ركز المشاركون في "قمة شركات النفط الوطنية والحكومات" على رسم خريطة لتنظيم مشاركة النفط، بشقيها الوطني والعالمي، في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات والدول المضيفة، من خلال بحث الاستراتيجيات اللازمة للدفع نحو خلق فرص عمل، وتنمية المهارات، وبناء القدرات والمحتوى المحلي، ونقل الابتكار والتكنولوجيا، ودور الصناعة في تشجيع النمو والتطور الاقتصادي للدول الغنية بهذه الموارد.
وتمحورت النقاشات حول دور صناعة النفط في تعزيز موارد النمو الاقتصادي في الدول المالكة للنفط، فضلاً عن البحث عن أفضل الاستراتيجيات المبتكرة في مجال خلق فرص العمل وتنمية المهارات في قطاع النفط.
وشارك في المؤتمر الذي انطلقت فعالياته أمس قادة صناعة النفط والغاز، والمسؤولون الحكوميون، والجهات التنظيمية لبحث الاستراتيجيات اللازمة للدفع نحو خلق فرص عمل، وتنمية المهارات، وبناء القدرات والمحتوى المحلي، ونقل الابتكار والتكنولوجيا، ودور الصناعة في تشجيع النمو والتطور الاقتصادي للدول الغنية بهذه الموارد.
الرخاء الاقتصادي
وألقى بدر جعفر، رئيس التطوير في شركة نفط الهلال، شركة القطاع الخاص المتخصصة في قطاع النفط والغاز في الإمارات منذ 40 عاماً، كلمة له في قمة شركات النفط الوطنية والحكومات، التي تعقد في دبي.
وجاء في كلمة جعفر التي حملت عنوان «دور القطاع الخاص والغاز الطبيعي في خلق التحول في اقتصاد منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا» بأنه قد تم إغفال العمل على تحقيق الرفاه الاقتصادي الشامل في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا عند بحث مسائل الطاقة، حيث كان ينبغي اعتبار الرخاء الاقتصادي أمرا وثيق الثقة بقطاع الطاقة، مؤكدا بأن وجود اقتصاد قائم على أسس صلبة ومتنوعة، ودور صحي للقطاع الخاص في تشجيع المنافسة والسعي إلى بلوغ أفضل الممارسات، هو السبيل الوحيد لضمان قدرة دول المنطقة على تقديم إمدادات الطاقة الوافرة والمستقرة، لنفسها في المقام الأول، قبل التركيز بعد ذلك على أسواق التصدير العالمية.
وأكد جعفر بأن العمل على وضع سياسات الطاقة في إطارها الصحيح يمثل أيضا جزءا لا يتجزأ من العمل على ضمان اقتصاد قوي، وذلك نظرا للدور الهام الذي يلعبه قطاع الطاقة في أي اقتصاد، ولاسيما في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا، التي تزخر بثروات طبيعية هائلة. وقال: «إنها حلقة متكاملة فيما لو تم انتهاج السياسة المثلى».
صانعو السياسات
وأوضح جعفر بأنه ينبغي على صانعي السياسات في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا اتخاذ خطوتين مركزيتين تتمثلان؛ أولاً في السماح بدور وحرية تحرك أكبر للقطاع الخاص للمنافسة في قطاع الطاقة. وثانياً: التحول في سياسة الطاقة نحو السماح للغاز الطبيعي في لعب دور رئيسي في اقتصاد منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا، وذلك بمعالجة قضايا الدعم وسوء الاستخدام التي تحول دون الاستفادة الاقتصادية المثلى من الغاز، بما يشجع تطوير البنى التحتية لقطاع الغاز لزيادة التكامل الاقليمي.
