توقع خبراء ماليون أن يكون مشروع «مدينة محمد بن راشد» أهم محرك للقطاع الخاص في دبي منذ الأزمة العالمية الأخيرة وأنه مؤشر مهم آخر على ارتداد اقتصاد إمارة دبي، مؤكدين أن المشروع سيسهم في تعزيز نمو القطاع المصرفي وأسواق المال من خلال زيادة فرص الإقراض وأدوات التمويل للشركات التي ستشارك في تأسيس وتطوير هذا المشروع الضخم. وأضافوا أن المشروع يشكل فرصة للبنوك للاستفادة من تجاربها السابقة للوقوف على مشكلات الأداء ومعالجتها وتطبيق سياسات إقراض بوعي ومسؤولية، مستبعدين أن تكون البنوك في حالة خوف من الإقراض، وإنما في حالة حذر صحي. وأشاروا إلى أن المشروع يعطي زخماً قوياً لقطاعي العقارات والإنشاء في الدولة، ويسهم في تنشيط الدورة الاقتصادية في الدولة ما سيدعم الناتج المحلي الإجمالي في الأعوام المقبلة، علاوة على تحريك الدورة المالية في إمارة دبي.
رؤية استراتيجية
وقال فيصل كلداري المدير العام لقطاع الأعمال في بنك دبي التجاري: إن اطلاق مشروع «مدينة محمد بن راشد» الذي يعكس الرؤية الاستراتيجية لقيادتنا الرشيدة هو دليل آخر على نجاح دبي في تخطي تبعات الأزمة المالية العالمية. وأضاف كلدراي أن المشروع سوف يسهم في دفع عجلة مختلف قطاعات الاقتصاد الوطني ويحفز بيئة الاستثمار بما يوفره المشروع من فرص واعدة للمستثمرين. كما سيسهم في تعزيز القطاع المصرفي من خلال فرص الإقراض والتمويل للشركات التي ستشارك في تأسيس وتطوير هذا المشروع الضخم. كذلك سيسهم هذا المشروع في خلق آلاف فرص العمل.
من جانبه قال مهدي كاظم، مدير عام الأعمال المصرفية التجارية للمؤسسات الكبيرة والعالمية: إن مشروع مدينة «محمد بن راشد» سيشكل فرصة لتنشيط أسواق الدين في المنطقة ونمو إصدار الصكوك والسندات، خصوصاً وأن تمويل المشاريع سيحتاج لجميع أدوات التمويل الخاصة، عن طريق المستثمرين الأفراد والمؤسسات بالإضافة إلى المستثمرين في الملكية الخاصة. وأضاف أنه سيكون للبنوك المحلية دور غير مباشر كذلك في تمويل تلك المشاريع من خلال توفير قنوات تمويل جاهزة ومرنة لشركات القطاع الخاص في الدولة مثل شركات المقاولات التي سيكون لها دور رئيسي في تطوير المدينة، كما أن المشروع يشكل فرصة للبنوك لإعادة الزخم لنشاطاتها، ولكن بطريقة مدروسة، مشيراً إلى أن إمارة دبي تتمتع ببيئة تشريعية تحمي حقوق جميع المستثمرين المحليين والعالميين.
ارتداد
وفي السياق ذاته، أكد الدكتور ألكسندر فون بوك، مدير الاستشارات المالية في مؤسسة إيه تي كيرني للبحوث في دبي، أن إطلاق المشروع هو مؤشر أساسي آخر على ارتداد اقتصاد إمارة دبي، بعد الأزمة المالية الأخيرة، وأن المشروع سيعود بالفائدة على العديد من الصناعات في الدولة. وأضاف: «في البداية سينعش المشروع شركات المقاولات والتطوير العقاري ويوفر فرصاً للبنوك المحلية من حيث تمويل المشاريع وأسواق المال. وفي مراحل المشروع المتقدمة أي بعد إنجازه سيوفر المشروع فرصاً كبيرة لقطاع التجزئة وكذلك للبنوك من جديد من خلال تمويل الرهون العقارية. ونظراً لأن البنوك العالمية لا تزال تعاني من آثار الأزمة المالية العالمية، نعتقد أن البنوك الإماراتية والخليجية ستكون المستفيد الأكبر من هذه الفرصة. كما أننا نتوقع أن تطبق البنوك سياسات تمويل مناسبة مستفيدة من تجاربها السابقة. وأما بالنسبة لشركات التطوير العقاري، فنتوقع أن تقوم باستكشاف فرص تمويل أخرى في أسواق المال من خلال الصكوك الإسلامية على سبيل المثال».
محرك للسيولة
وقال خالد عبدالله، الخبير الاقتصادي والمحاضر في جامعة روتشستر في دبي: إن القطاع المصرفي في الدولة سيكون أحد الروادف الرئيسية لتمويل مختلف المشاريع الضخمة التي سيتم إنشاؤها في مشروع مدينة محمد بن راشد، والذي سيكون محركاً رئيساً للسيولة المالية داخل بنوك الدولة والمؤسسات والصناديق الاستثمارية. وأضاف أن المشروع يمثل فرصة لتنشيط أداء القطاع الخاص الذي سينعكس إيجابياً على الأداء الاقتصادي وسيسهم في جذب الاستثمارات والتمويل من مختلف أنحاء العالم.
