فيما لجأت العديد من الدول إبان الأزمة العالمية إلى تبني سياسات اقتصادية متقشفة اتسمت بالتحفظ في مختلف النشاطات، تبنت الإمارات عموماً ودبي على نحو واضح سياسة هجوم كأفضل وسيلة للدفاع في وجه تباطؤ الاقتصاد العالمي، وعززت من سياساتها التحفيزية لعدة قطاعات استراتيجية أثبتت جدواها اليوم بعد مرور خمس سنوات على الأزمة، وبرهنت الإمارات للعالم مجدداً رؤيتها الديناميكية ومقاربتها العملية للتغيرات الاقتصادية، ورسخت من مكانتها كمدينة تحترف التميز ورصد الفرص.
مرحلة جديدة
لطالما اعتمدت دبي على سياسة المبادرة لتحفيز الطلب في مختلف المجالات، إذ إن سياسة البناء ومن ثم انتظار الطلب اثبتت عدم جدواها، حيث ترجمت تجربة الإمارة صحة نظرية خلق العرض لتوليد الطلب، وبالرغم من الهزة التي أصابت معظم دول العالم بدون استثناء، سبحت دبي عكس التيار وسط أمواج من التشاؤم والتشكيك من قبل الكثيرين وافتتحت "دبي مول" أكبر وجهات التسوق والترفيه في العالم في مايو 2009، وسرعان ما أعلن عن استقباله لـ 30 مليون زائر بعد اقل من عام على افتتاحه أمام الزوار، ليفتتح بذلك مرحلة جديدة في تاريخ قطاع التجزئة ليس في دبي وحسب، بل على مستوى العالم.
وحقق المركز، الذي بات من أبرز معالم الإمارة، رقماً قياسياً خلال عام 2011 بعد أن أصبح وجهة التسوّق والترفيه الأكثر اجتذاباً للزوار في العالم، باستقطابه ما يزيد على 54 مليون زائر، بنمو وصلت نسبته إلى 15٪ مقارنة بعدد الزوار الذي بلغ 47 مليوناً خلال عام 2010.
عاصمة التسوق
لم يكن الاهتمام بقطاع التجزئة توجهاً مستجداً في دبي، بل كان في صلب الاهتمام منذ بداية نهضة الإمارة، وبرزت تدريجياً كعاصمة التسوق في المنطقة عبر السنوات نتيجة تركيزها دائماً على التفرد في الأفكار وتقديم كل ما هو جديد في عالم التجزئة، ودعمه بعامل حيوي ألا وهو الأنشطة الترفيهية والسياحية على مدار العام، وفي مقدمتها طبعاً مهرجان دبي للتسوق الذي انطلق لأول مرة خلال العام 1996 وذلك ضمن إطار الرؤية الطموحة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، الرامية إلى ترسيخ مكانة دبي على الخارطة العالمية كوجهة متميزة للسياحة والأعمال.
ويسجل هذا الحدث، الذي يعد الأول من نوعه على صعيد المنطقة، نجاحات كبيرة نتيجة للتعاون الوثيق بين كافة الأطراف المعنية بتنظيمه من جهات حكومية وشركات خاصة.
ويهدف المهرجان لتحقيق هدفين رئيسيين، يتمثل أولهما في ترسيخ مكانة إمارة دبي كخيار أول في العالم للسياحة والتسوق من خلال توفير فعاليات وعروض تعتمد أعلى المقاييس العالمية، أما الهدف الثاني فهو الارتقاء بمستوى المهرجان ليصبح علامة فارقة في صناعة المهرجانات العالمية، وذلك من خلال التوليفة الفريدة من نوعها التي تجمع التسوق والترفيه والربح.
استقطاب
وسرعان ما ترجمت إنجازات المهرجان إلى لغة الأرقام التي تمثل المقياس الحقيقي لنجاح أي فعالية أو مؤسسة، حيث بلغ عدد الزوار في الدورة الافتتاحية خلال العام 1996 والتي استمرت لمدة 43 يوماً، 6 .1 مليون زائر أنفقوا أكثر من 15 .2 مليار درهم إماراتي، بينما وصل عدد الزوار خلال دورة العام 2009 إلى أكثر من 35 .3 ملايين زائر أنفقوا ما يزيد على 8 .9 مليارات درهم، وفي عام 2010، تم إعلان نجاح المهرجان على مدى الأربعة عشر عاماً الماضية في استقطاب أكثر من 35 مليون زائر، أنفقوا خلال زيارتهم للحدث ما يقارب 74 مليار درهم.
