اتفق مصرفيون وخبراء الاستثمار أن إصدارات سندات وصكوك الشركات المرتبطة بإمارة دبي سوف تتزايد جاذبيتها خلال الربع الأخير من العام الجاري ، بعدما سجلت أداء قويا خلال نصفه الأول بشكل فاق أداء إصدارات دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بما في ذلك دول مجلس التعاون الخليجي، وذلك رغم الظروف المعاكسة التي تسود أسواق السندات العالمية بسبب أزمة الديون الأوروبية وهشاشة نمو الاقتصاد العالمي .
ورأى الخبراء أن هذا الأداء القوي والمتماسك لإصدارات صكوك وسندات دبي انعكس في التراجع المتواصل لهوامش مقايضة المخاطر الائتمانية ( تكلفة التأمين ) ، وانجذاب قاعدة المستثمرين نحو الإصدارات الجديدة للشركات المرتبطة بدبي، ولكن بعض الخبراء قدروا بأن حجم إصدارات أدوات الدين لم يكن بالمستوى المتوقع ، وعزوا أسباب ذلك إلى هيمنة مشاعر الحذر في الإنفاق والتوسع نتيجة لأزمة الديون الأوروبية والاضطرابات السياسية الإقليمية ، ودعا البعض منهم إلى تأسيس سوق دين بالعملة المحلية وتطوير الأسواق المحلية للصكوك والسندات لكي توفر وعاء تمويليا للشركات الصغيرة والمتوسطة وتطور قاعدة المستثمرين المحليين .
وفي البداية، سلط محي الدين قرنفل مدير الاستثمار في الصكوك العالمية وأدوات الدخل الثابت - الشرق الأوسط وشمال إفريقيا فرانكلين تمبلتون للاستثمار - الشرق الأوسط الضوء على قوة أداء إصدارات دبي من الصكوك والسندات بقوله: تقلص هامش مقايضة المخاطر الائتمانية لخمس سنوات من 450 إلى 325 نقطة أساس، وتراجع هامش مقايضة المخاطر الائتمانية لعشر سنوات من 500 إلى 350 نقطة أساس، وتفوق أداء إصدارات دبي من الصكوك والسندات على بقية دول مجلس التعاون الخليجي والشرق الأوسط بشكل عام وهو ما يعكس تحسن ثقة المستثمرين حيال دبي وتراجع مخاطر إعادة التمويل بالنسبة للإمارة.
أداء قوي في الربع الأخير
وبسؤاله عن توقعاته لأداء سندات وصكوك دبي خلال الربع الأخير من العام الجاري ، أجاب محي الدين قرنفل بقوله: نحن نتبنى نظرة بناءة وإيجابية تجاه أسواق الدين الخليجية بشكل عام ودبي بشكل خاص، فهي مدعومة بخلفية اقتصاد كلي قوية، وتحسن مصفوفة الائتمان لدى العديد من المصدرين، ووفرة السيولة في المؤسسات المالية، والمتوقع خلال النصف الثاني من العام الحالي أن تتميز هذه الإصدارات بأداء إيجابي من ناحية الأسعار .
وقد توقع تقرير صادر مؤخرا عن شركة أبوظبي للاستثمار أن تشهد أسواق الائتمان في الشرق الأوسط خلال الأسابيع المقبلة استمرار تقلص هوامش العوائد، وذلك في ظل استمرار تمسك المستثمرين بالسندات كخط دفاع ، وذلك رغم هيمنة الحذر والحيطة على الأسواق العالمية، مشيرا إلى أن اهتمام الأسواق على الإصدارات الجديدة التي حازت على اهتمام كبير من جانب المستثمرين.
أزمة الديون الأوروبية
وجاء هذا الأداء القوي لإصدارات إمارة دبي من الصكوك والسندات ، في ظل أزمة الديون الأوروبية التي ألقت بظلالها القاتمة على أسواق السندات والصكوك والعالمية .
