رجح تقرير حديث عن صندوق النقد الدولي أن يكون انخفاض معدل المخصصات في بنوك الدولة بنسبة 26.6% هو مؤشر على خفض البنوك احتياطاتها من مخصصات القروض المتعثرة بسبب عودة شهيتها إلى الإقراض وذلك بفضل تمتعها بنسبة عالية من السيولة وكفاية رأس المال ما يعكس بالتالي تعافي القطاع المصرفي في الدولة.
وأضاف التقرير السنوي الذي اطلق على هامش اجتماع وزراء مالية دول مجلس التعاون الخليجي في اليابان اول الشهر الجاري الذي ضم وزراء المالية ومحافظي مؤسسات النقد والبنوك المركزية بدول مجلس التعاون الخليجي أن القطاع المصرفي في دول الخليج أصبح أكثر متانة خلال العامين الماضيين ما يجعله في وضع أقوى لمواجهة والصمود في وجه الضغوطات المالية الخارجية.
حيث ارتفع معدل كفاية رأس المال في البنوك بالنسبة لمعظم دول الخليج منذ 2009 وهي حالياً أعلى من المستويات التي أوصت بها الهيئات الدولية (بازل) كما أن حجم الديون المتعثرة انخفض أو بقى ثابتاً منذ 2009.
وجاء في التقرير أن نسبة عوائد صادرات النفط من إجمالي صادرات الدولة لم تتجاوز العام الماضي 36% في نسبة تعكس درجة أكبر من التنوع الاقتصادي وقوة قطاعي المال والسياحة في الدولة.
وقال التقرير أن تفاقم أزمة الديون السيادية الأوروبية قد يمتد إلى دول الخليج من خلال روابطها التجارية والمالية مع القارة العجوز وتحديداً عبر قناتين: أولهما احتمال استمرار التباطؤ في النمو العالمي وبالتالي انخفاض الطلب على النفط وتراجع عوائده بالنسبة للدول المصدرة في المنطقة بالنتيجة وثانيهما ازدياد صعوبة حصول دول الخليج على تمويل من الدول الأوروبية بسبب الأزمة.
وأوضح التقرير أن اعتماد دول المنطقة الكبير على عوائد النفط قد يؤثر عليها سلباً في حال حدوث انخفاض حاد في أسعار النفط والطلب العالمي على الطاقة. ومن جهة ثانية فإن سعي البنوك الأوروبية لتدعيم رؤوس أموالها قد يؤدي كذلك إلى انخفاض حاد في التمويل ونقص في السيولة.
وذكر التقرير أن دورة تعافي الاقتصاد العالمي بعد الأزمة المالية واجهت نكسات جديدة مثل أزمة اليورو التي اشتد تـأثيرها خلال النصف الأول من 2012 وتباطأ بسببها نمو الاقتصاد العالمي وانعكست سلباً على أسواق المال وأدت إلى تقييد السياسات المالية في العديد من الدول. ومن المتوقع أن يبقى النشاط الاقتصادي فاتراً ومشوباً بالمطبات علاوة على عدم تمكن الولايات المتحدة من تجنب "الجرف المالي" والذي يعني تزايد في مستوى المخاطر.

وأضاف التقرير أن العديد من دول الشرق الأوسط لا زالت تشهد مرحلة تحول صعبة على خلفية التغييرات السياسية في مصر وليبيا وتونس واليمن التي رافقها عدم استقرار اجتماعي بدرجات مختلفة مع اشتداد حدة الصراع في سورية. وبالتالي فإن توقعات النمو في تلك الدول على المدى القصير تبقى ضئيلة مع دعم البنك الدولي لاحتياجاتها المالية مع بقاء حاجتها للتمويل كبيرة.
في المقابل أفاد التقرير أن دول مجلس التعاون الخليجي تنعم بمستويات قوية من النمو الاقتصادي على خلفية ارتفاع أسعار النفط وزيادة انتاجه وتبني سياسات مالية توسعية وانخفاض معدلات الفائدة، مشيراً إلى أن الفوائض تبقى ضخمة في تلك الدول والتضخم معتدل وتوقعات النمو إيجابية في الوقت الذي تستمر فيه تلك الدول في الاعتماد على عوائد النفط التي يستهلك معظمها الانفاق الحكومي ما يعتبر نقطة ضعف في اقتصاداتها بشكل عام.
وأضاف التقرير أن انكشاف دول مجلس التعاون على الأزمة الأوروبية يبقى محدوداً ولكنه قد يؤدي إلى تراجع الطلب على النفط وانخفاض أسعاره، مشيراً إلى أن حدوث تدهور سريع في الاقتصاد العالمي قد يؤدي إلى تطورات شبيهة بالتي عاشتها المنطقة في 2009، وتشمل انخفاض في أسعار النفط وانقطاعات في تدفق رؤوس الأموال. وعلى الرغم من أن دول الخليج تتمتع ببطانة كافية من الفوائض لامتصاص صدمة قوية في حال حدوثها، إلا أنه يبقى القول أن استمرار انخفاض أسعار النفط لفترة مطولة سيعرض تلك البطانة للامتحان.
