بعد مرور خمس سنوات على انفجار فقاعة الرهون العقارية في الولايات المتحدة والاختلال الوظيفي في البنوك الأمريكية الذي سرعان ما تحول إلى "أزمة مالية عالمية" ألقت بعبئها الثقيل على العديد من الاقتصادات الرئيسة في العالم ومن ضمنها دول المنطقة والإمارات.

وكان القطاع العقاري في الدولة هو الأكثر تأثراً بتداعيات تلك الأزمة فانخفضت أسعار العقارات بصورة كبيرة بدءا من 2009 وسرعان ما امتد هذا التأثر إلى القطاع المصرفي الذي كان هو الداعم الأكبر للمستثمرين العقاريين من خلال التراخي في اشتراطات الإقراض سعياً وراء جني مزيد من الأرباح بسبب ضغوط المنافسة.

وأدى التفاؤل المفرط إلى نمو مستويات الائتمان بصورة كبيرة وسريعة في بنوك الدولة وصلت في سبتمبر 2008 إلى 49% من دون أن يدق أحد ناقوس الحذر للاستفادة من دروس الأزمات التي مرت بها دول آسيوية عدة في التسعينات والتي كان النمو القوي والمفرط في الائتمان هو شرارتها الأولى، وسرعان ما أصبحت القروض التي أعطيت خلال فترة الرواج متعثرة في فترة الركود.

فتأثرت سلباً نوعية أصول البنوك لارتفاع نسب القروض المتعثرة وبدأت شهيتها للإقراض في الاضمحلال سعياً منها لدعم نوعية رأس المال وترميم الضرر الواضح في النتائج الفصلية.

واليوم يؤكد خبراء مصرفيون وماليون أهمية استخلاص العبر والدروس من تلك الأزمة التي كانت بمثابة "سلاح ذو حدين" بالنسبة لاقتصاد الإمارات، فمن جهة تسببت الأزمة بحدوث بعض الركود وتراجع الأداء الذي لا تزال بعض القطاعات تعاني من آثاره، ولكنها في المقابل حددت بوضوح مواطن الضعف والثغرات في تلك القطاعات تمهيداً لتلقي العلاج.

ويقول هؤلاء أن من أهم دروس الأزمة التي استخلصها القطاع المصرفي هو ضرورة الاستمرار في مراجعة وتطوير وتدعيم البنى التشريعية والضوابط لتنظيم عمل البنوك والمصارف خصوصاً فيما يتعلق بشروط الإقراض وتحديد الرسوم لأن ذلك سيمكنها من التحكم وإدارة المخاطر بفعالية أكبر، ومن دون أن يعيق ذلك نمو الائتمان ومساهمته في التنمية الاقتصادية، مشيرين إلى أن المصرف المركزي شرع فعلاً بذلك ومنذ بدايات الأزمة من خلال تبني وفرض سياسات إقراض أكثر تحفظاً في البنوك كان من ضمنها فرض نظام القروض الشخصية الجديد اعتباراً من مايو العام الماضي بالإضافة إلى تحديد سقف الإقراض المتاح للشركات الحكومية، وتوحيد نماذج عقود القروض والتسهيلات المالية وغيرها من الضوابط.

تعزيز الضوابط

يقول فيصل كلداري المدير العام لقطاع الأعمال في بنك دبي التجاري: "سلطت الأزمة المالية العالمية الضوء على أهمية تعزيز الضوابط في العمل المصرفي والحد من الإفراط في الإقراض الذي ينعكس سلباً على كل من المؤسسات المالية والمقترضين، كما أكدت ضرورة تحقيق النمو في القطاع المصرفي بالتزامن مع انتهاج سياسات ائتمانية حصيفة، تأخذ بعين الاعتبار القدرات الائتمانية للعملاء والمخاطر المرتبطة بالقطاعات المختلفة، ودراسة كل حالة على حدة مع الابتعاد عن لعبة الاحتمالات خاصة وأن البنوك تعد بمثابة مرآة عاكسة لصحة الاقتصاد".

