أكد عدد من الخبراء والمختصين في مجال الفنون الجميلة أن سوق الفن في دبي شهدت نمواً متسارعاً خلال الأعوام القليلة الماضية بنسبة تصل إلى 30% سنوياً، مقدرين حجم مبيعاتها كل عام بما يناهز 50 مليون دولار، وبالرغم من صغر حجم السوق المحلية مقارنة مع نظيراتها العالمية الأكثر نضجاً، إلا أنهم أشاروا إلى آفاق النمو الواعدة أمام الفن سواء كقطاع استثماري او كنشاط ثقافي في دبي.

حيث رسخت الإمارة مكانتها كمركز فني راق على المستوى الاقليمي والعالمي، وذلك بدعم من عدة عوامل أبرزها الفعاليات الفنية والثقافية المتميزة التي أطلقتها على غرار "آرت دبي"، بالإضافة إلى احتضانها لفرع دار "كريتسيز" العالمية للمزادات.

فضلاً عن مساهمة صالات العرض الخاصة أو ما يعرف بالـ"غاليري" في دعم حركة بيع وشراء الأعمال الفنية، ولفت الخبراء إلى أن مشروع «متحف دبي للفن الحديث ودار الأوبرا» الذي تم الإعلان عنه مؤخراً ضمن وسط مدينة دبي سيساهم في خلق دفعة إضافية للمشهد الفني والثقافي في دبي وعلى مستوى المنطقة.

وأظهرت الاحصائيات التي حصلت عليها البيان من جمارك دبي أن قيمة واردات الإمارة من اللوحات والصور والرسوم خلال عام 2011 بلغت 173.8 مليون درهم، فيما بلغت صادرات الإمارة منها 7.5 ملايين درهم، وحققت تجارة إعادة تصدير اللوحات والصور والرسوم خلال العام الماضي مبلغاً وقدره 161 مليون دولار.

ويأتي نمو الفن وما يرتبط به من حراك تجاري وثقافي في ظل ما تتميز به دبي من مجتمع منفتح على مختلف الحضارات العالمية وتنوع التركيبة السكانية للإمارة الدولة بشكل عام، وما توفره من بيئة ثقافية متنوعة ذات أسلوب حياة عصري، بالإضافة إلى مكانتها كمركز جذب استثماري وسياحي، مما ساهم في نمو عدد ونوعية الأنشطة الفنية فيها من جانب، واستقطاب كبار مقتني الأعمال الفنية محلياً وعالمياً، إلى جانب بروز شرائح جديدة من المقتنين الجدد.

وأجمع المتحدثون عن خصوصية الاستثمار في الفن مقارنة مع باقي القطاعات التقليدية، مؤكدين ضرورة ان لا تكون المقاربة ربحية بحتة، حيث يدخل العامل الثقافي في عملية شراء أي عمل فني، إذ يجب أن يكون المشتري مدفوعاً بجاذبية العمل أو الإعجاب بتفاصيله ولغته البصرية قبل النظر إلى قيمته المادية وما يمكن تحقيقه من أرباح مستقبلية، خاصة وأن أسعار اللوحات الفنية لا ترتفع بين يوم وليلة، بل هي استثمار للأجيال القادمة.

جاذبية فنية

يعتبر خالد سماوي، مؤسس "غاليري أيام" دبي بمثابة عاصمة تجارة الفن على مستوى الشرق الأوسط، واضعاً هذه المكانة في إطار "رؤية قيادتها بتعزيز مكانة الإمارة كمركز فني وثقافي اقليمي"، وأضاف :""عادة ما يتم تنفيذ الرؤى الاستراتيجية والخطط الموضوعة لدبي بطريقة احترافية وبأعلى المستويات، مما شجع على استقطاب المزيد من رواد الأعمال والعاملين في مجالات الثقافة والفنون.

فضلاً عن توفيرها لإجراءات مرنة وفعالية في استيراد وتصدير اللوحات والأعمال الفنية، بالإضافة إلى ما تتمتع به الإمارة من بنية خدمية ومرافق ساهمت في تصدرها لمختلف النشاطات الاقتصادية الأخرى".