وأضاف التقرير إلى أن حاجة دول الخليج إلى "سياسات تحفيز" على المدى القصير، حيث أن معظم تلك الدول قادرة على التخطيط للتخفيف من معدل نمو الانفاق الحكومي في المرحلة القادمة وهو ما يساهم في منع أي وتيرة زائدة عن اللزوم للنشاط الاقتصادي ويحسن الموقف المالي لتلك الدول على المدى البعيد. وأضاف التقرير أنه ومه انخفاض مستويات التضخم تبقى السياسات المالية لدول المنطقة التي يعبر عنها ربط العملات بالدولار مناسبة وداعمة لاستمرار التعافي.
وأضاف التقرير أنه ومع استمرار القلق حول توقعات النمو العالمي، يبقى مهماً التركيز على تدعيم نقاط الضعف بجانب التركيز بشكل أكبر على تدعيم أسس النمو والتنويع على المدى الطويل، ويشمل ذلك 1) خفض المخاطر المالية وتحسين التوقعات المالية من خلال احتواء زيادة الانفاق على استحقاقات قد يكون صعباً الاحتفاظ بها والاستعاضة عن ذلك برفع أولوية الاستثمار الداعم للنمو في البنى التحتية 2) تعزيز الأطر والمؤسسات المالية 3) تدعيم القطاع المالي من خلال الاستمرار في تعزيز هيئات الإشراف و أطر سياسات التحوط الشامل بالإضافة إلى تعميق أسواق الدين المحلية 4) دفع خلق الوظائف للمواطنين في القطاع الخاص.
وذكر التقرير أن فجوة الأداء الاقتصادي بين الدول المصدرة للنفط من جهة والدول المستوردة له في الشرق الأوسط اتسعت مع استمرار الارتفاع في أسعار النفط إلى مستويات قياسية مع استمرار عدم الاستقرار الداخلي في عدد من دول المنطقة وارتفاع مخاطر السلع التي بدأت بوادرها تلوح في الأفق.
وأشار التقرير إلى أن نمو الاقتصاد الحقيقي في الشرق الأوسط انخفض من 5% في 2010 إلى 3.3% في 2011 مع توقع ارتفاع نسبته إلى 5.3% في 2012، مشيراً إلى أن انهيار انتاج النفط في ليبيا في 2011 وارتداده في 2012 كان هو المحرك الرئيسي للقسم الأكبر من وتيرة النمو الاقتصادي في المنطقة.
وأضاف أن توقعات نمو اقتصادات الدول الصدرة للنفط في المنطقة استفادت إلى حد كبير من تبني حكومات تلك الدول لسياسات نقدية ومالية متكيفة وبذلك من المتوقع أن يصل معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي لتلك الدول مجتمعة إلى 6.6% في 2012 بالمقارنة مع 3.9% في 2011.
كما أن تلك السياسات علاوة على مستويات الانفاق الحكومي سترفع من نمو الاقتصاد غير النفطي بنسبة 4.8% في 2012. ومن المتوقع أن تشهد معظم تلك الدول نمو متسارع في مشاريع البنى التحتية وقطاعات الاستهلاك فيها.
استمرار المخاوف

وأشار التقرير إلى أنه وعلى الرغم من النظرة الإيجابية لاقتصادات دول الخليج يبقى هناك مخاوف تلوح في الأفق منها توزع أسعار خيارات النفط بشكل أكبر جغرافياً خلال الشهور الماضية ما يعكس ازدياد المخاطر الجيوسياسية واحتمال انقطاعات العرض أكثر مما يعكس تباطؤ في الطلب على النفط.
ومن المحتمل أن يؤدي استمرار الأزمة في أوروبا إلى تصعيد ذلك في دول الخليج من عدة قنوات. كما أن تطور تقنيات استخراج النفط من الحجر الزيتي وغيره من المصادر غير التقليدية على المدى البعيد قد يؤدي إلى انخفاض أسعار النفط والغاز كما حدث بالنسبة للغاز الطبيعي في أسواق الولايات المتحدة.
مؤشرات متانة القطاع المالي
وقال التقرير أن القطاع المصرفي في دول الخليج أصبح أكثر متانة خلال العامين الماضيين أي بعد الأزمة ما يجعله في وضع أقوى لمواجهة والصمود في وجه الضغوطات المالية الخارجية. حيث ارتفع معدل كفاية رأس المال في البنوك بالنسبة لمعظم دول الخليج منذ 2009 وهي حالياً أعلى من المستويات التي أوصت بها الهيئات الدولية (بازل).