وقال كلداري على الرغم من أن القطاع المصرفي في دولة الإمارات أصبح اليوم أكثر قدرة على التعامل مع المتغيرات الاقتصادية في العالم، فمن الضروري مواصلة العمل على تقوية وتحديث الاطار التنظيمي للقطاع وبما يواكب المستجدات الاقتصادية الحاصلة على كافة الأصعدة المحلية والاقليمية والعالمية، وذلك لعبور الأزمات الاقتصادية ودورات الائتمان بسلام وضمان التمتع بقطاع مصرفي مستقر وسليم.

ونوّه كلداري إلى أن ازمة الرهون العقارية في الولايات المتحدة، كانت لها تداعيات عالمية طالت دولة الإمارات العربية المتحدة، وعلى الأخص القطاع العقاري الذي كان يشهد ارتفاعات سعرية كبيرة بسبب المبالغة في الاحتمالات والتوقعات، غير أن نمو المعروض في السوق أدى إلى اختلال ميزان العرض والطلب في القطاع العقاري الذي كان يستحوذ بالفعل على جزء كبير من السيولة مع تهافت المؤسسات المالية على إقراض القطاع في إطار تنافسها الشديد على تحقيق الأرباح، وقاد ذلك إلى تصحيح سعري حاد في القطاع العقاري ألقى بظلاله على أداء القطاع المصرفي.

وأضاف: هناك مؤشرات واضحة على أن القطاع العقاري الذي كان سبب العديد من المشكلات بدأ يستعيد عافيته مجدداً، لكن من الضروري عدم الاعتماد على المبالغة في التوقعات حتى يستمر التعافي اعتماداً على النمو الفعلي في الطلب، وليس بناء على مضاربات تقود إلى فقاعة جديدة، ومن شأن هذا التحسن في القطاع العقاري أن ينعكس إيجابياً على المحافظ الإقراضية للبنوك ضمن القطاع .

وأكد فيصل كلداري بقوله :"الدول تتعلم الكثير من الأزمات الاقتصادية، وقد تمكن اقتصاد دولة الإمارات من تجاوز تداعيات الأزمة المالية العالمية بكفاءة بالغة، وخرج القطاع المصرفي من الأزمة وهو أكثر قوة وصلابة بفضل الدعم الحكومي وقيام المصرف المركزي بوضع ضوابط على الاقراض بالتزامن مع قيام البنوك بتعزيز رؤوس أموالها وتنفيذ برامج مكثفة للارتقاء بأدائها وخدماتها."

قروض وسلفيات

يبقى "الاستواء" هو العنوان الأعرض للائتمان في الدولة حيث لم تتجاوز حجم القروض والسلفيات 1.7 تريليون دولار منذ بداية العام ولغاية اليوم. ولكن نتائج البنوك في الفصل الأول من هذا العام والتي أعلن عنها مؤخراً تعيد التفاؤل من جديد، وتعكس بوضوح أن السيولة تفيض في النظام المصرفي في الدولة، ولكن قد يمر بعض الوقت قبل أن يعود منحى الائتمان إلى الصعود من جديد.

وفي هذا الصدد يقول محمد برو الرئيس التنفيذي لمصرف الهلال أن من أهم الدروس التي يمكن استخلاصها من الأزمة هو الحاجة لوجود ضوابط تنظيمية بهدف تدعيم البنية التحتية للرقابة على المخاطر المحتملة وإدارتها بفعالية أكبر وهو ما شرع به المصرف المركزي منذ بدايات الأزمة وذلك من خلال تبني سياسات إقراض أكثر تحفظاً كان من ضمنها تحديد سقف الإقراض المتاح للشركات الحكومية، وتحديد الفوائد.

