يمكن تلخيص المشهد في السوق العقاري ما بين اندلاع الأزمة المالية العالمية حتى بداية العام الجاري الذي تترسخ فيه صور الانتعاش والنمو، في بضعة كلمات هي "أن العقارات غادرت الإنعاش إلى الانتعاش".

فقد خاض هذا القطاع الحيوي والأنشطة الاقتصادية المرتبطة به معركة بقاء خلال 2009 و2010 وخرج منتصراً في 2011 بشهادات محلية ودولية لعل أنصعها قوة ومصداقية إقبال المستثمرين ثانية على عقارات الإمارات التي تبوأت مكانتها المتقدمة في سلسلة العوامل التي جعلت الإمارات الملاذ الآمن للمستثمرين من مختلف بقاع العالم، والى درجة بلوغ عائدات عقارات الإمارات 3 أضعاف أرباح الودائع المصرفية.

وداعاً للأزمة

يدرك أغلب المطورين والمقاولين والبنوك والموردين والمؤجرين الذين ابتسمت لهم دبي وملأت جيوبهم بأرباح هائلة منذ 2004 يدركون جميعاً أن عامي 2009 و2010، وهما الأعوام التي كشرت فيها الأزمة عن أنيابها، ولت إلى غير رجعة.

ورغم الضربات الموجعة التي تلقاها القطاع في تلك الأعوام والتي زادتها قسوة البنوك في حبسها للتمويلات والقروض عن المشاريع والشركات والأفراد إلا بشروط قاسية، إلا أن السوق العقاري وصناعة التطوير تمكنتا من النجاة على ظهر قارب الصمود الذي أقله بسياسات حكومية إلى بر الآمان. وكانت الحصيلة كسب معركة الأزمة بالشفافية وحماية حقوق المستثمرين والتصحيح السعري وطرد المضاربين.

يمكن وصف عام 2010 بأنه عام تراجع الإيجارات بعدما كان تراجعها حلماً مستحيلاً، لكن يبدو أن "الأحلام الوردية تتحقق أيضاً" لاسيما عندما "تعود الأمور إلى طبيعتها" حتى بات المستأجرون أكثر دلعاً عام 2010 حتى نهاية 2011 مما كانوا عليه من الحسرة عام 2007 فهم اليوم أصحاب اليد الطولى والكلمة الفصل في السوق وباتت طلبات البعض منهم تجنح الى غير المعقول بسبب التحول الهائل في خارطة العرض والطلب وتحديداً بعدما بدأت عقارات الحكومة تدخل معلنة نهاية حقبة من الجشع في القطاع الخاص وبدا وكأنها تحقن سوق الإيجارات بجرعات إضافية نوعية من التصحيح السعري.

ثمة سؤال منطقي قد يلتمع في الإذهان مفاده "لماذا لم تتدخل الحكومة بعقاراتها لكبح جماح الأسعار في السوق ونزع فتيل جشع المؤجرين عندما تراوحت زيادات الإيجارات مابين 100 % و300 % مابين أعوام 2002 و2007 ؟

سيأتي الجواب شفافاً على محورين الأول: هو أن عقارات الحكومة كانت ما تزال قيد الإنشاء في تلك الفترة وعندما جرى إنجاز أغلبها العام الجاري دخلت الخدمة مباشرة، اما المحور الثاني فهو أن الحكومة لم تبخل في التدخل منذ عام 2006 وحتى 2010 لتحديد السقف الأعلى المسموح به لزيادة القيمة الإيجارية. وكان قراراً صائباً عدم تدخلها لتحديد القيمة حماية لمفاهيم السوق المفتوحة التي تتبناها الدولة من التعرض الى الضرر.

