توقع كثير من الخبراء العقاريين ومسؤولو شركات الاستشارات العقارية في دراساتهم وتقاريرهم وتقديراتهم التي أطلقوها أواخر عام 2009 تراجع إيجارات المساكن والمكاتب في أبوظبي بنسب تتراوح بين 40-50% بدءا من العام 2012 وفي العام2013 وهو مالم يحدث حاليا لتذهب كل التوقعات والتقديرات أدراج الرياح.
فلماذا؟ طبقا للدراسات التي أعدتها شركات الاستشارات العقارية في أبوظبي وأبرزها شركة كلاتونز وتروث خلال عامي 2008 و2009 فإن سوق أبوظبي واجه خلال السنوات من 2006 إلى 2009 ندرة في المباني الجديدة خاصة بعد أن توقفت دائرة المباني التجارية عن بناء المساكن كما نتج عنه نقص كبير في المعروض في السوق وتزامن ذلك مع وجود طلب كبير ومتزايد من المستأجرين فكانت النتيجة ارتفاعا غير مسبوق في الإيجارات السكنية وصل في بعض المناطق داخل مدينة أبوظبي كما تشير دراسة لشركة تروث للاستشارات الاقتصادية- إلى 300%، وزاد إيجار الوحدة السكنية من غرفتين وصالة من 45 ألف درهم إلى 160 ألف درهم والوحدة من ثلاث غرف وصالة من 80 ألف درهم إلى 240 ألف درهم.
وذهبت توقعات الخبراء مداها حيث أكدوا أن الإيجارات ستتراجع مع نهاية عام 2011 بنسب تصل إلى 25% ثم يزداد التراجع إلى 40% عام 2012 ثم 50% في عام 2013 لتستقر بعد ذلك لسنوات عدة سنوات إلا أن هذا لم يحدث.
تفسير
يفسر لنا رضا مسلم الخبير العقاري والشريك في شركة تروث للاستشارات العقارية أسباب استمرار ارتفاع الإيجارات في أبوظبي حيث يشير إلى أنه طبقا لمعادلة العرض والطلب فإن قيمة إيجارات أبوظبي يجب أن تكون أقل من مستوياتها الحالية بنحو 30% حيث إن السوق به معروض كبير من الوحدات السكنية. وطبقا لدراسات وتقديرات من جهات رسمية مثل مركز الإحصاء فإن أبوظبي بها حاليا 45 ألف وحدة سكنية ومكتبية شاغرة!
ويوضح أنه طبقا لمعادلة العرض ولطلب فإن إيجار الوحدة السكنية (غرفتان وصالة) الجديدة يجب ألا تزيد عن 95 ألف درهم والقديمة عن 60 ألف درهم والوحدة من ثلاث غرف وصالة جديدة عند 120 ألف درهم والقديمة عند 75 ألف درهم وهي نفس أسعار عام 2006 أي قبل الطفرة العقارية لكن ما يحدث في السوق حاليا مختلف للغاية إذ أن الإيجارات تزيد عن معدلاتها المنطقية بنحو 30% أو 40% حسب الموقع والتميز.
القوة المالية للملاك
وينوه رضا مسلم إلى أن أحد الاسباب الرئيسية وراء عدم تراجع الإيجارات في أبوظبي هو القوة المالية للملاك حيث إن لدى غالبيتهم استثمارات عديدة في قطاعات أخرى لذلك فهم لا يواجهون ضغوطا حقيقية من جهات التمويل مثل البنوك. فضلا عن أن غالبيتهم حصل على قيمة المباني التى مضى عليها نحو 20 سنة عدة مرات. وبالتالي لايهمهم أن يبقى العقار شاغرا عدة أشهر. وأعتقد هذا السبب هو أهم الأسباب وراء عدم تراجع الإيجارات في أبوظبي.
خصوصية السوق
ويري ستيفن مورجان رئيس شركة كلاتونز للاستشارات العقارية أن سوق أبوظبي له خصوصية كبيرة مشيرا إلى أن السوق لم يندفع مرة واحدة في بناء مئات المشاريع السكنية العملاقة بل كانت المشروعات الجديدة منتقاة ومخطط لها.
وعندما باتت الأزمة المالية العالمية تطال بتداعياتها أبوظبي فقد تم تعديل بعض هذه المشاريع. كما أن المشاريع السكنية لم تدخل السوق مرة واحدة بل حدث ذلك ببطء وبعضها لم يتم تسليمه حتى الآن حيث مازال في مرحلة التشطيبات النهائية مثل العديد من الأبراج الشاهقة التى تطل على الكورنيش.
ويشير مورجان إلى أن إيجار السكن الفاخر في أبوظبي وبصفة خاصة الجديد تراجع لكن نسبة التراجع محدودة ولا تزيد عن 10% وليس 50% طبقا لتوقعات سابقة لكثير من الخبراء. وفي الغالب فإن الملاك يرفضون تأجير مبانيهم الجديدة حيث يؤكدون على أن تكلفتها كانت عالية حيث تم بناؤها بسعر 6 آلاف درهم لطن حديد التسليح مثلا.