وأثنى برو على الشوط الكبير الذي قطعه الاقتصاد الإماراتي على طريق التعافي من الأزمة المالية العالمية منذ 2008، فبعد انكماش بنسبة 1.6% في 2009، عاد الناتج المحلي الإجمالي للنمو وبنسبة 1.4% في 2012 تبعها نمو قوي بنسبة 4.2% في 2011 وذلك بحسب بيانات وزارة الاقتصاد، وذلك بفضل ارتفاع أسعار النفط بالإضافة طبعاً إلى تنويع مصادر الدخل ومساهمة القطاعات غير النفطية بإيجابية وعلى رأسها التجارة والسياحة والتجزئة.

وأضاف: "رأينا مؤخراً كيف استطاعت الإمارات القفز من المرتبة الثامنة والعشرين إلى المرتبة السادسة عشرة في تقرير التنافسية العالمي قس الوطن العربي 2012 الصادر عن المعهد الدولي للتنمية والإدارة في سويسرا.

ومما يبعث على التفاؤل كذلك تمكن العديد من الشركات الحكومية من إعادة تمويل ديونها بنجاح في بداية هذا العام، لأن ذلك يدعم موقف تقييم المخاطر في الدولة.

" وأضاف برو أنه وعلى الرغم من زيادة العرض في السوق العقاري وديون بعض الوحدات والشركات الحكومية. وأضاف :"نعتقد أن الاقتصاد الإماراتي يكسب الزخم من جديد .

وحول حصانة اقتصاد الدولة من آثار الأزمة الراهنة في أوروبا والولايات المتحدة، أفاد برو أن الاقتصاد الإماراتي يبقى في وضع أفضل لعدة عوامل منها الوضع المالي القوي لحكومة أبوظبي يدعمها في ذلك التقييم الجيد من وكالات تصنيف عالمية.

وأما البنوك فهي تتمتع بسيولة قوية ومرونة كما أن إصدار الصكوك وصل إلى 28 مليار دولار منذ بداية العام ولغاية اليوم وهي تمثل زيادة بنسبة 86% عن نفس الفترة من العام الماضي، ما يشير إلى وجود طلب قوي من جانب المستثمرين في أسواق غير أوروبية.

فعلى الرغم من تصدر مؤشرات أزمة الديون السيادية الأوروبية والاقتصاد الأمريكي لائحة الأهمية عالمياً، إلا أنه يبقى هناك مؤشرات إقليمية فاعلة بدأت في البروز بوضوح بعد الربيع العربي.

ويضيف :"نلاحظ خلال أحداث الربيع العربي أن ازدياد حجم رؤوس الأموال المتدفقة على الدولة بالإضافة إلى نشاط في الطلب على العقارات المحلية.

تحديات

وفي السياق ذاته قالت ليز مارتينز الخبيرة الاقتصادية في بنك "إتش إس بي سي" الشرق الأوسط في دبي أن آثار الأزمة المالية العالمية بدأت تظهر بوضوح في الإمارات في عام 2009 ليعود النمو في 2012 و2011 إيجابياً من جديد.

والأمر المثير للاهتمام أنه في عام 2012، ازدادت أهمية ومساهمة القطاعات غير النفطية في دفع مسيرة تعافي اقتصاد الدولة، حيث يشير مؤشر "إتش إس بي سي" لمديري المشتريات في يوليو الجاري إلى نمو في الناتج ومعدلات التوظيف في القطاعات الخاصة غير النفطية خلال 2012 وهي قراءات مشجعة خصوصاً مع اضطراب الاقتصاد العالمي المضطرب وبداية الصيف في منطقة الخليج، وهذا في تباين واضح مع نتائج المؤشرات العالمية التي أظهرت تراجع في بياناتها حتى في دول كالصين.

وفي دبي تحديداً لاحظنا أن زيادة الطلب الخارجي أنعش تعافي القطاع الخاص، ناهيك عن تصحيح أسعار العقارات وبيانات الأداء القوية من قطاعي الضيافة والتجزئة.