الصلح خير

وكان لإعلاء جانب الود والصلح حصة كبيرة في الفصل في المنازعات الجاري في سوقي الإيجارات والبيع فقد صالحت دائرة أراضي وأملاك دبي أطرافاً عقارية متنازعة في 3000 قضية في ذروة الازمة عام 2010 طبقاً لمحمد سلطان ثاني مساعد مدير عام دائرة أراضي وأملاك دبي لشؤون الحوكمة.

وقال ثاني: "إن تلك النتائج الطيبة جاءت محصلة لجهود مركز التوفيق الذي أسسته الدائرة بداية العام الجاري وقام على خبرات متراكمة على مدى 50 عاماً تمثل عمر الدائرة في عمليات التسجيل والتوثيق وحفظ الحقوق العقارية".

وأكد أن الدائرة تعي حجم مسؤولياتها، لذلك لم تدخر لا الوقت ولا الجهد كي تكون صاحبة نظرة استباقية لجهة توقع المشاكل قبل حدوثها ووضع سيناريوهات لمعالجتها وحلها ما يضمن لها أسساً حقيقية لتحقيق النجاح على هذا الصعيد".

أما المنازعات الإيجارية في دبي فقد تراجعت بدءا من 2010 وانخفضت إلى النصف في 2011 مقارنة بأعوام الذروة في الطلب على سوق الإيجارات خلال الأعوام التي سبقت تداعيات الأزمة المالية العالمية.

وأوضح سعيد محمد الكندي رئيس لجنة المنازعات الإيجارية في بلدية دبي، أن عدد الشكاوى التي تتلقاها اللجنة 100 شكاوى أسبوعياً في الوقت الراهن هبوطاً من شكاوى يتراوح عددها مابين 175 إلى 200 شكوى في الأعوام الماضية التي شهدت تضخماً مبالغاً فيه من جانب بعض المؤجرين حسمتها خلال العام الماضي بلغت 3 آلاف نزاع بينما كانت اللجنة قد حسمت نزاعات تجاوز عددها الـ8 آلاف نزاع عام 2008.

وأرجع أسباب تراجع عدد المنازعات إلى سببين بارزين، فالتدخل الحكومي على مدى الأعوام الأربعة الماضية ضبط إيقاع السقف الأعلى للزيادات السعرية في قيمة العقود الإيجارية مما خلق شعوراً بالطمأنينة لدى السكان وساهم في إضفاء حالة استقرار كانت مفقودة في سوق الإيجارات.

وكان المؤجرون خلال الأعوام التي سبقت التدخل الحكومي يفرضون على المستأجرين قيمة إيجارية جرى تحديدها تلبية لطمع وجشع بعض الملاك بعيداً عن معايير السوق وحركة العرض والطلب وأدى ذلك إلى ظهور آلاف النزاعات بين المؤجرين والمستأجرين.

وأشار الكندي إلى أن السبب الثاني في تراجع النزاعات يكمن في دخول عدد جديد من الوحدات السكنية والمكتبية خلال العام الماضي وزيادة المعروض في السوق.

ويقدر عدد الوحدات السكنية التي دخلت العامين الماضيين، وتلك التي ستدخل العام الجاري بأكثر من 100 ألف وحدة طبقاً لبيانات رسمية من دائرة أراضي وأملاك دبي. وساهم دخول تلك الوحدات للسوق في ظهور بدائل كثيرة شجعت المستأجرين على التفاوض والحصول على أسعار منافسة عند تجديد عقودهم.

وشهد سوق الإيجارات بداية العام الجاري تحولاً يصفه المراقبون بالمهم لاسيما فيما يتعلق بتعاملات المؤجرين الذين تراجعوا عن مطالبة المستأجرين بالقيمة الإيجارية على دفعتين أو ثلاث واستبدالها بـ12 دفعة.

يقين

محمد العبار رئيس مجلس إدارة إعمار العقارية عبر عن يقينه من أمر واحد، وهو أن دبي تجاوزت أسوأ أزمة مالية عرفتها ذاكرة الإنسان. وقال: إنه من الصعوبة بمكان بالنسبة لبعض الناس ان يتوقفوا وأن يكونوا بلا فائدة.