كما أن حجم الديون المتعثرة انخفض أو بقى ثابتاً منذ 2009 باستثناء الإمارات حيث تركز القروض في قطاع العقارات الذي عانى يبقى مرتفعاً. وأضاف التقرير أن من المؤشرات الإيجابية كذلك بقاء نسبة مخصصات القروض المتعثرة مرتفعة نسبياً، كما أنها في بنوك المملكة العربية السعودية وعمان فاقت حجم القروض المتعثرة، هذا باستثناء الإمارات والكويت حيث انخفضت نسبة تلك المخصصات ما يعكس ارتفاع حجم القروض المتعثرة في الدولة وحذفها أو خفضها في حالات معينة في حالة بنوك الكويت.
مؤشرات صحة قطاع المال في دول مجلس التعاون
2009 2011 2009 2011 2009 2011
السعودية 16.5 17.3 3.3 2.3 89.8 132.8
الإمارات 19.9 21.2 4.3 6.2 94.4 67.8
قطر 16.1 20.6 1.7 1.7 84.5 86.3
الكويت 16.7 18.5 11.5 7.3 38.3 33.9
عُمان 15.5 15.9 2.7 2.4 104.0 120.6
البحرين 19.6 20.3 4.3 4.5 63.9 65.9
المصدر: بيانات حكومية
مخاطر امتداد الأزمة الأوروبية وتباطؤ النمو العالمي
قال التقرير أن تفاقم أزمة الديون السيادية الأوروبية قد يمتد إلى دول الخليج من خلال روابطها التجارية والمالية مع القارة العجوز وتحديداً عبر قناتين: أولهما احتمال استمرار التباطؤ في النمو العالمي وبالتالي انخفاض الطلب على النفط وتراجع عوائده بالنسبة للدول المصدرة في المنطقة بالنتيجة وثانيهما ازدياد صعوبة حصول دول الخليج على تمويل من الدول الأوروبية بسبب الأزمة.
وأوضح التقرير أن اعتماد دول المنطقة الكبير على عوائد النفط قد يؤثر عليها سلباً في حال حدوث انخفاض حاد في أسعار النفط والطلب العالمي على الطاقة. ومن جهة ثانية فإن سعي البنوك الأوروبية لتدعيم رؤوس أموالها قد يؤدي كذلك إلى انخفاض حاد في التمويل ونقص في السيولة.
ولكن حتى في حال حدوث تلك السيناريوهات فإن مستويات السيولة المحلية الكبيرة والفوائض في عائدات النفط من شأنها أن تحييد تأثير شح السيولة، كما يمكن لمصادر أخرى محلية وأجنبية - سد تلك الفجوة. كما أن تفاقم الأزمة الأوروبية قد يؤدي كذلك إلى التأثير سلباً على نوعية الأصول الأجنبية في قطاعات البنوك وغيرها في دول المنطقة ما يخفض من حجم القيمة الصافية لكل من القطاع الخاص والتقييم السيادي.
الروابط المالية مع اوروبا
قال التقرير إن ارتباط دول مجلس التعاون الخليجي تختلف من دولة إلى أخرى من حيث الحجم والقطاع المستهدف. حيث وصل حجم ديون دول الخليج من البنوك الأوروبية إلى 328 مليار دولار أمريكي خلال الربع الأول من 2012، في حين وصل حجم التمويل الذي قدمته دول الخليج إلى البنوك العالمية إلى 462 مليار دولار. وأضاف التقرير أن تلك الأرقام تختلف من دولة إلى أخرى.
حيث كانت ديون الإمارات للبنوك الأوروبية هي الأكبر بنسبة 40% في حين كانت المملكة العربية السعودية أكبر دائن للبنوك الأجنبية بنسبة وصلت إلى 47% من إجمالي الديون الأوروبية. وكانت البحرين مع النظر لمكانتها كمركز مالي ونظراً لحجم اقتصادها أكثر الدول انكشافاً على البنوك الأوروبية بنسبة تجاوز 100% من ناتجها المحلي الإجمالي، 90% منها موجهة إلى القطاع المصرفي ما يعكس قوة صناعة البنوك الخارجية في المملكة.
في المقابل وصلت نسبة ديون الإمارات للبنوك الأجنبية إلى 40% وقطر إلى 30% من الناتج المحلي الإجمالي مع توجهه أكثر من نصف تلك الديون إلى قطاعات غير بنكية في كل من الدولتين. وكانت الكويت والمملكة العربية السعودية الأقل اعتماداً على التمويل الأجنبي ولكنهم انكشافهم على البنوك الأجنبية كان كبيراً.