وأضافت مارتينز:"من دون شك أن الإمارات اليوم هي أفضل مما كانت عليه في 2008/2009 خصوصاً وأن جزء كبير من الديون السيادية تم التعامل معها بنجاح عن طريق السداد في الموعد او السداد المبكر أو إعادة التمويل.

ويمكن القول أن من أهم دعائم اقتصاد دبي تحديداً هو التجارة غير النفطية التي يعتمد جزء مهم منها على التجارة مع الدول الأوروبية التي من ضمن المشاكل التي تعانيها انخفاض الطلب والاستهلاك.

كما أن البنوك الأوروبية هي أحد أهم مصادر التمويل بالنسبة للدولة وقد يتأثر هذا المصدر مع تراجع شهية المصارف الأوروبية للإقراض لأسباب عديدة.

ومن الآثار الأخرى للأزمة التي لا تزال المخاوف تثار حولها هو احتمال انخفاض أسعار النفط بصورة حادة ما قد يؤثر على ثقة القطاع الخاص والبنوك مع التوكيد على أن المؤشرات في الدولة هي أفضل مما كانت عليه كما ذكرنا. ويبقى القول أنه في الوقت الراهن لا زال الطلب من الأسواق الناشئة يحافظ على تماسك الأسعار ولا زالت الحسابات الحكومية تتمتع بفوائض كبيرة.

وحول التأثير الراهن للأزمة على الطاع المصرفي في الدولة، أضافت مارتينيز :"لقد تأثر النظام المصرفي بشدة بسبب انكشافه على القطاع العقاري والديون المتعثرة ولذلك يبقى الإقراض رهين التحفظ.

وعلى الرغم من تقلص فجوة القروض والودائع منذ ذروة الأزمة إلا أنه يبقى هنالك مخاوف من بقاء الديون في النظام المصرفي، علاوة على أن الإقراض في الدولة في هذه المرحلة هو أكثر خمولاً بالمقارنة مع دول الخليج الأخرى كالسعودية وقطر وعمان، وهذا يعيق نمو القطاع الخاص.

ويشير خالد عبدالله، الخبير الاقتصادي والمحاضر في جامعة روتشستر في دبي إلى أن الأزمة المالية العالمية بدأت في الولايات المتحدة في 2008 وتعتبر الأسوأ من نوعها منذ "الكساد الكبير" في نهاية العشرينات والثلاثينات. وقد تفاقمت الأزمة بشكل سريع في شهر سبتمبر من عام 2008 وهو الشهر الذي أعلن فيه بنك "ليمان براذرز" عن إفلاسه.

ومع أن عوارض الأزمة المالية قد بدأت في الولايات المتحدة قبل هذا التاريخ، إلا أن هذا الحدث هو السبب الرئيسي الذي أدى إلى تراجعات حادة في الأسواق المالية العالمية وزعزع ثقة المستثمرين والحكومات حول العالم في القطاع المالي لتصل إلى مرحلة تطغى فيها الأزمة المالية على المناقشات الرئيسية في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وهنا يجب التمييز بين الأزمة المالية في الولايات المتحدة والأزمة المالية العالمية. فقد بدأت الأزمة أولاً في الولايات المتحدة الأمريكية أولا، ثم امتدت إلى دول العالم لتشمل الدول الأوروبية والآسيوية والخليجية وغيرها.

فقد بدأت الأزمة المالية في الولايات المتحدة في بداية عام 2007. ففي هذا العام، وفي الوقت الذي كانت تتمتع في الإمارات عموما وإمارة دبي على وجه التحديد بازدهار كبير، كانت نسبة عدم السداد لقروض الرهن العقاري في الولايات المتحدة ترتفع بشكل كبير لتتسبب في نهاية المطاف بإفلاس عدد من المؤسسات المالية المتخصصة في مجال التمويل العقاري، الأمر الذي انعكس سلبا على الأسواق المالية الأمريكية وأدى إلى شح في السيولة.