وقال جعفر إن الفترة من العام 2004 وحتى 2011 قد شهدت نموا في الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا، بلغت نسبته نحو 160%، حيث لعبت الحكومات وقطاع النفط دوراً محورياً في الدفع بعجلة النمو الاقتصادي خلال تلك الفترة، منوها بأن العامل الأهم وراء هذا النمو تمثل بصعود متوسط أسعار النفط من نحو 30 دولارا إلى 100 دولار للبرميل الواحد، دون أن يكون هذا النمو بالضرورة نتيجة لنمو اقتصادي واسع النطاق. وقال: «تحتاج المنطقة إلى تنويع قطاع الطاقة للاستفادة من هذه الطفرة الاقتصادية وضمان تحقيق المزيد من النمو استناداً إلى أرضية أكثر صلابة».
وقدم جعفر العديد من المقترحات في كلمته الموسعة، حيث قال: «في حالة الحاجة إلى التحول مما نقوم به دائما من ضخ النفط لدعم الاقتصاد عبر الصادرات إلى شيء جديد، بهدف خلق مزيج أكثر تنوعا من الطاقة للاستخدامات المحلية المتنوعة وللتصدير، فمن الضروري الاستفادة من سرعة تكيف القطاع الخاص».
وسلط جعفر الضوء على دراسات لثلاث حالات تستحق التوقف لاستخلاص العبر، أولها ثورة الصخر الزيتي القائمة حالياً في أميركا الشمالية، والتي بدأت بمبادرة الشركات الخاصة في تطوير تقنيات جديدة للوصول إلى الغاز الطبيعي الكامن في الصخر الزيتي، وقد أدى هذا النجاح الأولي إلى خلق ضغوط في السوق للسعي إلى إنتاج السوائل الزيتية، مما دفع بأسعار الغاز الطبيعي وسوائله في أميركا الشمالية للهبوط إلى أدنى مستوياتها في العالم.
أما المثال الثاني فكان حول تجربة "قطر للبترول" في العمل مع شركات النفط الغربية الكبرى ومختلف المشترين للغاز الطبيعي المسال حول العالم، بما اتاح للبلاد النمو لتصبح أكبر مورِّد للغاز الطبيعي المسال في العالم في أقل من عقد من الزمن، حيث تستحوذ على ما يزيد على ربع كميات الغاز الطبيعي المسال في العالم.
وتمكنت قطر من الإمساك بزمام التحكم بهذه المشاريع، وضمان حصة الأسد من قيمتها الاقتصادية بما يصون مصالح الشعب القطري عامة، ويحفز في الوقت ذاته القطاع الخاص على الالتزام بتقديم العديد من المشاريع الكبرى بالسرعة والكفاءة اللازمتين.
نموذج قابل للاحتذاء
وأورد جعفر في مثاله الأخير نموذج إقليم كردستان العراق، حيث تنشط شركة نفط الهلال بفعالية في تطوير موارد الغاز الوفيرة التي تزخر بها هذه المنطقة، حيث قررت الشركة التركيز في المقام الأول على ضمان تلبية الحاجات المحلية من الغاز، وتطويرها، والمساعدة في إنشاء شبكة أنابيب تربط الحقول التي نعمل بها مع محطات توليد الطاقة الكهربائية التي تدار بوقود الغاز، لأجل توفير إمدادات مستقرة من الطاقة الكهربائية زهيدة التكلفة لهذه المنطقة، التي كانت بأمس الحاجة إلى الكهرباء.
وبادرت نفط الهلال في سبيل تحقيق هذا الإنجاز إلى استثمار ما يقارب من مليار دولار، لتتمكن من توفير الكهرباء لما يزيد على 4 ملايين مواطن عراقي، وخلق آلاف فرص العمل، وتوفير ما يزيد على 2 مليار دولار لصالح خزينة الحكومة العراقية التي تخصص الموازنات لدعم الكهرباء.
وأضاف جعفر: «يمكن عند وضع جهود القطاع الخاص في الإطار الصحيح التوصل إلى أفضل الشروط للمساعدة في إنجاز مشاريع ذات نفع كبير للصالح العام».