وتناول مايكل جريفتي، رئيس جمعية الخليج للصكوك والسندات أوجه المفارقة بين الأداء القوي لإصدارات دبي وهشاشة أسواق الصكوك والسندات العالمية بقوله : قادت أزمة الديون الأوروبية إلى خلق إحساس متواصل بعدم اليقين لدى كافة المصدرين، ومع ذلك، تمكن مصدرو الصكوك والسندات في الإمارات والخليج من التأقلم مع مثل هذه الأوضاع من خلال النفاذ إلى مكامن الطلب، كما أن عروض الإصدارات الإقليمية باتت مهمة وبشكل متزايد، وأبلى كذلك مصدرو أدوات الدين الإقليميون بلاء جيدا في زيادة وعي قاعدة المستثمرين بشأن إصداراتهم، وبالفعل، صار المستثمرون على معرفة بالمنطقة أكثر من أي وقت مضي.
وفي السياق ذاته ، قدر جامباتيستا أتزيني -مدير ائتمان الشركات لدى "بي إن واي ملن" أن كلا من أزمة الديون الأوروبية المتواصلة حتى الآن ،وتدخل المصرف المركزي الأوروبي في أسعار الفائدة ينطويان على تأثيرات مباشرة على إصدارات الصكوك والسندات في منطقة الخليج، ولهذا التأثير جوانب سلبية وإيجابية، فمن جانب، ونظرا لكون أوروبا تعد شريكا تجاريا مهما للدول الخليجية، فإن تداعيات ما تتعرض له من متاعب ومصاعب مالية قد تنتقل إلى كافة الدول المصدرة للنفط، وهو ما يؤدي بشكل عام إلى زيادة حدة التقلبات في الأسواق المالية .
واستدرك بقوله: نحن نلاحظ أن المستثمرين ينظرون وبشكل متزايد إلى الأسواق الصاعدة من أجل تحقيق عوائد أكبر، حيث أدى استمرار الأزمة الأوروبية وتراجع النمو وتقلص أسعار الفائدة إلى ما يقرب من مستوى الصفر إلى تفضيل المستثمرين للأسواق الصاعدة، ويعرض المصدرون للسندات والصكوك في الخليج عوائد أعلى وإصدارات متنوعة، بل إن التصنيف الائتماني لجهات الإصدار الخليجية يكون في بعض الأحيان أفضل من مثيلاتها في الأسواق المتطورة.
وفي رأي محي الدين قرنفل أن أزمة الديون السيادية الأوروبية لم تؤد إلى تقليص جاذبية إصدارات أدوات الدين بالنسبة للإمارات والخليج بشكل عام، بل على العكس، فهي سلطت الضوء على مكامن القوة النسبية والقيمة المتاحة للديون السيادية الإقليمية، فضلا عن الشركات والمصارف التي تواصل الوقوف وراءها ودعمها.
وأضاف بقوله: إن السؤال المطروح هو ما إذا كانت مشاكل الديون السيادية الأوروبية سوف تتصاعد لتفجر أزمة مالية أخرى، وربما يتم الشعور بالتأثير القادم عبر القنوات المالية، ولكن مصارف المنطقة تتمتع بوضع أفضل، كما أن الاحتياطيات المتراكمة من قبل المصارف المركزية والصناديق السيادية تتيح لصانعي السياسيات حجم ضخم من الموارد التي تعينهم على توفير الحماية للنظام المالي.
نمو حجم الإصدارات
وفي ظل هذا الوضع ، تشير التوقعات إلى أن إصدارات المصدرين للصكوك والسندات في دبي سوف يتزايد حجمها ، وإن كان حجم هذه الإصدارات لم يكن في مستوى التوقعات .
وتحدث جامباتيستا أتزيني عن تقييمه لشهية شركات دبي للاستفادة من سوق الصكوك والسندات في رفع رؤوس أموالها بقوله : بدأت بالفعل شركات ضخمة ذائعة الصيت في دبي في الاستفادة من سوق الصكوك والسندات، وهناك بالتأكيد حيز للمزيد من النمو في إصدارات الصكوك والسندات، خاصة فيما يتعلق بشركات الأعمال العائلية والخاصة، ولكن ما تحتاجه، هو اعتماد أفضل الممارسات في مجال حوكمة الشركات .
واستدرك في حديثه بقوله : تمثل المشروعات الصغيرة والمتوسطة مجالا آخر داعما لنمو إصدارات الصكوك والسندات، ولكن نفاذ هذه المشروعات إلى أسواق الدين الدولية وأسواق الصكوك ينطوي على تحديات، وذلك بسبب انجذاب قاعدة المستثمرين الدوليين إلى الصفقات ذات الحجم المعياري، في حين أن اصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة ليسوا بشكل عام في موقع يتيح لهم القيام بطرح إصدارات كبيرة الحجم، وبالتالي، فإن الخيار المتاح لهم هو الإقراض المصرفي، وتكمن المشكلة في الوقت الراهن في تراجع رغبة البنوك في الإقراض نتيجة اتباعها سياسات إقراض بالغة التشدد .