ولفت من جانب آخر إلى جاذبية دبي السياحية وسمعتها العالمية، مما يغري المتخصصين وكبار مقتني الأعمال الفنية من مختلف انحاء العالم بزيارتها سنوياً سواء بهدف الأعمال أو السياحة، وأضاف: "لا أحد ينافس دبي كمركز فني اقليمي على المستوى العالمي، ولا يستطيع أحد منافستها".

مبيعات

يصل حجم الأعمال الفنية التي تباع سنوياً في دبي ضمن المزادات والمعارض وصالات العرض إلى أكثر من 50 مليون دولار بحسب سماوي، الذي قدّر مساهمة المزادات بـ 20 30 مليون دولار سنوياً، مشيراً إلى استحواذ أعمال الفنانين العرب والإيرانيين على 99 % من المبيعات في سوق الفن بدبي، وأقّر بأن حجم سوق الفن العربي لا يزال صغيراً مقارنة مع باقي الأسواق العالمية، حيث يمكن أن يساوي إجمالي مبيعات أعمال الفن العربي سعر لوحة واحدة قد تباع في مزاد بمدينة نيويورك.

ولفت مؤسس "غاليري أيام" إلى أن افتتاح فرع لدار كريستيز العالمية في دبي عام 2005 شكّل نقلة نوعية في سوق الفن العربي والشرق أوسطي بشكل عام، ومن ثم شهدت المنطقة نمواً متسارعاً في عدد الصالات الفنية.

وأضاف: "سجلت سوق دبي الفنية نمواً سنوياً بمعدل 30 % خلال الأعوام الماضية بالرغم من الأزمة الاقتصادية العالمية، وأصبح عدد الصالات الفنية أو الـ"غاليري" العاملة في الإمارة أكبر من ما هو موجود في باقي الدول العربية أجمع، حيث تحتضن دبي ما يقارب 50 صالة يمكن تصنيف 10 منها في فئة النخبة، ومن ضمنها صالتان نجحتا في التوسع اقليمياً وتسيران على طريق العالمية على غرار "غاليري أيام".

بالإضافة إلى دار كريستيز العالمية، قدمت دار بونهامز للمزادات إلى دبي خلال الأعوام السابقة لكنها لم تستمر لفترة طويلة، وعزا سماوي ذلك إلى أنها لم تعط السوق المحلية حقها من حيث الوقت والجهد.

واضاف :"إن أي عمل تجاري ناجح لا يقوم على مبدأ اضرب واهرب، بل يتطلب التزاماً في الاستثمار على المدى المتوسط والطويل، خاصة وان هناك سوء فهم ونظرة مغلوطة حول المنطقة، ومفادها أن الأثرياء الخليجيين يتجولون بين المعارض الفنية ويشترون الأعمال نقداً وبأي سعر يعرض عليهم، وهي نظرة تناقض الواقع تماماً".

مشيراً إلى أن تحديد الأعمال الفنية المعروضة ضمن المزادات يتم عادة من قبل خبراء متخصصين يقررون مشاركة وتسعير أي عمل حسب عدة معطيات في مقدمتها اسم الفنان وتاريخه واللغة الفنية والبصرية للعمل، ونفى تخصص المزادات بأعمال المشاهير كما قد يعتقد البعض، معلقاً على ذلك بالإشارة إلى عدم وجود من نستطيع تسميتهم بـ"فنانين مشاهير" في العالم العربي، حيث لم "نصل بعد إلى هذه المرحلة" على حد تعبيره.

مرجعاً ذلك إلى حداثة سوق الفن العربي الذي لا يتجاوز عمره 7 8 سنوات، وأضاف في نفس السياق :"ينظر معظم النقاد العرب إلى تجارة الفن بمقاربة سلبية مبنية على نظرية المؤامرة من حيث آليات تحديد الأسعار وغيرها، وهي مرحلة طبيعية نظراً لكون سوق الفن العربي لا تزال في بداياتها، وهي مرحلة تشابه ما مرت به الأسواق العالمية الأكثر نضجاً في بدايتها منذ عشرات السنين".

وأوضح سماوي ان قنوات البيع الرئيسية لسوق الفن في دبي تتمثل في المزادات التي تقيمها دور عالمية على غرار كريستيز، بالإضافة إلى مزادات صالات العرض كـ"غاليري أيام"، إلى جانب المعارض الفنية الموسمية.