وتحتاج منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا إلى ضمان حقبة جديدة من النمو الاقتصادي المستقر والمتوازن خلال المرحلة المقبلة، وذلك بتشجيع القطاع الخاص القوي والمؤهل، مع إجراء إصلاحات في سوق الطاقة لضمان الوصول إلى منافسة فعالة بين كافة القطاعات الاقتصادية، حيث يمكن للقطاع الخاص في حالة تقديم الحافز المناسب له في سوق متحررة، أن يقدم الابتكار، مع البقاء على انسجام تام مع مصالح البلاد، وتنفيذ المزيد من المشاريع الخاصة التي تخدم المصلحة العامة.
وأضاف: «في هذه السوق الحرة والمرتبطة إقليميا، من المرجح أن يصبح الغاز الطبيعي الوقود المفضل نظرا لتميزه من حيث السعر، والنظافة، والتوافر مقارنة مع غيره من أنواع الوقود المنافسة الأخرى».
التحول السريع
وتناولت جلسة الحوار الثالثة برنامج أرامكو السعودية للتحول السريع، حيث ترأس الجلسة ويلي اولسن كبير الاستشاريين، أنتسوك وتحدّث فيها عبد الله بن إبراهيم السعدان، نائب رئيس التخطيط المؤسسي، أرامكو السعودية، حول البرنامج وفكرته ومدى تأثيره على الشركة والاقتصاد السعودي بشكل عام.
وتمحورت جلسة الحوار الرابعة حول الشراكات والمشاريع المشتركة ومدى فعاليتها وتأثيرها، وذلك من خلال مراجعة تطور العلاقات بين شركات النفط العالمية، شركات النفط الوطنية وشركات الخدمات وتقييم كيفية تطوير وإدارة علاقات فعالة مع شركات النفط العالمية وشركات الخدمات لتعزيز نقل المعرفة وتحقيق النمو المستدام وإيجاد التوازن الصحيح لتلبية أهداف سلسلة التوريد.
التنمية المستدامة والنفع المتبادل
دعا جان لوك جوزيو، رئيس شركة توتال في الإمارات شركات النفط العالمية إلى المساهمة في تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة لدى الدول المضيفة، من خلال إرساء علاقات تحقق النفع المتبادل بين الجانبين وتعزز الفهم والثقة المتبادلين ومواكبة تطلعات المجتمعات المحلية والدول المضيفة وتقاسم الخبرات الفنية المكتسبة ومهارات التسويق والإدارة.
وتحدث عن منظور شركة توتال في ما يتعلق بدور صناعة النفط في التنمية المحلية والإقليمية، مؤكدا على أن الشركة تحرص على مواكبة تطلعات شركات النفط الوطنية، فضلا عن أنها تحرص على خدمة البيئة المحلية التي تعمل فيها من خلال توفير فرص عمالة وتقديم المنح الدراسية للطلبة، والتي زاد عددها من 50 منحة في العام 2008 إلى 135 منحة في العام 2012، إلى جانب المشاركة الفعالة في تطوير البرامج التعليمية لدى الدول التي تعمل فيها.
كما هو الحال في برنامج يحمل اسم «برنامج التعليم العالي الجودة»، الذي تم تدشينه من قبل مؤسسة قطر، واستعرض رئيس شركة توتال أوجه النشاطات الاجتماعية التي تقوم بها الشركة، مشيرا إلى أن الشركة تعمل على رفع الكفاءات والمهارات من خلال برنامجها الخاص بتطوير التعليم المهني، فضلا عن تشجيع النشاط الابتكاري للمدارس.