رفع رؤوس الأموال
وتناول محي الدين مسألة شهية الشركات العاملة في دبي للاستفادة من أسواق الصكوك والسندات في رفع رؤوس أموالها بقوله : مع الأخذ في الاعتبار البيئة المواتية للمصدرين والتي تحفزهم على الاستفادة من أسواق الدين وذلك على مدى الثمانية عشر شهرا الماضية من ناحية انخفاض أسعار الفائدة وتراجع هوامش مقايضة مخاطر الائتمان فإن مستوى الإصدار مازال أقل مما كان متوقعا، ورغم توافر التمويل الرخيص نسبيا إلا أن الشركات مازالت متشككة بشأن التوسع والإنفاق في وقت يهيمن فيه عدم اليقين على الاقتصاد العالمي والتوترات السياسية الإقليمية .
في ظل بيئة اقتصاد كلي تتسم بتواضع النمو العالمي وتعدد مصاد المخاطر بما في ذلك مخاطر الانكماش الاقتصادي، تبرز أدوات الدخل بوصفها فئة أصول جاذبة، وهو ما يفتح نافذة لجهات الإصدار في دبي لكي تقوم بعمليات رفع رؤوس أموالها من خلال أسواق الدخل الثابت.
وتطرق مايكل جريفتي إلى أفق نمو إصدارات السندات والصكوك لجهات الإصدار في إمارة دبي بقوله : واصلت أسواق الصكوك والسندات في تقديم فرص مغرية للتمويل بالنسبة للشركات والحكومات التي رتبت أوضاعها بشكل جيد، فمن المحتمل أن تبقى أسعار الفائدة على الدولار الأميركي عند مستويات منخفضة لفترة من الوقت، حيث إن هناك أصواتا تدعو إلى تيسير السياسة النقدية بدرجة معينة، وفيما يتعلق بشراء أدوات الدين ( السندات والصكوك )، فإن تنفيذ صفقات الشراء يعتمد بالأساس على أهداف المحفظة الاستثمارية للمستثمر، وفوق كل ذلك، فإنه مازال هناك إصدارات سندات مسعرة باقل مما ينبغي.
وأفاد تقرير صادر عن شركة فرانكلين تمبلتون المحدودة للاستثمارات- الشرق الأوسط أن قيمة مبيعات السندات التقليدية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا خلال الربع الثاني من العام ارتفعت بنسبة 17% مقارنة بالربع الأول لتصل قيمتها إلى 12.4 مليار دولار أميركي، مشيراً إلى أن عدد الإصدارات زادت خلال الفترة ذاتها بنسبة 25%، ولفت إلى أن سوق إصدارات صكوك سجل أداء جيدا عكس الطلب المرتفع على الإصدارات الجديدة من جانب دول مجلس التعاون الخليجي.
مقدراً بأن أسواق العملات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تميزت بالاستقرار النسبي خلال شهر يوليو على الرغم من بقاء مشكلة التذبذب في الأيام الأولى من الشهر . وبسؤال محي الدين قرنفل عما إذا كان الوقت الحالي هو وقت شراء أم بيع أدوات الدين ، اجاب بقوله : في ظل بيئة اقتصاد كلي تتسم بتواضع النمو العالمي وتعدد مصادر المخاطر بما في ذلك مخاطر الانكما
ش الاقتصادي، تبرز أدوات الدخل بوصفها فئة أصول جاذبة، وهو ما يفتح نافذة لجهات الإصدار في دبي لكي تقوم بعمليات رفع رؤوس أموالها من خلال أسواق الدخل الثابت.
واستدرك بقوله : يرتبط القسم الأكبر من الديون الحالية بالموازنات الحكومية، في حين أن الشركات خاصة تلك المتواجدة في دول مجلس التعاون الخليجي مازلت تتيح فرصا ذات جاذبية بالنظر إلى قوة سجل تدفقاتها النقدية وتماسك موازنتها وصعود العائد على إصداراتها من أدوات الدين وارتفاع تصنيفها الاستثماري.