والجدير بالذكر، أن هذا الأمر قد دفع بالعديد من المصارف المركزية في أغسطس من عام 2007 إلى التدخل لتنشيط أسواق السيولة، ولكن الخطوة كانت متواضعة في ظل الاعتقاد العام أن واضعي السياسات المالية والنقدية في الولايات المتحدة كانوا قادرين على احتواء الأزمة.

وفي أوائل عام 2008، أعلن الاحتياطي الفدرالي الأمريكي في محاولة لتنشيط الاقتصاد عن تخفيض في معدل الفائدة، الأمر الذي وجه رسالة إلى المستثمرين والمحللين والمصارف المركزية حول العام بأن الأزمة المالية لن تكون محدودة للولايات المتحدة الامريكية خاصة وأن اقتصاديات الدول حول العالم مرتبطة بالاقتصاد الأمريكي بشكل أو بآخر.

وتداعت الأحداث واحدة تلو الأخرى حتى شهر سبتمبر الذي شهد تدخل الخزانة الأمريكية لتضع "فريدي ماك" و"فاني ماي"، وهما أكبر مجموعتين في مجال الرهن العقاري، تحت الوصاية مع كفالة ديونهما حتى حدود 200 مليار دولار.

هذا بالإضافة إلى تأميم عدد كبير من المؤسسات المالية حول العالم مثل مجموعة التأمين الأمريكية "أي آي جي" والمجموعة المصرفية والتأمين البلجيكية الهولندية "فورتيس" والبنك البريطاني "برادفورد وبينغلي". وبذلك، انطلقت عدوى الأزمة المالية من الولايات المتحدة لتنتشر حول العالم وتنعكس سلبا على الاقتصاد العالمي.

ويضيف عبد الله: "نرى اليوم أن هناك عددا كبيرا من الأحداث حول العالم تدفعنا إلى التساؤل إن كانت الأزمة المالية العالمية قد انتهت أم لا. فقد شهدنا منذ بداية الأزمة تطبيق خطط التيسير الكمي واجتماعات الدول الثمانية العظمى وإجراءات البنك المركزي الأوروبي وحتى عودة بنك "ليمان براذرز" إلى ساحة وال ستريت.

وهو ما يثبت أن الاقتصاد العالمي قد قطع شوطا كبيرا، ولكننا وعلى الرغم من وجود بعض الظواهر الايجابية التي تدل على بداية تعاف جزئي للوضع الاقتصادي العالمي، لا زلنا نعتقد أن الأزمة المالية لم تنته بعد.

فمع أن الأسوأ قد أصبح وراءنا، إلا أن العديد من العوامل مثل معدلات البطالة الأمريكية وأزمة الديون السيادية الأوروبية وتراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي في الصين (والذي راهن عليه عدد كبير من المستثمرين والمحللين خلال العام الماضي) لا زال يلقي بظلاله على الأسواق المالية ويشكل قلق كبيرا للمستثمرين.

كما أن الأشهر القليلة الماضية قد أظهرت دلالات عدة تشير إلى أن نمو الاقتصاد العالمي لا يزال هشا، منها المخاطر المتزايدة من أزمة الديون في منطقة اليورو وقضايا ميزانية الولايات المتحدة والتباطؤ المستمر في اقتصاديات العديد من الدول الصاعدة أو ما يسمى بـ "Frontier Markets".

ومع أن مستقبل الوضع الاقتصادي العالمي لا يزال مجهولا، تجدر الإشارة إلى أن دول منطقة الخليج العربي قد عملت جاهدة للخروج من أزمتها من خلال التركيز على مقاومات الاقتصاد الأساسية في المنطقة، حيث استمر الإنفاق العام على مشاريع البنية التحتية والخدمات الاجتماعية بالإضافة إلى الدعم المتزايد للشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم والتي جاءت مدعومة بأسعار النفط المرتفعة والمراكز المالية القوية للحكومات الخليجية.

ومع ذلك، لا نستطيع القول أن اقتصاد المنطقة معصوم عن الوضع الاقتصادي العالمي.