تقييم

ويبقى السؤال الأهم حول آفاق الاستثمار الفني والعوائد التي يمكن أن يحققها، وهو ما يشبّهه سماوي بالاستثمار في سوق الأسهم ويقول :"من يشتري سهماً ما انطلاقاً من قناعته بأداء الشركة وآفاق نموها المستقبلية بالاعتماد على دراسة أدائها، يمكن أن يحقق العائد المستهدف بعد فترة زمنية معينة.

والاستثمار في الفن كذلك، إلا أن الفارق الرئيسي أن مقتني اللوحة يتمتع بمشاهدتها كل يوم وتصبح جزءا لا يتجزأ من حياته ومحيطه المعيشي يومياً لعدة سنوات، ويمكن أن يرتفع سعرها لاحقاً أو أن يبقى في نفس المستوى"، ويؤكد أن العائد الحقيقي على الاستثمار في الفن يكمن بالمتعة التي يوفرها العمل الفني للمقتني او المستثمر.

ويضيف:"من يشتري عملاً فنياً بهدف الاستثمار فقط عادة ما تكون فرص نجاحه ضئيلة، إذ يجب على المشتري أن يقدّر اللوحة ويعجب بلغتها البصرية، ويأتي سعر مبيعها والربح الذي يمكن أن تقدمه لاحقاً، فهو استثمار لأجيال وليس قصير الأمد"، وقد وصل سعر بعض اللوحات التي بيعت في "غاليري أيام" منذ عدة سنوات بسعر يقارب 4 آلاف دولار إلى 100 ألف دولار اليوم.

ولدى سؤاله عن تقييم أداء صناديق الاستثمار في الفن قال سماوي: "لا يوجد صندوق استثماري ناجح في سوق الفن على مستوى العالم، فالفن ليس ورقة تملكها وتضارب بها، والأفضل لمن يريد الاستفادة استثمارياً من انتعاش ونمو سوق الفن شراء أسهم دور العرض المدرجة في الأسواق المالية على غرار كريستيز أو سوثربيز وغيرها".

ويشير سماوي إلى إمكانية مقارنة الاستحواذ على لوحة ما مع شراء سيارة فارهة أو أي منتج فاخر كالمجوهرات وغيرها من قبل الأثرياء، إذ لا يأخذ المشتري بالحسبان السعر المستقبلي لما يشتريه، وهنا يمكن للعامل النفسي أن يلعب دوراً مهماً من حيث حب التباهي والظهور وخاصة في المجتمعات المخملية، وتندرج اللوحات الفنية ضمن فئة المنتجات التي يقبل على جمعها مقتنون لديهم اهتمام في عالم الفن والجمال أو ما يطلق عليها استثمارياً "collectables"، أي على غرار الذهب والألماس وحتى قطعة الأرض التي لا تتلاشى قيمتها الاستثمارية وإن تراجعت.

صورة استثمارية

وأشاد سماوي بالأداء القوي الذي سجلته سوق الفن في دبي خصوصاً والمنطقة عموماً، وهو ما شكل مفاجأة للأوساط العاملة في هذا القطاع، مرجعاً ذلك إلى الدور الذي لعبته صالات العرض والمزادات في دفع حركة السوق عبر السنوات الست الماضية ونشر الثقافة الفنية والترويج للفن العربي، حيث نجحت في اكتساب ثقة هواة اقتناء اللوحات وتأسيس اسم تجاري لها على الساحة الفنية المحلية والاقليمية.

ومن جانب آخر، فقد اتضحت الصورة الاستثمارية بشكل عام أمام الأثرياء مقارنة مع الأعوام 2008 و 2009 وبات بإمكانهم إعادة توزيع استثماراتهم على مختلف فئات الأصول ومنها الأعمال الفنية بعد الاستقرار النسبي الذي تشهده الأسواق، ولفت إلى أن مشروع «متحف دبي للفن الحديث ودار الأوبرا» الذي تم الإعلان عنه مؤخراً ضمن وسط مدينة دبي سيساهم في خلق دفعة إضافية للمشهد الفني والثقافي في دبي وعلى مستوى المنطقة.