وفي مطلع العام الجاري، أظهرت دراسة لـ «مؤسسة دبي للفعاليات والترويج التجاري» إحدى مؤسسات دائرة التنمية الاقتصادية في دبي والمنظمة لحدث مهرجان دبي للتسوق أن عدد زوار الدورة 2011 من مهرجان دبي للتسوق بلغ حوالي 4 ملايين زائر، أنفقوا أكثر من 15 مليار درهم خلال 32 يوماً، بما يتضمن 5.9 مليارات درهم تم إنفاقها من قبل الزوار الإقليميين والدوليين و6.6 مليارات درهم أنفقها الزوار من سكان الإمارات الأخرى، بينما أنفق سكان دبي أكثر من 2.5 مليار خلال المهرجان.
تأثير إيجابي
وبلغ عدد الزوار الذين تواصلوا فعلياً مع فعاليات المهرجان عام 2011 على مدى شهر كامل حوالي 3.98 ملايين شخص، في حين بلغ عدد الزوار الإقليميين والدوليين لدبي أثناء فترة المهرجان 884660 شخصاً أتت غالبيتهم العظمى من الهند والمملكة المتحدة والمملكة العربية السعودية (11% و8% و8% على التوالي).
وقد تم تأكيد تأثير المهرجان الإيجابي على قطاع التجزئة من خلال البيانات التي تم جمعها من تجار التجزئة المشاركين؛ وقد أشارت نسبة 60% منهم إلى أن الإقبال كان "يماثل" أو "أفضل من" الإقبال الذي شهدوه في دورة العام 2010.
وتسلط النتائج التي تكشفت عنها الدراسة الضوء على الدور الذي يلعبه مهرجان دبي للتسوق في تعزيز عائدات قطاعي السياحة وتجارة التجزئة، حيث بلغت نسبة إنفاق الزوار الإقليميين والدوليين من إجمالي حجم الإنفاق خلال مهرجان دبي 2011، والذي بلغ 15.1 مليار درهم، حوالي 40 % (5.9 مليارات درهم). أما أكثر البضائع مبيعاً للسياح، فكانت الملابس والأزياء والإكسسوارات، حيث وصلت نسبة السياح الذين ابتاعوا هذه البضائع إلى 76% (ثلاثة أرباع العدد الإجمالي تقريباً)، في حين ابتاع أربعة من كل عشر أشخاص العطور ومستحضرات التجميل والعناية بالبشرة.
وبلغ حجم إنفاق المتسوقين من الإمارات ما يقارب 6.2 مليارات درهم، أما المشتريات المفضلة فقد شملت الإلكترونيات، بما يتضمن الكمبيوترات الشخصية والدفترية واللوحية والهواتف المتحركة، والملابس والإكسسوارات (بنسبة 61% و48% على التوالي من المشتريات).
وجهة ترفيه
كما أظهرت الدراسة أن أكثر من 78% من الزوار الإقليميين والدوليين أكدوا أن المهرجان يمثل حدثاً عالمياً رائداً، فيما أكدت نسبة 83% من الزوار بأن العروض والتخفيضات التي يشهدها مهرجان دبي للتسوق قد لعبت دوراً "هاماً إلى حد ما" أو "هاماً للغاية" في اختيارهم دبي كوجهة ترفيهية لقضاء إجازاتهم.
وبلغ عدد الزوار الذين تواصلوا فعلياً مع فعاليات المهرجان عام 2011 على مدى شهر كامل حوالي 3.98 ملايين شخص، في حين بلغ عدد الزوار الإقليميين والدوليين لدبي أثناء فترة المهرجان 884660 شخصاً أتت غالبيتهم العظمى من الهند والمملكة المتحدة والمملكة العربية السعودية (11% و8% و8% على التوالي). وقد تم تأكيد تأثير المهرجان الإيجابي على قطاع التجزئة من خلال البيانات التي تم جمعها من تجار التجزئة المشاركين؛ وقد أشارت نسبة 60% منهم إلى أن الإقبال كان "يماثل" أو "أفضل من" الإقبال الذي شهدوه في دورة العام 2010.