العبار اشار إلى أن أثرياء العالم يقبلون بقوة على شراء عقارات في دبي لثقتهم بجدواها وعائدها الاستثماري، وجاءت تصريحاته في بيان ركز على تحقيق اعمار صافي أرباح تشغيلية بقيمة 1.22 مليار درهم إماراتي (332 مليون دولار أميركي) خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2012، مسجلة نمواً قدره 45 % مقارنة بصافي الأرباح التشغيلية في النصف الأول من عام 2011 والذي بلغ 843 مليون درهم (230 مليون دولار أميركي).

اختبار القوة

قال الدكتور أحمد سيف بالحصا رئيس جمعية المقاولين التي لعبت دوراً بارزاً في حسم ملف ديون المقاولين لدى نخيل "إن الأزمة كانت اختبارا لشركات المقاولات وقد نجح أغلبها في اجتياز هذا "الامتحان القسري". واضاف في حوار سابق مع البيان أن الأزمة المالية العالمية، ومشاكلها تعددت وتفرعت من مشكلة رئيسة الى مشاكل أخرى عانت منها تلك الشركات لكن الحمد الله بفضل سياسة الدولة وقيادتها الحكيمة تمكن القطاع من تجاوز الأزمة مختبراً مطاولته على هذا الصعيد. وأكد بالحصا أن "المؤشرات ترسم بما لا يقبل الشك صورة لطفرة إنشاءات جديدة تتميز عن سابقاتها بأنها منظمة وناضجة".

عودة الرافعات

نخيل التي كانت تئن من الأزمة المالية العالمية بالأمس لم تعد كذلك اليوم، فقد نجحت في هيكلة الشركة وتمضي قدماً في إطفاء الديون وتجاوزت ذلك إلى تسليم المشروعات التي توقفت عشية الأزمة وإطلاق مشروعات جديدة والانتقال الى الربحية فقد بلغت الأرباح الصافية لشركة نخيل العقارية، أحد أكبر مطوري العقارات في الإمارات والمنطقة، 767 مليون درهم خلال النصف الأول من العام الحالي، مسجلة نموا بنسبة 36.5 % مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، اذ حققت حينها 562 مليون درهم.

وتشكل الأرباح الصافية لـ«نخيل» نحو 25 % من اجمالي ايراداتها خلال الأشهر الستة الأولى من العام الحالي. لكن اللافت أن ايرادات «نخيل» خلال 6 أشهر تعادل أكثر من 75 % من ايرادات 12 شهراً الماضية.

وقال رئيس «نخيل» علي راشد لوتاه: إن الأداء المالي والنتائج المتحققة إنما تعكس الدعم المتواصل والالتزام الذي أبدته حكومة دبي لنخيل لتنفيذ استراتيجية الأعمال التجارية المستدامة على المدى المتوسط والمدى الطويل، ويرجع ذلك بشكل كبير في خفض التكاليف وحسن ادارة النقد.

العمل بصمت

مرت أعوام الأزمة ثقيلة على شركة الاتحاد العقارية بسبب التوسع المبالغ فيه من جانب الإدارة السابقة في مشروعات التطوير لكنها اليوم تتعافى وبقوة رغم صراحة خالد بن كلبان العضو المنتدب لشركة الاتحاد العقارية التي وصف فيها عام 2011 بالصعب، إذ تكبدت خسائر الشركة بـ1.5 مليار درهم من جراء إعادة تقييم محفظة مشروعاتها العقارية، لكنه بشر المساهمين بتجاوز الاتحاد العقارية 85 % من التحديات التي واجهتها عقب الأزمة المالية العالمية كما تمكنت من العودة إلى تحقيق الأرباح وتعتزم خلال 2012 استرداد 550 مليون درهم تمثل 60 % من قيمة عقارات تعثر ملاكها في سدادها للاتحاد العقارية. فضلاً عن نجاحها في خفض مديونيتها لشركات مقاولات بنسبة 50 %.