وأوضح خالد عبدالله أن المشروع سيسهم في دعم الاستثمار الأجنبي داخل الدولة، مشيراً إلى أن قرار الاستثمار يعتمد في النتيجة على الكلفة والمردود، خصوصاً وأن الفرص الاستثمارية على الصعيد العالمي محدودة في ظل تحديات الاقتصاد العالمي خاصة في أوروبا. وأفاد بأن قدرة المشروع على جذب الاستثمار الأجنبي سيكون مطابقاً لقدرة إمارة دبي نفسها، وأن الإمارة ذات جاذبية عالية للاستثمار بفضل موقعها الجغرافي والبنية التحتية والتشريعية التي تحمي المستثمرين وتوفر الكوادر البشرية المؤهلة اللازمة لتطوير وإدارة تلك المشاريع.
وفي السياق ذاته أضاف خالد عبدالله، أن مشروع مدينة محمد بن راشد سيؤدي إلى انتعاش العديد من قطاعات الأعمال في الدولة ويحفز القطاع الخاص من خلال رفع الطلب على منتجات وخدمات الشركات الخاصة وخصوصاً الصغيرة والمتوسطة منها، هذا بالإضافة إلى رفع الطلب على خدمات المؤسسات الفندقية والخدماتية.
وأوضح أن شق المدينة الذي يتمثل في توفير بيئة متكاملة لريادة الأعمال والابتكار سيسهم بشكل رئيسي في تشجيع المواهب والكوادر المحلية والعربية وحتى العالمية على الابتكار وسيشكل منصة إطلاق للشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم ورواد الأعمال من خلال توفير بيئة متكاملة لتأسيس الأعمال توفر في الوقت ذاته فرصة لإسناد خدماتها للمؤسسات والشركات العقارية الكبيرة المطورة لهذا المشروع. وأضاف أنه من المتوقع أن يسهم هذا المشروع في تنشيط الدورة الاقتصادية في الدولة وهو ما يساعد على دعم الناتج المحلي الإجمالي في الأعوام المقبلة، علاوة على تحريك الدورة المالية في الإمارة. وأضاف أن هذا المشروع سيحتاج إلى تعاون القطاع المالي والاستثماري مع المدينة الجديدة، ومن المتوقع أن يشجع البنوك على تحريك سيولتها المالية بهدف تمويل المشاريع العقارية والإنشائية فيها.
جذب الأموال
من جانبه، قال أندرياس غويا مدير المنتدى العالمي للمصرفيين في الشرق الأوسط: إن مشروع مدينة محمد بن راشد يشكل فرصة لجذب رؤوس الأموال العالمية التي تبحث عن فرص استثمارية في أسواق المنطقة، وهو ما سيعيد الزخم بقوة إلى العديد من القطاعات الاقتصادية. وأضاف أن السؤال المهم في هذه الآونة هو دراسة الالتزامات التي ستترتب من خلال تمويل المشاريع في المدينة، مؤكداً أهمية التنسيق والتعاون بين مدراء المشاريع والبنوك المحلية لتوفير قنوات جاهزة من السيولة خدمة للعديد من أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة الذين ستشكل خدماتهم رافداً مهماً في المدينة.
وأشار في تصريحات لـ«البيان الاقتصادي»، إلى أن المشروع يشكل فرصة لإصدار المزيد من الصكوك في أسواق المال، لأن البنوك المحلية قد لا تستطيع سد حاجة تمويل كل تلك المشاريع الضخمة في المدينة وسيكون عليها بعض الضغوط من حيث إقناع مجتمع الأعمال العالمي أنها ستكون قادرة على تمويل تلك المشاريع، علماً أن العالم ينتظر الإعلان عن مشروع بهذا الحجم. وأشار إلى أن على مؤسسات الصيرفة الإسلامية كذلك إقناع المستثمرين بأن صناعتهم مستقرة وقادرة على منافسة قنوات التمويل التقليدية، خصوصاً وأن طبيعة تمويل تلك المشاريع التي من الأرجح أن تكون على المدى الطويل تتناسب مع طبيعة الصكوك، إضافة إلى أن معدلات الفائدة منخفضة في البنوك الأوروبية في الوقت الراهن. وأضاف: «أعتقد أن إدارة تلك المشاريع ستكون إحدى الدعائم الرئيسة والحيوية في إنشاء المدينة، ومن المتوقع أن يكون للقطاع الخاص الحصة الأكبر في إدارة وإنجاز تلك المشاريع، ما يقتضي تعامل الموردين الكبار مع شرائح واسعة من القطاع الخاص في الدولة، لذلك أعتقد أن مشروع مدينة محمد بن راشد سيكون أهم محرك للقطاع الخاص منذ الأزمة العالمية الأخيرة ومحطة جديدة ومهمة على طريق تقدم وازدهار إمارة دبي».
نموذج شراكة
من جانبه، قال سوريش كومار رئيس مجموعة «فاليوز جروب» للاستشارات المالية: إن المشروع سيعطي زخماً قوياً لقطاعي العقارات والإنشاء في الدولة، وأن يتم الاستفادة من السيولة الناتجة في تحريك دورة الائتمان والدفع، مشيراً إلى أن القطاع العام سيكون المستفيد الأكبر من المشروع الذي سيولد كذلك استثمارات خارجية ويدعم التدفقات التجارية من خلال تزويد المعدات والمستلزمات وحركة تحويل الأموال. وتوقع المصرفي المخضرم كومار، أن يتم تطوير نموذج للشراكة بين القطاعين العام والخاص للاشتراك في تمويل المشاريع في المدينة، وهو ما يفسح باب الفرص واسعاً أمام شركات الملكية الخاصة وتمويل البنى التحتية للمشاركة. وأضاف أنه ستكون هناك حاجة لتوفير رأس المال التشغيلي بالنسبة للبنوك التجارية الراغبة في الإقراض بعد إنجاز المشروع.
