أجرى فريق من الخبراء بمركز السياسات الاقتصادية والأبحاث، الذراع التشغيلية لمجلس دبي الاقتصادي، ورقة عمل عن حيازة وخدمات الأراضي للأغراض التجارية والصناعية وآثارها على بناء رأس المال وسلوك الاستثمار للمنشآت العاملة في إمارة دبي، ومن بين أهم النتائج أن 51.3٪ من المنشآت، التي شملها مسح اجري العام الماضي، أفادت بأن «حيازة وخدمات الأراضي التجارية» تعد قيداً رئيساً لنشاطاتها، الأمر الذي يستدعي من الجهات المختصة معالجة هذا الأمر.
واعتمدت الدراسة على النتائج التي توصل اليها المسح على مستوى المنشأة بدبي ـ 2010 والذي أجراه المجلس العام الماضي بشراكة مع كل من مركز دبي للاحصاء، والمناطق الاقتصادية العالمية ـ المنطقة الحرة بجبل علي، اضافة الى مركز التنمية العالمية (واشنطن العاصمة)، حيث شمل المسح مئات المنشآت العاملة في القطاعات الرئيسية وبمختلف مناطق دبي، لاسيما في المنطقتين الاقتصاديتين الرئيسيتين وهما المناطق الحرة ودبي الرئيسية، واستهدف المسح التعرف على محددات الاستثمار في هذه المناطق.
عائق
وتعد «الأراضي» وما سواها من المساحات المبنية للأغراض التجارية أحد أهم عوامل الإنتاج الرئيسية للبدء بالمشروع، وبالتالي فإن تقييد عملية حيازة الأراضي الصناعية والتجارية وارتفاع تكلفتها يشكلان عائقاً رئيساً للمنشآت سواء في بداية تأسيسها أو لتلك التي تعتزم توسيع نشاطاتها، وهكذا تترك هذه الظاهرة انعكاسات سلبية على تطور الأعمال وعلى عملية النمو الاقتصادي برمته.
حلول
أشارت الدراسة الى أن الاقتصادات المتقدمة والتي تتمتع ببنية تحتية قوية وبكثافة سكانية عالية قد تعاني من مشكلة ندرة الأراضي وارتفاع تكاليفها، بيد أن احتضانها لمؤسسات متينة ومنظومة من التشريعات الفعالة من شأنها أن تضمن حلولاً فاعلة لمشكلة توزيع الأراضي ـ السكنية والتجارية ـ وذلك عبر آلية السوق.
وعند الحديث عن دبي يلاحظ أن الكثافة السكانية في الامارة تعد منخفضة رغم تدفق الوافدين اليها بأعداد كبيرة منذ خمسينات القرن الماضي. وعلى نحو مشابه، فإن التطور الحاصل في البنية التحتية لم يصل الى حالة من الثبات حتى الوقت الحاضر.
علاوة على ذلك، فإن النمو الهائل الذي شهده قطاع العقارات خلال العقدين الماضيين والذي استأثر بجزء مهم من الناتج المحلي الاجمالي للإمارة يدفعنا للاعتقاد بأن المعروض من الأراضي أو المساحات المبنية للأغراض الصناعية أو التجارية لا يتسم بالندرة. وعليه فإن مشكلة حيازة الأراضي التجارية بدبي طبقاً للمسح غالباً ما ترتبط بالقضايا التنظيمية والمؤسسية، سيما وأن الاقتصاد يوفر عرضا كافيا من العقارات التجارية للأعمال.
سؤالان مركزيان
وتثير الدراسة سؤالين مركزيين، أولهما: ما هي العوامل التنظيمية والمؤسسية والتي يحتمل أن تعيق عملية حيازة الأراضي التجارية في دبي؟ وثانيهما: ما هي مترتبات هذه المعوقات على مستقبل التنمية في الامارة؟ وبالمقابل تشير الدراسة الى ثلاثة جوانب أساسية تقترح التمعن فيها عند بحث مشكلة حيازة الأراضي التجارية:
ـ أغلب أصحاب العمل في دبي من الوافدين، سيما وأن حوالي 10% من سكان الامارة من المواطنين الاماراتيين وبعض رعايا دول مجلس التعاون الخليجي، وأن فقط 2.5% من المنشآت العاملة في دبي يملكها مواطنون.
ـ الوافدون الذين يرغبون بتأسيس منشآت في المنطقة الحرة بدبي لايسمح لهم بشراء الأراضي للأغراض التجارية ولكن يسمح لهم باستئجار الأراضي أو الأراضي المبنية. وبالمقابل، بوسع هؤلاء شراء الأراضي في مناطق التملك الحر.
ـ هناك نظام الكفالة المعمول به في دبي، والذي يربط الأجانب الذين يرغبون في الاستثمار بدبي مع كفيل محلي يعمل بمثابة الممثل القانوني للمنشأة في الدولة. وفي حالة الشركات ذات المساهمة العامة والمحدودة، يملك الكفيل المحلي تلقائياً مالا يقل عن 51% من حصة المنشأة، وفي ذات الوقت يتلقى عائداً إزاء خدماته التي يقدمها.