وأصبح مهرجان دبي للتسوق وباقي الفعاليات الحيوية على غرار مفاجآت صيف دبي داعماً أساسياً لنمو قطاع التجزئة في الإمارة، ويؤكد الخبراء أهمية هذه المبادرات لتحفيز أعداد الزوار ورفع مستويات إنفاق المستهلكين، وذلك من خلال تقديم قيمة مادية للمتسوق عبر عروض التنزيلات المغرية على مختلف المنتجات والعلامات التجارية العالمية بالإضافة إلى الأجواء الاحتفالية من فعاليات وأنشطة متنوعة تسهم في خلق بيئة تسوق ممتعة للأفراد والعائلات.
ووفقاً لتقرير صادر عن مؤسسة دبي للفعاليات والترويج التجاري، يسهم قطاع التجزئة في الناتج المحلي الإجمالي لإمارة دبي بنسبة 30%، حيث يحقق معدلات نمو لافتة سنوياً، بالتزامن مع النمو في الواردات وإعادة التصدير، ما يرسخ مكانة دبي باعتبارها إحدى الوجهات الرائدة للتسوق في العالم.
تصنيفات
وفي ظل ما يزخر به قطاع التجزئة بدبي من فرص نمو، أصبحت الإمارة في المقدمة كوجهة جديدة لكبرى شركات التجزئة العالمية، حيث احتلت المركز الثاني في تصنيف أكثر الوجهات المستهدفة لتجار التجزئة، في حين جاءت دولة الإمارات كأكبر سوق تجزئة عالمية، وذلك حسب نتائج المسح السنوي لـ سي بي ريتشارد أليس "سي بي آر إي" حول تجارة التجزئة العالمية والصادر مؤخراً.
وكشف المسح عن استمرار سوق الشرق الأوسط في جذب أعداد متزايدة من تجار التجزئة العالميين، حيث احتلت دبي المرتبة الثانية عالمياً كأكثر الوجهات المستهدفة والمرغوبة من تجار التجزئة العالميين، في حين احتلت الرياض مرتبة متقدمة على لائحة " سي بي آر إي" لأكثر عشرين مدينة مستهدفة من قبل تجار التجزئة، وتقدمت مدينة الكويت 4 مراتب على اللائحة لتحتل المرتبة الثامنة.
وحسب المسح استحوذت دبي على 53.8 % من كل العلامات التجارية التي شاركت في المسح متأخرة بفارقٍ ضئيل عن لندن التي احتلت المرتبة الأولى بـ 55.5 %. وأظهر المسح أن دبي احتلت المرتبة الأولى في جذبها لتجار التجزئة من اوروبا ومنطقة آسيا والمحيط الهادي والمرتبة الثانية في جذبها لتجار التجزئة الأميركيين.
ومن جانبها أشارت "جونز لانغ لاسال" في تقرير لها إلى أن دبي ما زالت تحافظ على المركز الأول عربياً من حيث مساحات مراكز التسوق، وأن نصيب الفرد من مساحات التجزئة في مراكز التسوق في دبي هو الأعلى في المنطقة إذ يصل إلى 1.6 متر لكل متسوق.
قوة النموذج الإماراتي
مثلما استلهم نموذج الإمارات الحضاري الملايين من عقلاء العالم فقد أدهش منهجها في معالجة تبعات وتأثيرات الأزمة المالية العالمية العديد من المحللين وحطم الكثير من الأقلام الحاقدة. وعند اندلاع الأزمة المالية في الولايات المتحدة الأميركية في 2008 كان من الطبيعي أن تلحق بعض من شظايا تلك الأزمة باقتصاد الدولة نظراً لديناميكيته وانفتاحه على الأسواق العالمية. لكن السؤال في ذلك الوقت لم يكن عن أسباب الأزمة بل عن الكيفية التي يمكن أن تعالج بها.
ويتفق الكثير من المحللين على أن الأزمة جسدت بشكل كبير مدى نجاح الرؤية الإماراتية في إيجاد معالجات منهجية وموضوعية أعادت عجلة الاقتصاد بسرعة فائقة إلى الطريق الصحيح في وقت لا تزال فيه الولايات المتحدة الأميركية ودول منطقة اليورو تواجه صعوبات كبيرة في الخروج من أزمتها.