وتابع رئيس شركة توتال استعراضه لمساهمات الشركة في دعم التنمية الاقتصادية لدى الدول التي تعمل في إطارها، مشيرا في هذا الصدد إلى أن الشركة تقوم بدعم الشركات الخدمية المحلية، كما تدعم أنشطة البحوث والتطوير لدى الدول المضيفة، إلى جانب تقديم الدعم للشركات الصغيرة والمتوسطة، ودلل على ذلك بعلاقات الشراكة القائمة بين الشركة والمعهد البترولي في أبوظبي، وتزايد أعداد المديرين المواطنين لدى الشركة.
وأكد رئيس توتال على أن قبول المجتمعات المحلية لأنشطة شركات النفط العالمية يشكل مفتاح النجاح الرئيسي في عملها، مشيرا إلى أن لدى شركة توتال تجربة ثرية في هذا المجال في اليمن، من ناحية القيام بتزويد الغاز الطبيعي لمحطة توليد كهرباء بطاقة 25 ميغاوات، وتقديم المساعدة للمجتمعات المحلية لمواجهة الفيضانات المتعددة التي شهدتها اليمن في العام 2008، إلى جانب تقديم المنح الدراسية والمساهمة في تحديث شبكات الري.
«التعامل مع التحديات الصعبة للطاقة في العالم»
قدم فرانك كيمنتز، نائب الرئيس والمدير العام، شركة "إكسون موبيل للمشاريع ـ أبستريم" ورقة عمل بعنوان «التعامل مع التحديات الصعبة للطاقة في العالم» تنبأ فيها باستمرار شغل القطاع الهيدروكربوني صدارة مصادر الطاقة، والذي سوف يستحوذ على قرابة 60% من إجمالي إمدادات الطاقة حتى العام 2040، فيما تسهم مصادر الطاقة الأخرى، كالفحم والطاقة النووية والمتجددة بالنسبة المتبقية.
وأكد فرانك كيمنيتز على أهمية تعظيم القيمة المضافة للقطاع الهيدروكربوني، وذلك بأن تأخذ هذه القيمة في حسبانها العائدات الحكومية وتوظيف العمالة والدعم المجتمعي، وتوفر عناصر الأمن والسلامة، مشيراً إلى أن تعظيم القيمة المضافة يتحقق من خلال التحديد الواضح للأهداف وتقييم إمكانيات وقدرات الشركاء المحتملين وتحديد المحركات المحفزة علي زيادة القيمة المضافة الكلية.
وخلص فرانك كيمينتز إلى القول ان صناعة النفط تشهد تغييرات انتقالية، حيث مازالت تزخر الكثير من الدول بإمكانيات غير مستغلة بعد، ومن شأن اعتبارات التكنولوجيا والحوافز أن تزيد إمكانية الوصول إلى الموارد غير المستغلة.
المتحدثون
تشمل قائمة المتحدثين المشاركين في "قمة شركات النفط الوطنية والحكومات" كلا من: الدكتور عثمان سلمان جهلان، مدير عام القسم القانوني، مجلس وزراء العراق، علي الصالحي، رئيس تطوير النفط والاقتصاد، مجلس كركوك الحكومي، محافظة كركوك، سامي فهد الرشيد، رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة نفط الكويت، هاشم الرفاعي، رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة نفط الكويت الخليج، الدكتور ألدو فلوريس ـ كيروغا، الأمين العام لمنتدى الطاقة الدولي، مانويل فيريرا دي أوليفيرا، رئيس شركة جالب انيرجيا، هون ايمانويل كوفي بوها، نائب وزير الطاقة، وزارة الطاقة في غانا، المهندس أرنست نوابه، الأمين والرئيس التنفيذي، لجنة تطوير المحتوى والمراقبة النيجيرية، مارك كارني، نائب الرئيس التنفيذي لمنطقة المينا، شركة شل أبستريم الدولية، فرانك كيمنتز، نائب الرئيس والمدير العام ، شركة إكسون موبيل للمشاريع للتنقيب والإنتاج (الشرق الأوسط) المحدودة، لوك جوزيو، رئيس شركة توتال في الإمارات.