وعلى غرار أي تجارة أخرى، تتحكم معادلة العرض والطلب بآلية الأسعار في سوق الفن، خاصة وأن اللوحة عمل فريد من نوعه لا يتكرر بحسب مؤسس "غاليري ايام"، الذي يشير إلى ان أغلى لوحات فنية لأهم الفنانين في العالم العربي تصل إلى 100 300 ألف دولار، فيما تتراوح أسعار اللوحات في سوق دبي الفنية من 4 آلاف دولار إلى 300 ألف دولار.

وبعكس الاعتقاد السائد في بيئة الأعمال، لا تشكل المؤسسات والشركات ومن ضمنها البنوك شريحة كبيرة في سوق الفن العالمية، حيث يعتبر الأفراد الفئة الأكبر من المشترين وفقاً لسماوي الذي يشير من جانب آخر إلى أن جامعي الفن الإيرانيين يشكلون شريحة هامة في سوق الفن اقليمياً بعد العرب، خاصة وأنهم باتوا يقبلون على اقتناء الفن العربي بعد ان كان تركيزهم على الفن الفارسي في السابق، وفي ظل اللغة البصرية المتميزة للأعمال الفنية في منطقة الشرق الأوسط تستقطب سوق الفن من دبي مشترين عرباً وأوروبيين، ويشكل المقتنون الأجانب ما نسبته 50% من سوق الفن في الإمارة.

واستبعد سماوي تأثر الحركة الفنية العربية بالأحداث التي تشهدها بعض دول المنطقة، لكنه أعرب عن خشيته من تأثر الحركة اللوجستية للأعمال الفنية من بعض دول الربيع العربي خلال الفترة القادمة، وكشف عن خطط لافتتاح فروع جديدة لـ"غاليري أيام" في جدة ولندن خلال الفترة المقبلة.

استقرار

من جانبه قال مايكل جيها المدير العام لـ"كريستيز" في الشرق الأوسط إن دار المزادات العالمية تمكنت منذ إطلاق أول مزاد لها في المنطقة عام 2006 بدبي من بيع ما يعادل قيمة أكثر من 225 مليون دولار أميركي من الأعمال الفنية في مزاداتها الدورية التي تعقد مرتين سنوياً، وأكد ان السوق في الشرق الأوسط باتت أكثر استقراراً منذ النمو الكبير الذي حققته في بداية عام 2008، وأضاف :"لدى مقارنة المزادات مع بعضها البعض، نجد أن مبيعاتنا تحقق بين 6-8 ملايين دولار في كل مزاد، ونشهد أيضاً مقتنين جدداً سواء على المستوى الاقليمي أو الدولي".

وأشار إلى وجود عوامل عديدة مشتركة بين السوق الفنية في الشرق الأوسط والأماكن الأخرى حول العالم، خاصة بعد أن اصبح المقتنون على معرفة ودراية أوسع في عالم الفن، وباتوا يسعون وراء الأعمال الفنية عالية الجودة لكبار الفنانين.

واكد جيها أن سوق الفن المحلية حققت نمواً كبيراً منذ انطلاق أول مزاد دولي لـ"كريستيز" في المنطقة، لافتاً إلى تباين تقييم المقتنين للأعمال الفنية ما بين بلدٍ وآخر، حيث يفضل الشرق أوسطيون في الغالب شراء الأعمال الفنية القادمة من بلدانهم، ولكن مع عرض الأعمال من مختلف أنحاء دول المنطقة في المعرض الذي يسبق المزاد، بدأ المقتنون يشاهدون النتاج الفني لبلدان أخرى مما أدى إلى زيادة عمليات الشراء الإقليمية، الأمر الذي من شأنه أن يزيد من عمق السوق وقاعدة المشترين ويحقق ظهوراً أكبر للفنانين على الساحة الدولية. ولفت إلى ارتفاع نسبة المقتنين العالميين في مزادات "كريستيز" في دبي، حيث يستحوذون على ما معدله 30% من الأعمال المعروضة فيها.

 

نمو متواصل للمزادات الفنية

 

تحظى دار "كريستيز" في دبي بعملاء جدد كل عام، ولاسيما في موسم المزادين الماضيين، حيث شهد تقديماً ناجحاً لصيغة بيع جديدة تجمع بين مزادي الأعمال الفنية الحديثة والمعاصرة اللذين يعقدان مرتين سنوياً من جانب، والمزادات الفنية الأخرى من جانب آخر، مثل الأعمال الفنية لفترة ما بعد الحرب أو الأعمال الفنية المعاصرة أو الانطباعية والحديثة التي تعقد في نيويورك ولندن.