فقد شهدنا في شهر يونيو وحتى في يوليو التقلبات الحادة في اسعار النفط العالمية والتي انخفضت دون معدل المائة دولار للبرميل الواحد؛ وهو أمر يؤثر بشكل مباشر على اقتصاديات المنطقة.

هذا بالإضافة إلى انخفاض الإقراض من قبل العديد من البنوك الأوروبية التي أصبحت تركز اليوم على الإقراض داخل أوروبا.

وبذلك، نجد بأن الحذر واجب في التعامل مع الأزمة ولا نستطيع الجزم بأن اقتصاد منطقة الخليج العربي قد تخلص بشكل كلي من الأزمة المالية العالمية، وإن كان في موقع قوي اليوم.

ولإلقاء مزيد من الضوء على الأزمة يقول جان كلود فرح، النائب الأول لرئيس ويسترن يونيون في الشرق الأوسط وأفريقيا إن نشاط التحويلات يتراجع دائماً عند حدوث هبوط اقتصادي. ولطالما يعتمد الكثير من الناس على التحويلات باعتبارها مصدر الدخل الوحيد، فسيستمر المغتربون الذين يعملون خارج أوطانهم في إرسال الأموال إلى ذويهم مهما كانت ظروف السوق.

ويضيف: "لا ننكر أن الأزمة الاقتصادية المالية كان لها أثر قصير الأجل. وبرغم ذلك ولأننا جهة فاعلة على مستوى العالم، فقد استطعنا أن نتجاوز هذه الأزمة من خلال تنوع حافظتنا الجغرافية."

ويضيف: " بالنسبة لويسترن يونيون، فقد حقق نشاطنا في مجال تحويل الأموال بين العملاء في الربع الماضي، وهو النشاط الذي يدر على الشركة ما يزيد على 80% من إيراداتها، حقق نمواً مطرداً في العملات بمعدل 3% مع هوامش ثابتة.

وأبدت منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ وأمريكا اللاتينية وعمليات تحويل الأموال عبر الإنترنت أداءً جيداً، وهو الأمر الذي عوض عن الأثر الناتج جراء انخفاض مستوى إقبال العملاء في جنوب أوروبا وبعض الهدوء في بلدان محددة.

كما أن الانتشار العالمي لحافظتنا ومرونة عملائنا قد ساعدا على استمرار نمو الإيرادات وزيادة التدفقات النقدية برغم الأجواء الاقتصادية التي تعج بالعديد من التحديات».

 

انهيار سحر «الرافعة المالية» في وول ستريت

 

يُرجع خبراء اقتصاديون "الأزمة المالية العالمية" على أنها في الأساس حالة "عجز مالي" من العيار الثقيل، بدأت تنسج خيوطها في الولايات المتحدة منذ السبعينات حين ابتدئ تدريجياً بإهمال الممارسات الإدارية التقليدية في البنوك والشركات والتي رسخت دعائم الاقتصاد الغربي وجعلت منه القاطرة الرئيسة في الاقتصاد العالمي وبدأ مفهوم مضاعفة رؤوس الأموال من خلال الدين (أو ما يسمى زيادة الرافعة المالية) بالانتشار كالنار في الهشيم في أوساط المستثمرين وانتشر مفهوم "سحر الرافعة المالية" في "وول ستريت" الذي يروج لإمكانية خلق الثروة من دون الحاجة للعمل الشاق الطويل والمضني من خلال الاستدانة ورفع حجم رأس المال، وبدأت المؤسسات والشركات على كافة المستويات الحكومية والخاصة بالاستدانة والبنوك بالإقراض حتى تحولت إلى فقاعة انفجرت في 2008 فيما عرف بـ"فضيحة قروض الرهون العقارية".