تخطت القطاعات المتأثرة في الدولة الأزمة بسرعة ماراثونية لكن انطباع العالم عن الحكمة التي اتبعتها الإمارات في تقريب المسافات وإصلاح الثغرات سيستمر لسنوات طويلة وربما يدخل في إطار الفكر الاقتصادي الذي يستحق أن يكون منهجاً يدرس لطلاب التخطيط والاقتصاد في أعرق الجامعات.
جذب
أظهر استطلاع اجراه «البيان الاقتصادي» مؤخراً تحقيق سوق تجارة التجزئة في دبي نمواً بنسب تتراوح بين 10- 20 % خلال النصف الأول من العام الجاري مقارنة مع نفس الفترة من 2011، وفقاً لآراء مديري كبرى مجموعات تجارة التجزئة العاملة بالإضافة إلى استشاريين ومسؤولي عدد من العلامات التجارية العالمية والاقليمية.
حيث أرجعوا نسب النمو المحققة التي قاربت مستويات فترة الطفرة أي ما قبل الأزمة العالمية إلى عدد من العوامل أبرزها مكانة الإمارة كمركز جذب تجاري وسياحي بامتياز على مستوى المنطقة، حيث يساهم ازدياد الثقة لدى المستهلكين من جانب والأوساط الاستثمارية من جانب آخر، بالإضافة إلى استمرار تدفق السياح وخاصة الخليجيين منهم في إعطاء دفعة قوية لمبيعات التجزئة في الإمارة.
ولفت المشاركون في الاستطلاع إلى أن ما تتميز به دبي من تنوع في مراكز التسوق العصرية التي تواصل الابتكار والتطوير لتعزيز جاذبيتها واستقطاب المزيد من المتسوقين يعزز مكانة الإمارة على خارطة التسوق العالمية.
دعم
نجحت دبي في تطوير علاقة تبادلية بين قطاع السياحة والتجزئة، حيث يسهم كل منهما في دعم الآخر، إذ بات التسوق أحد أبرز عوامل استقطاب السياح من جانب، وباتت السياحة داعماً أساسياً لنمو مبيعات متاجر التجزئة ورفع مستوى الإقبال على مراكز التسوق.
وتأتي قصة نجاح قطاع التجزئة في دبي أيضاً في ظل عامل على درجة كبيرة من الأهمية، ألا وهو التنوع، حيث توفر الإمارة من خلال أسواقها ومراكز التسوق المختلفة خيارات واسعة لمختلف شرائح المتسوقين وامكاناتهم المادية، سواء من محدودي ومتوسطي الدخل إلى ذوي الدخل العالي والأثرياء، إذ يمكن لمن يريد شراء منتج ما بما يتوافق مع دخله المادي أن يجد ضالته في عالم التجزئة بدبي، سواء كانت سلعاً متوسطة الجودة بأسعار مخّفضة تقدم فرصة مغرية للتوفير، أو منتجات فاخرة وكماليات بأسعار باهظة تلبي شره الأثرياء والباحثين عن التألق والتميز في المظهر.
أداء
أظهرت القطاعات الثانوية لقطاع تجارة التجزئة مثل مبيعات السيارات ومتاجر البقالة والمنتجات الاستهلاكية إشارات نمو إيجابية وإن بنسب متباينة منذ عام 2008، حيث توقع تقرير حديث صادر عن (بزنيس مونيتر انترناشيونال) أن ينمو قطاع التجزئة في الإمارات من 113.87 مليار درهم تقريبا في 2011 إلى 151.36 مليار درهم بحلول عام 2015، كما أشارت توقعات التقدير إلى ارتفاع مبيعات محلات البقالة الكبيرة في الإمارات من 5.33 مليارات دولار في 2011 إلى 7.55 مليارات دولار بحلول العام 2015.
كما توقع أن ترتفع مبيعات الإلكترونيات الاستهلاكية من 3.14 مليارات دولار في 2011 إلى 3.97 مليارات دولار بحلول العام 2015. كما يرجح أن تقفز مبيعات السيارات بنسبة 50 % من 403 آلاف وحدة متوقع بيعها في 2011 إلى 600 ألف وحدة بحلول عام