وهو ما يعكس تواصل نمو مبيعات هذه الفئة وزيادة الاهتمام الدولي بها بحسب جيها، ويتضمن القسم الأول أعمالا حديثة ومعروضات معاصرة عالية القيمة، في حين يقدم القسم الثاني الذي يعقد في مساء اليوم التالي مجموعة واسعة من الفنانين ويركز على الأعمال المعاصرة من المنطقة وبأسعار أقل.

كما يتضمن المزاد أقسام جديدة مخصصة للتصوير الفوتوغرافي والمطبوعات وأضاف :"ساعدنا ذلك على إدخال مزيدٍ من التنوع إلى مزاداتنا وحث الجيل الجديد على المشاركة في عمليات الشراء في المزاد. ومن بين الفنانين الـ57 الذين تم تمثيل أعمالهم في مزاد القسم الثاني الافتتاحي في أكتوبر 2011، كان 39 منهم تحت سن الخامسة والثلاثين، وقد انعكس هذا أيضاً في أعمار المشاركين في قاعة المزاد".

فرصة

يشهد الشرق الأوسط إقبالاً "مذهلاً على جمع واقتناء الأعمال الفنية وذلك مع ازدهار سوق الفن خلال السنوات الماضية" بحسب جيها، الذي يعتبر أن دور "كريتسيز" الرئيسي يتمثل في "دعم الجيل المقبل من الفنانين المعاصرين والترويج لهم، من خلال منحهم فرصة الظهور في المحافل الدولية والمساعدة على خلق بيئة داعمة ترعى مواهبهم" وأكد ضرورة توفير مبادرات تثقيفية في مختلف أنحاء المنطقة تعمل على تشجيع الجيل القادم من الفنانين والمقتنين وإلهامهم، مشيراً إلى ظهور العديد من المبادرات التي من شأنها المساهمة في هذا التوجه، ومن ضمنها مشاريع المتاحف الجديدة في دبي والشرق الأوسط.

وحول الجانب الاستثماري للفن قال جيها:"يتطلع المقتنون دوماً إلى الأعمال النخبوية للرواد من الفنانين سواء كان ذلك ضمن فئة الأعمال الفنية الحديثة أو المعاصرة، لكننا لا نشجع شراء الأعمال الفنية على أنها استثمار، بل يجب أخذ قيمتها الفنية والجمالية بالاعتبار".

نظرة اشمل

وبالرغم من اتخاذها دبي مقراً اقليمياً لها، إلا أن دار "كريتسيز" تتبنى نظرة أشمل على مستوى الشرق الأوسط ككل، بحسب جيها، وفي احدث مبيعاتها، شهدت الدار بائعين من 15 دولة مختلفة وحظيت باهتمام 23 دولة، وعقدت العام الماضي معرضاً في أبوظبي والدوحة، فضلاً عن مشاركتها دورياً في مزادات خيرية تعقد في مختلف أنحاء الشرق الأوسط. وأضاف :"يواظب خبراء "كريستيز" على السفر باستمرار ومقابلة العملاء في دول المنطقة وتخصيص المعروضات المهمة للبيع، وبهذا تعتبر دبي على غرار هونغ كونغ كمركز اقليمي يقدم خدماته للمنطقة برمتها".

تظاهرة فنية

مع إقرارها بصعوبة تحديد حجم سوق الفن بدبي نظراً لتشعب وتنوع الساحة الفنية فيها، إلا ان أنطونيا كارفر مديرة معرض "آرت دبي"، تقول بإمكانية رصد تطور السوق من خلال قراءة تزايد عدد الصالات الفنية في الإمارة، حيث كانت لا تتجاوز أصابع اليد في 2005، ونمت إلى ما يزيد على 40 صالة اليوم، وينطبق ذلك أيضاً على تطور "آرت دبي" باعتباره تظاهرة فنية وإبداعية معاصرة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا، حيث شارك في المعرض عام 2007 ما يقارب 40 صالة فنية واستقبل 7 آلاف زائر، فيما شهدت نسخة العام الجاري مشاركة أكثر من 75 صالة وحضور 22500 من جامعي ومقتني الفن والمختصين والهواة.