بيد ان بمقدور الأجانب تأسيس مشروع تجاري داخل المناطق الحرة رغم عدم السماح لهم بشراء الأراضي ولكن يسمح لهم بملكية المشروع بنسبة 100%، ويشمل ذلك على سبيل المثال تشييد المشروع، الملكية الكاملة، التحكم الكامل بالأرباح، وغيرها.
مزايا وتطورات إيجابية
تشير الدراسة الى أن احدى مزايا تأسيس مشروع تجاري في المناطق الحرة هو ان اللوائح والنظم التي تحكم عمل المنشآت، مثلاً النظم الخاصة باستئجار العقارات التجارية، تجعل عادة كلفة الاستئجار أو حتى الرسوم المرتبطة برخص الاستثمار مستقرة ومراقبة من قبل السلطة المختصة في تلك المناطق.
كما أوضحت الدراسة أنه في السنوات الأخيرة ثمة ميل للحكومة المحلية نحو تقليل حالة عدم اليقين في سوق الأراضي. وعلى نحو محدد، توجد لجنة فض المنازعات التابعة لبلدية دبي والتي ساهمت طوال السنوات الماضية في ضمان حقوق طرفي المعادلة الايجارية ـ المالك والمستأجر ـ واستقرار سوق الايجارات.
وفي 31 يوليو 2007 تم تأسيس مؤسسة التنظيم العقاري التابعة لدائرة الأراضي بدبي وهي مسؤولة عن مراقبة وتنظيم سوق العقارات في الامارة، بما في ذلك رصد الزيادات الحاصلة في اسعار الايجارات وحل المنازعات التي قد تنشب بين المالك والمستأجر.
تحليل إشكالية حيازة الأراضي
قامت الدراسة بتحليل اقتصادي قياسي باستخدام قاعدة البيانات الخاصة بمسح المنشأة 2010. واستهدف النموذج قياس الآثار الحدية لمعوقات حيازة وخدمات الأراضي التجارية على الاستثمار في رأس المال المادي والبشري، وبالتالي على نمو المنشآت بدبي.
وتضمن النموذج محددات احتمالية أن تبدي المنشأة قلقها ازاء مسألة حيازة الأراضي التجارية أو الخدمات المرتبطة بها بوصفها معوقاً رئيسياً أمام نشاطها.
كما تضمن النموذج متغيرات أخرى مثل: خصائص المنشآت، القطاع والمنطقة الاقتصادية التي تعمل فيه المنشأة، الجنسية، الملكية. وقد وجدت الدراسة، على العموم، أن مشاكل حيازة الأراضي تكون أكثر حدة لدى المنشآت التي تعمل في المناطق الحرة.
وعند مقارنة المنشآت في كلا المنطقتين ـ الحرة ودبي الرئيسية ـ سيتضح أن المنشآت العاملة في دبي الرئيسية والتي تكون في الواقع مملوكة من قبل الأجانب؛ قد تعاني من معوقات أكثر حدة من الأخرى.
تقديرات
وتفيد التقديرات ان الاستثمار في الأصول قد يزداد بنسبة 22% إذا كانت عملية الحيازة ميسرة، بينما يحتمل أن يزداد الاستثمار في رأس المال البشري، مثلاً من خلال التدريب، بنسبة تصل الى 35%.
توصية
أوصت الدراسة بضرورة زيادة فاعلية انفاذ القوانين والأطر التنظيمية في دبي الرئيسية عن طريق تعزيز دور مؤسسة التنظيم العقاري بدبي. أما بالنسبة للمناطق الحرة، فبالنظر الى أن العائق الأساسي هو عدم امكانية حيازة الأراضي التجارية واستخدامها كرصيد ضامن، فربما من المناسب امكانية إدخال نظام الملكية بشرط عدم تعارضه مع أساسيات نظام المناطق الحرة بدبي.
أبرز الاستنتاجات
مقارنة مع نظرائها في المناطق الحرة، فإن المنشآت في دبي الرئيسية هي أقل احتمالية أن تعتبر «حيازة الأراضي التجارية» معوقاً رئيسياً للاستثمار.
ـ المنشآت العاملة في دبي الرئيسية في إطار نظام الكفالة المحدد بـ51% أكثر احتمالا أن تعتبر «حيازة الأراضي التجارية» مشكلة رئيسية مقارنة بتلك الموجودة في المناطق الحرة، أو حتى في بقية مناطق دبي الرئيسية، والتي تسمح بنسبة تملك تتجاوز 51% للمستثمر المحلي.
ـ على العموم، تبدو مشكلة «حيازة وخدمات الأراضي التجارية» أكثر حدة للمنشآت العاملة في المناطق الحرة.
ـ عند تقدير النموذج أو العلاقة السببية لتفهم فيما إذا كانت شكوى المنشآت في اعتبار «حيازة الأراضي التجارية» معوقاً لنشاطاتها ذات آثار عكسية على استثمارها المادي والبشري، جاءت النتائج لتؤكد بأنه في مثل هذه الحالة ستستثمر المنشآت بمقدار متواضع في رأس المال المادي، وكذلك فإنها لا تستثمر في التدريب لتعزيز رأسمالها البشري ـ العمال ـ وان حصل؛ فبنسبة محدودة، الأمر الذي سيؤثر بالتبعية على تطورها وتوسعها، وبالتالي سينعكس سلباً على حركة التنمية الاقتصادية.