لا مضاربات

وترى جمعية دبي العقارية على لسان رئيسها احمد المطروشي أن طبيعية الأسعار العقارية في السوق في الوقت الراهن (لم تعد خاضعة إلى المضاربات عقب انسحاب المضاربين، وطبيعي من حيث أنه بدأ يستقر ويتحلى بالنضج أكثر من أي وقت مضى، وطبيعي لأن الشركات العقارية التي توجد بقوة الآن هي التي تستحق أن تبقى في حين بدأ السوق يضغط على الشركات غير المحترفة التي جاءت مع الطفرة بضرورة الانسحاب في سوق أثبتت الوقائع أن مقاعده محجوزة فقط للمحترفين، وأولئك الذين يوجدون في زمن التحديات وليس في زمن الطفرات. وأولئك الذين يتمتعون بملاءة مالية جيدة تمكنهم من عبور الظروف الصعبة بإدارة حكيمة تعتمد ترشيد النفقات في زمن الوفرة وليس في زمن شح السيولة فقط.

تدخل قوي

كان سلطان بطي بن مجرن مدير عام اراضي وأملاك دبي رئيس مجلس إدارة مؤسسة دبي العقارية، أكثر المتفائلين بعودة الاستقرار إلى سوق الإيجارات خلال عام 2009 ووعد في 2008 بإجراءات تعجل الاستقرار في السوق وهو ما حصل فعلاً، فقد عدلت دبي العلاقة بين مؤجري ومستأجري العقارات في الإمارة بالقانون رقم 23 لسنة 2008 فلم يعد المؤجر قادراً على التحكم بمصير العباد وفقاً لأهوائه فيخلي العقار متى شاء أو يرفض تأجيره متى أحب. يمكن الاطمئنان إلى أن دبي وفرت عبر ذلك التشريع مظلة قوية تحمي حقوق جميع الأطراف. إلا أن دعم المستأجر لم يتوقف عند التشريعات التي تهيئ لسوق مستقر، الحاجة تتنامى إلى دعم من نوع آخر.

ولذلك دخلت "وصل" وهي مجموعة إدارة أصول المملوكة لمؤسسة دبي العقارية ويرأسها تنفيذياً هشام عبدالله القاسم الذي يرى أن خطوة المجموعة في ضخ عشرات الوحدات السكنية الى السوق يأتي مساهمة منها في إكساء سوق الإيجارات بالمزيد من الاستقرار عبر دفع حركة التصحيح إلى أعلى مدياتها بما يخدم المصلحة العليا . ويعتقد القاسم أن "استقرار سوق الإيجارات سيجعل الصورة أكثر وضوحاً لما يجب أن تكون عليه الأسعار في سوق التملك الحر.

سبقت مجموعة وصل، مجموعة دبي للعقارات التابعة لدبي القابضة إلى سوق الإيجارات بمئات الفلل والشقق السكنية المتنوعة وبأسعار تبدأ من 40 ألف درهم وتنتهي عند 75 ألف درهم، (كانت تتراوح مابين 120 ألف درهم و200 ألف درهم سابقاً). يرأس هذه المجموعة خالد المالك ويرى أن المجموعة كانت المحرك الأساس لحركة التصحيح السعري ولم تبخل على المستأجرين بتوفير سعر منافس لخدمات مميزة.

وبالتأكيد يمكن ملاحظة الفارق السعري ما قبل وبعد تدخل الحكومة، ويبدو جلياً أن الأسعار التي تعرضها وصل ودبي للعقارات بريئة تماماً من فايروسات الجشع. وذلك ليس غريباً لأن الحكومة لا تسعى -قطعاً- الى تحقيق أرباح من وراء عقاراتها وعلى حساب أبنائها والمقيمين في أرضها بقدر ما تسعى إلى توفير حياة حرة كريمة لهم.