 

منصة التقاء

 

تشير أنطونيا كارفر مديرة معرض" آرت دبي"إلى حداثة عمر سوق الفن في دبي، لكنها تؤكد في الوقت ذاته تسجليها نمواً متسارعاً، وتحدد أبرز مميزاتها في كون العائلات هي الأكثر جمعاً واقتناء للفنون خلال عدة أجيال، إلى جانب اتساع مجتمع مقتني الفن الشباب الذين يدخلون للاستثمار في هذا المجال للمرة الأولى، وخاصة في دبي، وهي فئة على مستوى عال من التعليم والثقافة ويتمتعون بنظرة تتسم بالعالمية، كما تساهم هذه الشرائح في دعم الفنانين والأحداث الفنية في المنطقة، ومع ازدياد خبرتهم، فقد باتوا يستثمرون في الفن الاقليمي والعالمي.

ولفتت كارفر إلى انه وخلال فترة الطفرة، شهد مقتنو الأعمال الواعدة للفنانين العرب والإيرانيين ارتفاعات هائلة في أسعار تلك الأعمال، ووصلت في بعض الأحيان إلى 200%، مشيرة إلى أن" النمو الآن مستقر وأكثر استدامة".

وأضافت :"يمكن للفن أن يكون استثماراً مجزياً، لكن أولاً وأخيراً يكون الإقبال على اقتناء الأعمال الفنية في معظمه نابعاً من القلب"، وأوضحت أن الطلب في دبي والمنطقة لا يزال متركزاً على الأعمال الفنية ثنائية الأبعاد على غرار اللوحات والرسومات، كما يشتري معظم هواة جمع الفن الأعمال الفنية بهدف عرضها ضمن المنزل.

وأكدت كارفر تزايد أعداد هواة جمع واقتناء الفن من أبناء الإمارات، إذ لم يساهم ازدهار المجالات الثقافية في الدولة خلال العقد الماضي في نمو التعليم الجامعي الرسمي بمختلف اختصاصات الفنون الجميلة فحسب، بل فتح أيضاً الأبواب أمام اكتساب خبرات ومعلومات حول عالم الفن على حد تعبيرها وأضافت :"من الطبيعي أن ينعكس ازدياد فرص المشاركة في عالم الفنون المعاصرة على دعم الاتجاه نحو اقتناء الأعمال الفنية،

 

احصائيات

60 مليار دولار سوق الفن العالمي

 

بلغ حجم سوق الفن العالمي 60.8 مليار دولار خلال العام 2011 وفقاً للتقرير الصادر عن المؤسسة الأوروبية للفنون الجميلة "TEFAF"، وتعتمد الإحصائية على بيانات المزادات العلنية بالإضافة إلى تقدير مبيعات صالات العرض وتجار الفن الأفراد، وتتوزع بالتساوي على مبيعات دور المزادات وصالات العرض أي 30.5 مليار دولار مبيعات كل منهما، حيث بلغت مبيعات دار سوثربيز وكريستيز للعام 2011 مبلغاً وقدره 5.7 مليارات دولار لكل منهم، اي ما يشكل 35% من سوق المزادات الفنية العالمية.

ووفقاً للتقرير، بلغت حصة الصين من مبيعات المزادات الفنية 13 مليار دولار، أي 42 % من إجمالي مبيعات المزادات العالمية البالغة 30.5 مليار دولار، علماً أن الصين قد تفوقت على الولايات المتحدة العام الماضي من حيث حجم مبيعات الفن حيث بلغت حصتها 30 ـ 29%، لكن لا تزال حصة كل منهما من السوق العالمية أقل مقارنة مع حصة القارة الأوروبية التي تشمل بريطانيا حيث تستحوذ القارة العجوز على 34 % من سوق الفن العالمي.

وبلغ عدد الصفقات في سوق الفن العالمي 36.8 مليون صفقة بمعدل 1630 دولارا قيمة كل منها، وأشار التقرير إلى ان عدد الصفقات كان أعلى قبيل الأزمة المالية العالمية، حيث بيع 50 مليون عمل فني في سوق الفن العالمي بينما كان متوسط قيمة الصفقة 1200 دولار.

