أكد خبراء ومشاركون في أعمال قمة مجالس الأجندة العالمية التي تستضيفها الإمارات، أن التغيرات الجذرية التي يشهدها العالم العربي اليوم شبيهة إلى حد كبير بما حصل للعالم في أعقاب الحرب الكونية الثانية، لكنها تحدث في المنطقة بدون حرب.
وقال مشاركون في الجلسة الأولى والتي عقدت تحت عنوان «النظرة الجيوسياسية والصدمات المستقبلية»: إن أحداث الربيع العربي، وظهور الصين كقوة اقتصادية كبرى، والتغيرات المناخية وما ينتج عنها من قضايا تتعلق بالأمن الغذائي، قد تكون أبرز التحولات الجيوسياسية التي تواجه العالم، والتي سيترتب عليها تأثيرات كبيرة، ومنها التوترات التي ظهرت في أجزاء كثيرة في العالم، ومنها بحر الصين الجنوبي.
وأضاف المشاركون في القمة التي تختتم اليوم أن صعود الصين كقوة، وتحوط بعض الدول تجاهها سياسياً واقتصادياً، وخاصة اليابان والولايات المتحدة، تشكل محوراً عالمياً للنظرة الجيوسياسية في المستقبل، مشيرين إلى أن قضايا الأمن الغذائي، وعدم توفر السلع وتأثرها بتداعيات التغيير المناخي، فضلاً عن القرصنة وثورة المعلومات، سينتج عنها تأثيرات عدة تتعلق بالعلاقات الدولية، فضلاً عن العلاقات بين الأفراد التي بدأت التكنولوجيا في إعادة تشكيلها.
ومنها الآثار الاقتصادية والاجتماعية المترتبة عليها ومستويات الفقر المتدنية، والبطالة بين فئة الشباب حول العالم، ستشكل واحدة من أبرز المخاطر المستقبلية والتحديات التي تواجه الكثير من دول العالم، هذا إلى جانب الفجوة الكبيرة بين الفقراء والأغنياء، مشيرين أن عدم تطبيق السياسات الاقتصادية ستخلق تداعيات سياسية، لافتين إلى التوترات السياسية والأزمات المالية حول في مناطق عدة في الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا.
وقال رئيس مجموعة أوراسيا للاستشارات والأبحاث السياسية، إيان بريمر، إن تحديد المخاطر والمعالم الجيوسياسية المستقبلية في منطقة آسيا، يجب أن تتمحور حول تقدم الصين وصعودها كقوة اقتصادية، باعتبارها تلعب اليوم دوراً اقتصادياً في المنطقة، في ظل تبدل موازين القوى، وتراجع الدور السياسي للولايات المتحدة في كثير من أجزاء العالم.
تأثيرات لصعود الصين
من جانبه، قال الأستاذ في جامعة فودان الصينية، وو إكسينبو: إن هناك أهمية كبيرة للتوتر الحاصل بين الصين من جهة، وأميركا واليابان من جهة أخرى، إذ القوى الكبرى تولي اليوم أهمية كبيرة للوضع السياسي والاقتصادي في الصين، مشيراً إلى أن السياسة الأميركية خلال العامين الماضيين دخلت في سياق إحلال التوازن مقابل قوة الصين الاقتصادية، وتركت هذه السياسة أصداء في بقية أنحاء العالم، لكننا لا نزال نرى الكثير من التوتر في المنطقة.
وأكد على أهمية أن تبذل جهود ثنائية أو متعددة الأطراف في المنطقة، معرباً عن قلقه بشأن علاقات الصين مع أميركا واليابان، مضيفاً أن الصين ليست خطراً، بل الأمر يتعلق بنظرة الدول الأخرى إلى الصين، التي اندمجت خلال السنوات الماضية مع ظاهرة العولمة.
وأوضح أن الصين التي لم تتدخل في تحديد معالم وسياق النظام العالمي والإقليمي خلال السنوات السابقة، لكنها بدأت تتحول من مجرد نظام اقتصادي إلى نظام متكامل، مشيراً إلى تركيزها خلال الفترة الماضية على حجم النمو، وليس نوعه وجودته.
ولفت إلى أن الصين تعاني من أزمة القرصنة، في ظل ثورة المعلومات، إذ ارتفعت الهجمات الإلكترونية ضدها بنسبة 10 % خلال النصف الأول من العام الجاري، نسبة 20 % منها تأتي من أميركا، مشيراً إلى أن القرصنة الإلكترونية أحد أهم المخاطر في يومنا هذا.
إلى ذلك، قال كيفين رود رئيس الوزراء الأسترالي السابق، إن الكوارث الطبيعة المتزايدة حول العالم تؤدي إلى المزيد من العواقب، مشيراً إلى أن أستراليا معنية بكل ما يجري في المنطقة، وهي تولي اليوم أهمية كبيرة لقضايا التغيير المناخي، هذا إلى جانب المصالح التي تشاركها مع دول أخرى في العالم.
