق المال ما يعكس أنه لا يزال هناك هامش كبير متاح للاستثمار بشكل أكبر في المنطقة في ظل تطور قطاع التقاعد والتأمين والذي أصبح أكثر انكشافا على سوق رأس المال، وكذلك من خلال الاستثمار المباشر الخاص من خلال استثمارات التجزئة.