اتجاهات

يرسم كريغ بلمب رئيس قسم الأبحاث في شركة جونز لانغ لاسال الشرق الأوسط اتجاه آخر للاستثمار العقاري في المنطقة عموماً والإمارات على وجه التحديد وسماه "منازل حقيقية لأناس حقيقيين" ويقول: إن 60 % من المساكن واغلبها فاخرة كانت هدفاً للمضاربين خلال السنوات التي أعقبت الطفرة العقارية في دبي.

شعبية متزايدة

تقول مؤسسة بحثية عالمية: إن شعبية الإمارات تتزايد لدى أثرياء دول أفريقيا وآسيا الراغبين بشراء عقارات فاخرة. واشارت في دراسة حديثة إلى أن تغير اتجاهات بوصلة اهتمام أثرياء العالم نحو عقارات الإمارات عموماً ودبي على وجه خاص لم تكن على ما هي عليه في تسعينيات القرن الماضي. وأوضح تقرير مؤسسة نايت فرانك الدولية، التي ترصد حركة أسعار العقارات الفاخرة على مستوى العالم، أن التطور الاقتصادي والقفزات التنموية الهائلة التي شهدتها الإمارات جعلت من سوقها العقاري فاكهة مغرية للأثرياء والميسورين من مختلف الجنسيات.

مواصفات

يؤكد مات جرين رئيس قسم بحوث واستشارات الإمارات في "سي بي آر إي" الشرق الأوسط ، أن هناك العديد من الإيجابيات التي يمكن أن تؤخذ من النمو الاقتصادي والسكاني القوي الذي حصل خلال العام الماضي في دبي، مما يعكس تحسناً في بيئة الأعمال. ويمكن القول: إن حجم التحديات التي كانت تترصد مستقبل العقارات قبل عامين ليست بالحجم ذاته في الوقت الراهن إذ تراجعت كثيراً في ظل البدء بامتصاص العرض الفائض.

إنفاق حكومي

إندي وايت وإن كان مديراً لفعاليات معرض الخمسة الكبار إلا أنه في حديث لـ البيان أشار إلى أن مراقبة قطاع الإنشاءات تظهر على نحو صريح توجهات القطاع الخاص إلى أي نوع من العقارات سنستقبلها في الأعوام المقبلة ومن تستهدف فضلاً عن مراقبة التوجهات الحكومية في الإنفاق على مشروعات البنية التحتية التي تساهم في زيادة قيمة تلك المشروعات العقارية.

ويرى وايت ان قطاع العقارات يرمي ثقله على تقديم منتجات وصفها بالإبداعية تخدم توجهات المنطقة لجهة تنفيذ مشاريع عقارية مستدامة. وقال: إن من المتوقع أن يتجاوز الإنفاق على أنشطة البناء والتشييد 75 مليار دولار (276 مليار درهم) خلال العام الجاري في الإمارات. لافتاً إلى أن حصة دبي من تلك الكعكة الإنشائية تقترب من 40 % منها وبما يعادل نحو 110 مليارات درهم.

وأشار وايت إلى أن هذا العام الأكثر تحدياً حتى الآن، ففي حين أن اقتصادات منطقة الشرق الأوسط والاقتصادات الآسيوية تتمتع بقوة وصلابة، فإن الوضع الاقتصادي في أوروبا يزيد من قتامة المشهد العقاري في أسواق لطالما تمتعت بجاذبية للمستثمرين العقاريين.

 

«أراضي دبي» تتصدى للأزمة بالتنظيم العقاري وتشجيع الاستثمار

 

سجلت أعوام الأزمة بروز دور لافت لأراضي وأملاك دبي على صعيد تنظيم السوق العقاري وجعله أكثر نضجاً وشفافية وجاذباً للاستثمار، ما جعلها مؤهلة لتتقدم باسم الإمارات إلى المرتبة الرابعة عالمياً في مؤشر يراقب شفافية وسهولة التسجيل العقاري على مستوى العالم.