وشدد على أهمية أن تقوم الصين التي تميل إلى الإصلاح وانتهاز الفرص المستقبلية بخطوات للاندماج مع نظام الاقتصاد العالمي، مشيراً إلى أن هناك دولاً تسعى للتحوط تجاه صعود الصين سياسياً واقتصادياً. مضيفاً أن الصين استفادت من النظام العالمي وعززت من قواها، وكانت تراقب ما يحدث.
وبين أن هناك الكثير من الظواهر التي نراها وهي تؤثر في النظام العالمي، مثل انتشار الإرهاب والحروب التي شنت ضد الإرهاب.
وأكد أن ثورة المعلومات لها أثر كبير في رسم معالم النظام الجديد، فإلى جانب قضايا الأمن الغذائي، وعدم توقع وفرة السلع الغذائية، هناك مسألة تتعلق بضخامة البطالة بين فئة الشباب تحديداً، موضحاً أن حالة عدم الاستقرار في القضايا الاستراتيجية المحلة تجعلنا غير قادرين على التكهن بما سيحدث.
تغيرات جذرية في الشرق الأوسط
بدورها، قالت رئيس الجامعة الأميركية في القاهرة الدكتورة ليزا سكوت اندرسون، إن التغيرات الجذرية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط في الوقت الراهن تعد واحدة من أبرز المسائل إلحاحاً، وتحمل الكثير من التحولات الجيوسياسية في المستقبل.
وأضافت أن تطورات كبيرة حدثت في منطقة الشرق الأوسط خلال فترة قصيرة، بدءاً من الحروب إلى الثورة الإيرانية والغزو العراقي للكويت، وحالياً أحداث الربيع العربي، موضحة أن التحديات في منطقة الشرق الأوسط والمخاطر فيها تأتي قبل ظاهرة صعود الصين.
وأضافت أن التاريخ بين الصين واليابان حافل بالكثير من التطورات، وهذه العلاقة قد تنحرف إلى نقطة اللا عودة، هذا إلى جانب المسألة الإيرانية، وعلاقة باكستان بالهند، باعتبارها أبرز المخاطر الجيوسياسية، مشيرة إلى أن أميركا لم تعد تهتم بالعالم كما كان إبان الحرب الباردة. مضيفة أن جميع الأطراف في منطقة بحر الصين تسعى لكي تتفادى الصراعات.
وأكدت أن وجود وظهور مشاكل في تطبيق السياسات الاقتصادية ستؤدي بالتأكيد إلى خلق تداعيات سياسية، مضيفة أن تقدم الصين يعني تراجعاً للكثير من الأنظمة التي كانت سائدة، والتي كان لها دور كبير في رسم المعالم الجيوسياسية.
وأشارت إلى أن قضايا التغيير المناخي توثر بشكل كبير في نفاذ الموارد، إذ إن الدول التي تعتمد عل الأمطار تتأثر أكثر، وهي قضايا تؤثر في المناخ الجيوسياسي، موضحة أن العالم غير مستعد للتعامل مع الكوارث الطبيعية وتداعياتها الكبيرة.
وأضافت أن ارتفاع أسعار السلع الغذائية وقضايا الأمن الغذائي، سيشكل أبرز عوامل الضغط خلال الفترة المقبلة، مشيرة إلى أن التكنولوجيا وسعت من الفجوة بين الكبار والأجيال الجديدة، باعتبارها وسائل تعبر عن العلاقة بينها وبين السلطة.
أزمة أوروبا والآفاق الاقتصادية تتصدران أولويات «الأجندة العالمية»
أظهرت دراسة مسحية للمنتدى الاقتصادي العالمي، تصدر أزمات الديون الأوروبية والآفاق المستقبلية غير المستقرة للاقتصاد العالمي وغياب القيادة والتنسيق العالمي، بالإضافة إلى التفكك الدولي، أولويات مجالس الأجندة العالمية لعام 2012.
وأشارت الدراسة التي أعلنت نتائجها أمس على هامش قمة مجالس الأجندة العالمية في دبي، تغيراً ملحوظاً في ترتيب الاهتمامات لهذا العام، حيث غطت أزمة الديون السيادية المتفاقمة في أوروبا على اهتمامات أعضاء المجالس، لتأتي في المرتبة الأولى لهذا العام، مقارنة بالمرتبة 28 في العام الماضي، وذلك نظراً لانعكاستها وتداعياتها السلبية على الاقتصاد العالمي.
ووفقاً لنتائج الدراسة، فقد حافظت الآفاق المستقبلة المضطربة للاقتصاد العالمي على المرتبة الثانية للعام الثاني على التوالي في قائمة أوليات رؤساء مجالس الأجندة، تلتها الثورة الرقمية والاتصالات التي صعدت من المرتبة الرابعة في العام الماضي إلى المرتبة الثالثة هذا العام.