اتفاق
ويتفق أحمد المزروعي رئيس جمعية المقاولين في أبوظبي مع ما ذكره مروجان ستيفن لافتا إلى أنه من غير المنطقي أن تزيد تكلفة بناء البرج السكني اليوم نحو 4 أضعاف تكلفته عام 2005 وأطالب المالك أن يؤجر وحداته بأسعار إيجارات 2005.
ويجب علينا ألا نوجه اللوم للمالك لأن السوق العقاري في أبوظبي نشط ، والمستأجر الراغب في تأجير وحدات بسعر أقل سيجد ما يسعى وراءه ومن يبحث عن السعر الأعلى سيحقق مراده والفارق بطبيعة الحال يتعلق بالمواصفات والخدمات والصيانة.
ويرى المزروعي أن الإيجارات في أبوظبي تراجعت بالفعل وإن لم تكن نسبة التراجع كما كان متوقعا لكن الواقع يؤكد أن هناك تراجعا والأهم من ذلك هو توفر الكثير من الوحدات السكنية والمكتبية سواء الجديدة والقديمة. وعلينا أن نترك السوق يحدد أسعاره بنفسه. وسابقا خاصة في سنوات الثمانينات والتسعينات تراجعت الإيجارات بشكل كبير لكنها عادت للصعود مرة أخرى ثم تتراجع وتصعد وهكذا هي إيجارات أبوظبي منذ سنوات.
مكاتب عقارية
وتتوقع المكاتب العقارية الكبرى في أبوظبي أن تتجه الإيجارات إلي مزيد من التراجع في المدينة خلال الأشهر القليلة المقبلة بنسب تتراوح بين 2% و3% وهو تراجع محدود بسبب تسليم عشرات المشاريع الجديدة.
ويشدد عبد الرحمن الشيباني المدير العام لمكتب الغانم للعقارات في أبوظبي على أن غالبية المكاتب العقارية في أبوظبي لديها معروض جيد من الوحدات السكنية المختلفة لافتا إلى أن هذا المعروض تزايد بشكل ملحوظ خلال الأيام الماضية بعد تسليم العديد من البنايات السكنية التي تضم أكثر من 12 طابقا في مناطق متفرقة في أبوظبي خاصة منطقة معسكر آل نهيان إضافة إلى تسليم بنايات جديدة في منطقة شرق 33 ومناطق متفرقة خلف شارع المطار وبجوار المبني القديم لكراج البلدية، ومن المتوقع أن يتضاعف عدد الوحدات المعروضة خلال الستة الأشهر المقبلة أو العام المقبل على أقصي تقدير مع انتهاء تشطيبات الأبراج الشاهقة الجديدة في مدينة أبوظبي.
ويؤكد الشيباني على أن غالبية سكان مدينة أبوظبي لا يشعرون بوجود تراجع حقيقي وكبير في الإيجارات لافتا إلى أن السبب وراء ذلك يرجع إلى أن طفرة الإيجارات خلال العامين الماضين كانت غير معقولة حيث وصل إيجار الوحدات السكنية القديمة أو الجديدة غرفتان وصالة إلى 180 ألف درهم بعد أن كانت قيمتها الإيجارية لا تزيد لدى إدارة المباني التجارية التي كانت تتولي مسؤولية التأجير عن 45 ألف درهم. لذلك فإن الإيجارات عندما تتراجع إلى 120 ألف درهم تبقى مرتفعة للغاية.
وبلا شك فإن تراجع الإيجارات في الوقت الحالي في المدينة يعتبر تدريجيا وبطيئا عكس التراجع الملحوظ في الإيجارات السكنية والتجارية خارج المدينة وخاصة في مناطق مصفح ومحمد بن زايد و»خليفة أ» حيث تراجعت الإيجارات حاليا بنسب وصلت إلى 35%.
حركة الطلب
ويري عتيبة العتيبة الخبير العقاري ورئيس لجنة العقارات السابق في غرفة تجارة وصناعة أبوظبي على عدة حقائق وهي أن الطلب في أبوظبي لم يختف بل مازال قائما. ومن المتوقع أن يتزايد هذا الطلب خاصة مع دخول العديد من المشاريع الضخمة للتنفيذ مثل مشروع المطار الجديد ومشروع الطاقة النووية ومشاريع البتروكيماويات الأمر الذي يؤكد أن أبوظبي ولادة للمشاريع الكبرى التي تخلق فرص عمل كثيرة وبالتالي تكون هناك حاجة لوحدات سكنية لهذه العمالة.
ويشدد على أن السوق العقاري في أبوظبي لن يشهد كسادا سواء للإسكان المتوسط أو الفاخر بل سيظل الطلب والسوق يتغير بين الصعود والتراجع المحدود.