ويشكل الفن المعاصر والحديث، أي ما تم رسمه منذ العام 1875 ما نسبته 70% من السوق، وتستحوذ لندن ونيويورك على المكانة الأبرز ضمن الخارطة الفنية العالمية بحصة وقدرها 60% من إجمالي الصادرات والواردات الفنية عالمياً. وكشف التقرير وجود 403 آلاف تاجر وصالة عرض ودار للمزادات في سوق الفن العالمي عام 2011.

 

مخاطر

التأمين على الفن

 

على غرار أي قطاع اقتصادي تقليدي، ترتبط عدة قطاعات بسوق الفن، وفي مقدمتها صناعة التأمين التي تكتسب أهمية قصوى للوحات والأعمال الفنية باهظة الثمن، ويقول جيريمي باجوت، رئيس خدمات العملاء المميزين في شركة "زيورخ" الشرق الأوسط :"عادة ما ترتبط مخاطر التعرض للسرقة مع التأمين على الفنون الجميلة من لوحات ومنحوتات ثمينة، وباعتبار أن مستويات السرقة والسطو في المنطقة أقل من نظيارتها في أوروبا وشمال افريقيا، لا يأخذ جامعو الأعمال الفنية هنا التأمين كأحد أولوياتهم.

لكن وعلى الطرف المقابل، فإن الأعطاب العرضية التي قد تصيب اللوحات تفرض مخاطر أكبر من السرقة على العمل الفني، وينطبق ذلك على أسواق المنطقة كغيرها من العالم، وفيما تتجه أسواق الفن الاقليمية نحو النضوج، بات جامعو الفن أكثر إدراكاً لأهمية تأمين ما يملكونه من قطع فنية ثمينة". و

حول الحوادث التي قد تتعرض لها الأعمال الفنية، قال باجوت:"تعتبر عملية النقل أكبر مصدر للأعطاب الجانبية للوحات الفنية، ونظراً لتنقل الأفراد من وإلى المنطقة بشكل دائم، فإن هذه الحوادث هي الأكثر انتشاراً، بالإضافة إلى حالات التلف التي قد تتعرض لها خلال فترة عدم تواجد المالك في المنزل.

حيث عادة ما يسافر الافراد والعائلات إلى الخارج خلال فترة الصيف، ويؤدي ذلك إلى ارتفاع حالات المطالبة بتعويضات عن الأضرار التي قد تتعرض لها اللوحات بسبب الماء المتسرب من أجهزة التكييف أو أنابيب المياه التي لا يتم اكتشافها لغاية عودة المالك من الإجازة"، ويتوجه بالنص إلى مالكي اللوحات قائلاً :"من الضروري إدراك أن معظم الأعمال الفنية لا يمكن استبدالها، لذا يتوجب دائماً على المالك تفادي ومنع الحوادث لتجنب خسارة قيمة مقتنياته، وبينما يشكل الفن شغفاً للكثيرين، فهو استثمار أيضاً، لذا فمن الضروري ان يتم التأمين المطلوب على القطاع الفني".

 

رعاية

 

نجحت الفعاليات الفنية في دبي باستقطاب رعاية ودعم من مؤسسات وشركات كبيرة من طراز "أبراج كالبيتال"، وذلك بغرض تحقيق أهداف استثمارية وتسويقية، حيث أطلقت الشركة جائزتها الخاصة بالفنون بالتعاون مع معرض "آرت دبي"، وتسمح جائزة ابراج كابيتال للفنانين بالمشاركة ضمن مختلف فئات الأعمال الفنية التقليدية والمعاصرة، وتقرر لجنة التحكيم المكونة من خمس خبراء ومختصين.

ويتم اختيار الفائزين وفقاً للأفكار والأعمال الجديدة التي سينفذونها في حال فوزهم بالجائزة، وتنضم تلك الأعمال لاحقاً إلى مجموعة "ابراج كابيتال الفنية" وفقاً لفريدريك سيكريه، شريك في "أبراج كابيتال" الذي أضاف :" تأتي جائزة أبراج كابيتال الفنية بالتعاون مع "آرت دبي" كجزء من استراتيجيتنا التي تهدف إلى الارتقاء باستدامة المنطقة وترسيخ مكانتها على الخارطة العالمة من خلال رعاية الفن والأنشطة والثقافية ودعمها.

تجارة الفن في دبي بالأرقام