وتم حينها القاء أصابع الاتهام على الجشع اللامحدود لرؤساء تنفيذيين في بنوك وشركات رئيسة بالإضافة إلى شركات التقييم التي فتحت المجال أمام العديد من صفقات التمويل المشبوهة. ويقول أحد الاقتصاديين إن رواتب الرؤساء التنفيذيين في بنوك أمريكا كانت تصل إلى 30 ضعف معدل رواتب باقي الموظفين، فيما وصلت تلك النسبة خلال الأزمة إلى 475 ضعفاً! فيما لم تتجاوز في اليابان 11 ضعفا وفي ألمانيا 12 ضعفاً، متسائلاً فيما إذا كان الفارق في فعالية وانتاجية التنفيذيين الأمريكيين بنفس تلك النسبة.

وتبرز في هذه الآونة مخاوف من أن تؤدي طريقة تعامل الإدارة الأمريكية مع الأزمة بسياسة "التيسير الكمي" إلى حدوث كساد مزدوج، خصوصاً وأن الرئيس الأمريكي أوباما أبقى على معظم مستشاري ووزراء المال أنفسهم الذين كانوا على رأس عملهم خلال الأزمة، بدلاً من تطبيق اصلاحات مالية جذرية.

وتتلخص "التيسير الكمي" في تخفيف "الاحتياطي الفيدرالي" القيود على الكميات المصدرة من الدولار من خلال طباعة كميات جديدة منه، ثم استخدام هذه الدولارات في شراء أوراق مالية، مثل السندات الحكومية، لتضاف إلى محفظة الأصول التي يملكها، إلى جانب ضخ كمية كبيرة من تلك الأموال في النظام المصرفي كالبنوك وغيرها من المؤسسات المالية وعلى أمل أن يتم إقراض وتدوير تلك الأموال في النظام الاقتصادي وخلق الوظائف ورفع معدلات النمو.

ويشبه اقتصاديون تلك السياسة كإعطاء دواء لمريض من دون معرفة الحال التي ستؤول إليها حال المريض. وذلك لأن تلك الأموال لم تدخل في الاقتصاد الانتاجي بل تعيق نموه في وأدت في واقع الحال إلى حدوث سلسلة جديدة من الفقاعات مثل فقاعة الدين الأمريكي طويل الأجل وفقاعة القطاع العقاري التي تعيشها الصين اليوم، وذلك بدلاً من معالجة الضوابط والمشاكل الهيكلية في النظام المصرفي الأمريكي على الأجل المتوسط.

 

ثبات ونمو

 

من الواضح أن القطاع المصرفي في دولة الإمارات تمكن خلال سنوات الأزمة من مواصلة أدائه الثابت باستثناء عامي 2009 و2010. ووفقاً لمؤشر الأداء المصرفي السنوي الخاص بـشركة "ذا بوسطن كونسلتينج جروب" الاستشارات الإدارية في دبي فقد حقق القطاع المصرفي في الإمارات نمواً ملفتاً في الأرباح بــ 24% خلال العام 2011، ليصل إلى 5.0 مليارات دولار أمريكي، متخطياً مستويات الأرباح المسجلة في عام 2005. وشهدت الإيرادات أيضاً مؤشرات نمو سليمة بنسبة 6% لتصل إلى 12.4 مليار دولار في عام 2011.

 

خارطة طريق

 

أجمع الخبراء على أن في وسع بنوك الدولة تحفيز التنافسية من خلال التركيز على عدة عوامل من ضمنها تخصيص المنتجات والخدمات ودعم عرض القيمة لمختلف شرائح العملاء وأن تصبح الخدمات حقاً متمحورة حول العملاء مع زيادة توجيه المبيعات بحيث تصبح أكثر تنظيماً في مجال المبيعات المتبادلة، بالإضافة إلى الاستفادة من كامل إمكانيات الإدارة متعددة القنوات والتكنولوجيات الجديدة وإعادة هندسة وأتمتة العمليات وتحسين إدارة أداء الأقسام في البنوك.

نمو أرباح القطاع المصرفي في الإمارات 2005 - 2011 (مليون دولار)