وكانت الإمارات تحتل المرتبة 11 عالمياً في المؤشر نفسه العام الماضي لكن إطلاع اللجنة الدولية على آلية التسجيل العقاري التي لا تتطلب غير إجراء واحد ويوم واحد لإتمامها في دبي جعلت نتائج المؤشر للعام 2011 تجري لصالح سمعة الدولة وتقليص الفارق بين العامين الماضي والجاري 7 مرتبات.

كما لم تكتف الدائرة بدورها في التوثيق والتسجيل والتنظيم بل تعدته الى تشجيع الاسستثمار عبر سلسلة مبادرات.

وقد شهدت تلك الأعوام توجهاً جديداً لأراضي وأملاك دبي عبر إطلاق برامج ومبادارت نوعية في مقدمتها إطلاق مركز إدارة وتشجيع الاستثمار العقاري بمباركة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، حماه الله، ليتحول المركز إلى غرفة عمليات اقتصادية يعمل فريق عمل مواطن يجري تأهيله لابتكار الوسائل النوعية لمواجهة التحديات القائمة في السوق العقاري وصياغة دروب جديدة غير مطروقة هدفها تحقيق المكاسب لصناعة العقار ولمتعاملين فيه عبر حماية حقوقهم وتمكينهم من الحصول على الفرص الواعدة في السوق.

وطبقاً لمدير عام دائرة أراضي وأملاك دبي سلطان بطي بن مجرن فإن "تأسيس المركز يهدف إلى تشجيع وإدارة الاستثمار العقاري في إمارة دبي ويعد الأول من نوعه على مستوى الدولة".

نقلة

وأوضح بن مجرن "أن المركز أخذ على عاتقه تحقيق نقلة نوعية في السوق العقاري من خلال صياغة وتطبيق خطط إستراتيجية جديدة ترمي إلى تحقيق تنمية شاملة وتنظيم نوعي للبيئة الاستثمارية المتصلة بصناعة العقار".

ويتبع مكتب إدارة وتشجيع الاستثمار العقاري مدير عام الدائرة فيما تتولى قيادته والإشراف المباشر على نشاطه ماجدة علي راشد مستشار أول الإستراتيجية مدير أول التخطيط والتطوير المؤسسي بالدائرة.

ووصف بن مجرن المركز بأنه "مقدمة لجهود الدائرة الرامية إلى تحويل التحديات في السوق العقاري إلى فرص نوعية مبنية على أسس الاستثمار العقاري طويل الأمد".

تكريس

ولفت إلى أن "الدائرة تكرس جهودها وإمكانياتها لإسناده وتوفير المناخ النموذجي ليحقق أهدافه وفي مقدمتها ابتكار طرق جديدة تحفز الحركة العقارية في الإمارة وتشجع الاستثمار المباشر والاستثمار طويل الأمد في السوق العقاري".

وأكد بن مجرن أن للمركز مساحة واسعة ليتحرك في سبيل تحقيق أهدافه وأبرزها "صلاحيته في اقتراح السياسة العامة لإدارة وتشجيع الاستثمار العقاري بما في ذلك وضع الاستراتيجيات الخاصة والخطط والبرامج اللازمة لتنفيذها، فضلاً عن دراسة البيئة الاستثمارية العقارية وما يرتبط بها من الأنشطة الاقتصادية لوضع التوصيات اللازمة لزيادة التشجيع والتوجيه الأمثل للمشاريع العقارية".

وأشار بن مجرن أن المركز لن يتأخر في تقديم الخدمات اللازمة للمستثمر في جميع مراحل تنفيذ المشاريع الاستثمارية، لاسيما وأنه سيكون وراء التخطيط الأمثل للفرص الاستثمارية العقارية في إمارة دبي.