طلب كبير
ويتفق الخبير العقاري حارب النيادي مع ما ذكره العتيبة مشيرا إلى أن الطلب على السكن في مدينة أبوظبي مازال كبيرا حيث مازالت أعداد كبيرة من العمالة الأجنبية تتدفق على الإمارة من الإمارات الأخرى بحثا عن عمل، وهو مايفسر استمرار ظاهرة ارتفاع الإيجارات أو استقرارها عند مستويات مرتفعة حيث إن الطلب قوي ومستمر فضلا عن أن البنايات الجديدة التي تدخل السوق محدودة ويفضل مالكوها ومكاتب العقارات التي تديرها تأجيرها بأسعار مرتفعة حيث إن تكلفة إنشائها وتشطيبها مرتفعة.
استقرار
ويشدد النيادي على أن عودة الإيجارات إلى ما قبل عام 2007 أمر مستحيل في الوقت الحالي أو المستقبل القريب لافتا إلى أن الإيجارات ستستقر خلال العام المقبل بعد تسلم المشاريع العقارية الكبرى عند مستويات مرتفعة كما هو حاليا وما يؤكد صحة ذلك على أن التراجع الحاصل في الإيجارات داخل المدينة خلال الاشهر الماضية هو تراجع محدود وبطيء جدا وهذا يفسر تدني نسبة التراجع ولن تتراجع الإيجارات بقوة خلال الفترة المقبلة حيث أن الطلب على السكن في المدينة مازال مرتفعا للغاية.
ولفت النيادي إلى أنه على الرغم من أن المناطق الجديدة خارج أبوظبي تتمتع حاليا ببنية تحتية وخدمات ومرافق وطرق بصورة جيدة إلا أن غالبية الوافدين خاصة الجدد مازالوا يفضلون السكن داخل المدينة وليس خارجها حيث تعد المدينة جاذبة لهم بصورة كبيرة الأمر الذي يعزز تزايد الطلب على السكن في المدينة ويفسر استمرار ارتفاع الإيجارات فيها.
ويشدد على أنه من الصعوبة التنبؤ بمستقبل الإيجارات في مدينة أبوظبي مشيرا إلى أن ارتفاع أو انخفاض الإيجارات يرتبط في الوقت الحالي بتنفيذ المشاريع التطويرية الكبرى للحكومة مثل مشاريع الطاقة النووية والنفط والبتروكيماويات حيث إن هذه المشاريع تجلب عمالة أجنبية كبيرة تمتص أي معروض جديد من الوحدات السكنية.
تراجع إيجارات المكاتب 20%
يرى مبارك العامري رئيس مجلس إدارة شركة الصمود العقارية على أن إيجارات المكاتب أفضل كثيرا من إيجارات المساكن حيث تراجعت إيجاراتها بنسب وصلت إلى 20% والسبب في ذلك يرجع إلى أن ملاكا كثيرين غيروا رخص مبانيهم السكنية بعد هدمها إلى أبراج مكتبية فضلا عن تشييد أبراج مكتبية بمساحات كبيرة خارج المدينة مثل برج شركة الدار الأمر الذي أوجد معروضا كبيرا.
كما تشهد العاصمة حاليا معروضا أكبر من المكاتب لعدة أسباب أبرزها الانتهاء من تشييد أبراج جديدة تم تخصيص غالبية وحداتها لمكاتب إدارية إضافة إلى استمرار العديد من الملاك في تحويل بناياتهم السكنية إلى مكاتب إدارية للحصول على المزيد من الأموال.
ولفت إلى إن إيجار المتر المربع للمكاتب الإدارية القديمة تراجع حاليا من ألفي درهم إلى ما بين 1200 -1500 درهم في غالبية مناطق أبوظبي بينما إيجارات المتر في المباني الجديدة يتراوح بين 2000 -3000 درهم علما بأن سعر السوق للمتر القديم لا يزيد عن 1000 درهم والجديد 1500 درهم.
ونلاحظ ارتفاعا في إيجارات المكاتب بالعديد من المناطق مثل منطقة الخالدية وهذا الارتفاع له مبررات عديدة أبرزها حيوية هذه المناطق واكتظاظها بالمؤسسات والبنوك فضلا عن أن مواقعها متميزة وبصفة خاصة مكاتب الخالدية حيث تقع بالقرب من شارع الخليج العربي الذي يعد من أكثر الشوارع حيوية في الإمارة ويجعلها مقصدا للسكن وممارسة التجارة.
تراجع محدود
ويتوقع العامري أن تتراجع إيجارات المكاتب حتى نهاية العام المقبل لكن نسبة التراجع ستكون محدودة جدا داعيا الملاك إلى استيعاب معطيات السوق الجديدة والتي تؤكد تزايد المعروض وتراجع الإيجارات فضلا عن أن غالبية البنوك تضغط حاليا على الملاك لتحصيل قروضهم التي اقترضوها لتمويل عمليات بناء بناياتهم المكتبية الجديدة.
ويختتم بالتأكيد على أنه لا يوجد خبير أو مسؤول لديه تنبؤ قاطع بما سيحدث في أبوظبي خلال الأشهر المقبلة لكن مؤشرات عديدة تؤكد على أن الإيجارات لن تنخفض وستستقر عند مستوياتها المرتفعة الحالية وقد تعاود الارتفاع عام 2013 مع انطلاق مشاريع أبوظبي العملاقة.