وردا على سؤال بشأن مدى اتساع المجال أمام المصدرين في إمارة دبي لكي يقوموا بطرح إصدارات سندات وصكوك خلال الأشهر المقبلة ، أجاب محي الدين قرنفل بقوله :نحن نؤمن بأن النافذة مفتوحة وبشكل مطلق للكل من حكومة دبي والشركات التي لديها حوكمة جيدة ونماذج أعمال حصيفة والراغبة في المشاركة البناءة في أسواق الدين الرأسمالية.
رفع التصنيف الائتماني لشركات دبي
اتجهت العديد من شركات التصنيف الائتماني نحو رفع تقييماتها للشركات المرتبطة بحكومة دبي في توازٍ مع اتجاه اقتصاد دبي نحو الانتعاش والازدهار ، رغم من تزايد حدة المخاطر المرتبطة بضعف الاقتصاد العالمي والاضطرابات الإقليمية المرتبطة بـ " الربيع العربي وتذبذب أسواق الأسهم والسندات، وتزيد هذه المخاطر قلق الشركات الحكومية بشأن آجال استحقاقات الديون واحتياجات إعادة التمويل ، إذ رفعت مؤسسة ستاندرد اند بورز للتصنيف الائتماني تقييماتها لخمس شركات مرتبطة بحكومة دبي ، وهي هيئة كهرباء ومياه دبي (ديوا) .
وشركة موانئ دبي العالمية وشركة إعمار العقارية والمنطقة الحرة لجبل علي (جافزا) وشركة مركز دبي المالي العالمي للاستثمار ، واخذت في حساباتها احتمالية أن تحظى هذه الشركات بدعم حكومي في حال مواجهتها أوضاعا مالية ضاغطة ، وتراوحت نتائج التقييم الائتماني بين الإبقاء على التصنيف الائتماني على ما هو عليه لشركتي موانئ دبي العالمية وإعمار العقارية ورفع التصنيف الائتماني بمقدار ثلاث درجات لهيئة كهرباء ومياه دبي (ديوا) وشركة مركز دبي المالي العالمي للاستثمار.
الدعوة لتأسيس أسواق دين بالعملة المحلية
دعا جامباتيستا أتزيني مدير ائتمان الشركات لدى "بي إن واي ملن" إلى تأسيس أسواق لإصدارات الصكوك وأسواق دين بالعملة المحلية لكي يتمكن قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة من رفع رؤوس أموالها اعتمادا على قاعدة المستثمرين المحليين.
ولفت إلى أن قطاعات الأعمال المحلية باتت بحاجة إلى مصادر مختلفة للتمويل، وبالتأكيد، تعتبر الملكية الخاصة واحدة من هذه الخيارات، وربما يتطور الوضع في يوم من الأيام إلى قيام المشروعات الصغيرة والمتوسط بإدراج اكتتابات عامة أولية.
أداء قوي
أكد خبراء ومسؤولون ماليون أن سندات دبي سجلت أداء جيدا خلال النصف الأول من العام الجاري مقارنة بأداء مثيلاتها في الأسواق المتقدمة والصاعدة ، وذلك على نحو عكسه معدل مقايضة مخاطر الائتمان الذي يبلي بلاء طيبا بالنسبة لأدوات الدين المرتبطة بإمارة دبي ، وذلك رغم أن هذا المعدل في متوسطة العالمي صار في الوقت الراهن معبئا بمخاطر عالية نابعة من الأزمات الاقتصادية في مقدمتها أزمات الديون السيادية الأوروبية .
فضلا عن المخاطر المرتبطة بالاضطرابات السياسية الإقليمية ورغم إقرار الخبراء بأن ارتفاع تكلفة إصدار السندات أفضى إلى ارجاء شركات من العيار الثقيل في الإمارات خططها الخاصة برفع رؤوس أموالها من خلال اللجوء إلى أسلوب طرح السندات ، إلا أنهم في المقابل ، مازالوا يتوقعون عمليات إدراج لسندات ذات جودة عالية في السوق الإماراتية، ومازالوا ينصحون بأن تقوم الشركات بتنويع محفظة التزاماتها بين الديون القصيرة والطويلة الأجل لتفادي وتقليل المخاطر ، حتى لو كانت تكلفة التنويع تفوق تلك التي تتحملها الشركة في حالة النأي بنفسها عن التنويع .