كما سيكون للمكتب صلاحية اقتراح التشريعات اللازمة لتحسين وتشجيع البيئة الاستثمارية العقارية إلى جانب مقدرته في التنسيق مع الجهات الحكومية والخاصة ذات الصلة والاستفادة من الخبرات في مجال الاستثمار العقاري، وكذلك الاستعانة بمكاتب الخبرة والاستشارات العالمية في تطبيق المعايير الدولية وأفضل الممارسات في مجال الاستثمار العقاري.

 

قوة النموذج الإماراتي

 

مثلما استلهم نموذج الإمارات الحضاري الملايين من عقلاء العالم فقد أدهش منهجها في معالجة تبعات وتأثيرات الأزمة المالية العالمية العديد من المحللين وحطم الكثير من الأقلام الحاقدة.

وعند اندلاع الأزمة المالية في الولايات المتحدة الأميركية في 2008 كان من الطبيعي أن تلحق بعض من شظايا تلك الأزمة باقتصاد الدولة نظراً لديناميكيته وانفتاحه على الأسواق العالمية. لكن السؤال في ذلك الوقت لم يكن عن أسباب الأزمة بل عن الكيفية التي يمكن أن تعالج بها.

ويتفق الكثير من المحللين على أن الأزمة جسدت بشكل كبير مدى نجاح الرؤية الإماراتية في إيجاد معالجات منهجية وموضوعية أعادت عجلة الاقتصاد بسرعة فائقة إلى الطريق الصحيح في وقت لا تزال فيه الولايات المتحدة الأميركية ودول منطقة اليورو تواجه صعوبات كبيرة في الخروج من أزمتها.

تخطت القطاعات المتأثرة في الدولة الأزمة بسرعة ماراثونية لكن انطباع العالم عن الحكمة التي اتبعتها الإمارات في تقريب المسافات وإصلاح الثغرات سيستمر لسنوات طويلة وربما يدخل في إطار الفكر الاقتصادي الذي يستحق أن يكون منهجاً يدرس لطلاب التخطيط والاقتصاد في أعرق الجامعات.

 

ثلاثية الشراء

 

قال ليم بيلي رئيس قسم البحوث المشروعات السكنية في مؤشر نايت فرانك البريطاني العالمي: إن الأثرياء يبحثون الخيارات المتاحة أمامهم، وفي مقدمتها شراء العقارات واستثمار ثرواتها، لكن مجموعة من الأسباب يمكن أن تشكل ثلاثية تتحكم بقراراتهم النهائية وفي مقدمتها أن يكون العقار في بلد آمن ومستقر سياسياً واقتصادياً.

وأضاف أن مقارنة العقارات في الأسواق الناشئة لم تكن قادرة على منافسة نظيراتها في الأسواق التقليدية العريقة بسبب نمط الحياة في الدول المتقدمة ومزايا التعليم والرعاية الصحية لكن الصورة اليوم تبدلت لصالح عقارات الأسواق الصاعدة لاسيما وأن الأسواق العريقة تقع تحت طائلة الأزمات الاقتصادية وخطط التقشف واحتمالات الغرق في استحقاقات الديون السيادية وتحديداً في منطقة اليورو، ما يزيد تنافسية الأسواق الناشئة.

وتتمتع دولة الإمارات التي تتوسط تتوسط ثلاث قارات هي آسيا وأوروبا وأفريقيا، بمجموعة هائلة من المميزات أبرزها ترسيخها مكانتها العالمية كملاذ آمن للمستثمرين والمناخ الاستثماري المتفوق بحزمة من التسهيلات غير المسبوقة فضلاً عن البنية التحتية الأكثر تطوراً على المستوى العالمي وتوفيرها أسلوب حياة متفرداً للقاطنين فيها وفي مقدمتها الأمن والآمان.