تحولات القوى
وصعدت مشكلة ندرة المصادر إلى المرتبة الرابعة هذا العام، مقارنة مع المرتبة السابعة في العام الماضي، تلتها في مسألة تحولات القوى العالمية التي حافظت على نفس ترتيبها في سلم الأوليات لعامي 2011 و2012 على التولي، ثم قفزت أزمة غياب القيادة والتنسيق العالميين بقوة لتصعد من المرتبة 24 في العام الماضي إلى المرتبة السادسة هذا العام، تبعتها كذلك قضية تزايد مستويات التفكك العالمي والاستقلالية التي قفزت من المرتبة 20 على سلم الأولويات إلى المرتبة السابعة هذا العام.
وبحسب نتائج الدراسة، تراجع الاهتمام بقضايا الاستقرار المالي والأسواق من المرتبة الخامسة في العام الماضي ليأتي في المرتبة الثامنة، تلاها قضية التغييرات المناخية التي تراجع الاهتمام بها إلى المرتبة التاسعة، مقارنة مع المرتبة الثامنة في العام الماضي، فيما انخفض مستوى الاهتمام بشكل لافت في ما يتعلق بأزمات الدين العام، التي تصدرت أولويات المجالس في العام الماضي، لتأتي هذا العام في المرتبة العاشرة.
الاستجابة السريعة
وقال المنتدى الاقتصادي العالمي إن التحولات الكبيرة في ترتيب أولويات القضايا والتحديات العالمية، يعكس الاستجابة السريعة لأعضاء شبكة مجالس الأجندة العالمية للتحولات المتسارعة على الساحة العالمية، خاصة على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، لافتاً إلى صعود أزمة الديون الأوربية.
وأكدت مارتينا جمور مدير أول شبكة المنتدى الاقتصادي العالمي لمجالس الأجندة أن حجم العينة التي شملها الاستطلاع تصل إلى 900 شخص من مناطق أوروبا وأميركا الشمالية وآسيا، إضافة إلى الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية، حيث مثلت كل منها بـ 5 % من العينة.
وأضافت أن نتائج هذا العام أظهرت تبايناً عن العام الماضي، ففي حين كانت الأولوية في العام الماضي لأزمة الديون العامة، تحولت اليوم إلى أزمة أوروبا، التي باتت تستأثر بالاهتمام العالمي.
جيوش صينية في إفريقيا
قال الأمين العام لاتحاد المغرب العربي، الحبيب بن يحيى: إن وجود الآلاف من الجيوش الصينية في إفريقيا، يعد أمراً مثيراً للاهتمام، وهي جيوش مدنية لا ترتدي اللباس العسكري، وإنما هي عبارة عن شركات ومهندسين ومستثمرين يجوبون القارة السمراء من شرقها، ويستثمرون في البنى التحتية، والمرافق والمطارات، فضلاً عن مشروعات البناء، مضيفاً، أنه كلما ظهر مشروع نعرف مسبقاً الشركات التي ستفوز بهذه العطاءات، وهي بالطبع الصينية.
وبين أن الصينيون اندمجوا مع المجتمع في منطقة إفريقيا وشمالها، فهم يتحدثون اللغات المحلية، كما أنهم لا يجلبون الكثير من العمالة، باعتبارهم يعرفون أننا نعاني من مشاكل البطالة في المنطقة، موضحاً أن الشركات الصينية تنافس الأميركية بقوة في المنطقة.
وأشار إلى أن النظام العالمي يتكيف مع وجود الصين وصعودها، كما أن الأخيرة ستتحرر أكثر فأكثر سياسياً واقتصادياً، مؤكداً أن زيادة عدد السكان قد تجعل من موضوع الأمن الغذائي مشكلة ليست في الصين وحدها، بل في العالم كله، باعتباره واحدة من القضايا التي توثر في الوضع الجيوسياسي، كما أن التحولات القيادية الأخيرة في الصين قد تعجل بوجود الصين كدولة أكثر ليبرالية في السياسة، كما هي في الاقتصاد.
وأضاف بن يحيى: إن هذه التحولات جعلت دولاً مثل أستراليا، مثلاً، توازن بين تحالفاتها السياسية مع الولايات المتحدة، واتجاهها اقتصادياً نحو الصين، وتعزيز علاقاتها معها، مشيراً إلى أن الصين تتحول حالياً من نظام اقتصادي، إلى نظام متكامل، لا يقتصر فقط على الجانب الاقتصادي.
قدر من التفاؤل
أشارت مارتينا جمور إلى أن هذا المسح يكشف جانباً من التفاؤل بين عينة المسح، خصوصاً في ما يتعلق باستمرار الاهتمام بثورة الاتصالات والمعلومات التي تقدمت درجة عن العام الماضي، وباتت تحتل ثالث الاهتمامات، باعتبارها تحمل المزيد من التأثير الإيجابي في الاقتصاد وقضايا الحوكمة والمجتمع.
ويشير الاستطلاع إلى أن أزمة أوروبا تصدرت اهتمام مجالس الأجندة في العالم، تلاها عدم استقرار الاقتصاد العالمي، ثم الثورة الرقمية والاتصالات. وتلا ذلك قضايا مثل نقص الموارد، وتحولات القوى السياسية،