 

دبي.. تحد ونمو

 

لم تكن القفزات الهائلة في أسعار العقارات بدبي بحدود 300% ما بين 2004 و2008 مصدراً لسعادة إمارة دبي ولا للسلطات المختصة التي رأت في تداعيات الأزمة المالية العالمية عام 2009 فرصة نموذجية ينبغي اقتناصها لتنظيم السوق وتحويل مساره إلى مزيد من النضج والشفافية لضمان كبح جماح الصعود الصاروخي للقيم الرأسمالية للعقارات والوصول إلى محركات حقيقية للأسعار وتدعيم مناخ التنافسية والجاذبية في السوق الذي طاله الضرر بسبب تضخم الأسعار.

أصدرت السلطات حزمة تشريعات رسخت الإطار القانوني للتعاملات العقارية وأقصت المضاربين خارج السوق وفتحت الباب على مصراعيه أمام حركة تصحيح سري أثلجت صدور المستثمر (المستخدم النهائي).

وحصد السوق العقاري العام الماضي ثمارا غالية لحملات التنظيم العقاري وتوفير الحماية للمستثمرين بعدما سجلت عمليات البيع العقارية مبلغ 47 مليار درهم في إطار تداولات إجمالية بلغت 143 مليار درهم مقارنة بـ123 مليار درهم في 2010. وباتت قائمة المستثمرين من ملاك العقارات تضم أكثر من 120 جنسية.

لقد تغيرت سوق الرهن العقاري في دبي تحديداً بوصفها أقوى محركات السوق العقاري وأصبح المضاربون خارج أسوار السوق وصفقاته الساخنة. فقبيل الأزمة العالمية كانت البنوك تبرم 380 عملية تمويل شهرياً وإنهارت إلى 40 عملية تمويل متشددة عام 2009 لتعاود النمو عند 170 عملية اقراض عقاري شهرياً خلال العامين الماضي والجاري.

 

تعليق آخر

 

ثمة فكرة تجول في عقول المشككين مع ابتسامة خبيثة تقول "إن أسعار وقيمة إيجارات العقارات تراجعت بسبب الأزمة المالية العالمية وليس لسبب آخر"! سنجد إصداء لهذا التصور الذي أنجبته عقول محدودة التفكير والتأمل لأن القيمة الإيجارية -وحتى أسعار البيع- كان لابد لها أن تتراجع سواء أكانت الأزمة المالية العالمية حاصلة أو لم تحصل.

وكان لابد للتصحيح السعري أن يحدث سواء إنهار سوق الرهن العقاري الأميركي أم نجا بأعجوبة. فالمراقب الذكي والمتابع الفطن لا يجهلان أن الطفرة العقارية الثانية انطلقت عام 2002 وتحولت إلى "ثورة عقارية" عام 2006 لذا كان من الطبيعي أن يبدأ إنجاز المشاريع عام 2008 وما يليها لتبدأ الوحدات السكنية بالتدفق فيتوازن العرض والطلب معلناً انطلاق مسيرة تصحيح تنفع الجميع ولا تضر أحدا. إذ إن عام التصحيح السعري كان 2008 أي العام ذاته الذي ولدت فيه الأزمة المالية العالمية.

 

تفوق عالمي

 

إن حظوظ عقارات المدن التي تنتمي إلى الأسواق الصاعدة هي الأوفر حظاً مع احتفاظ بعض المدن الغربية بحصتها رغم وقوعها في مناطق تشهد تقلبات وأزمات اقتصادية.

وطبقاً لرصد البيان فإن عقارات دبي وأبوظبي باتت نداً لفرنسا وبريطانيا لكنها تتفوق في تفضيلات المستثمرين على عقارات في مدن عدة تتوزع على الصين وسنغافورا وسويسرا وإيطاليا في حين شملت قائمة المدن التي يفضلها المشتري الخليجي دبي وأبوظبي وجنيف ولندن وأسطنبول وشانغهاي وروما وكولاردو وفلورنس وكوالالمبور وسدني وموناكو ومومباي.