تتطلع الأنظار إلى جزيرة داس لإنجاز واحد من أضخم المشاريع الإستراتيجية في الدولة وهو مشروع تطوير الغاز المتكامل الذي يتم تنفيذه من قبل شركة هيونداي للصناعات الثقيلة بتكلفة إجمالية لجميع حزم المشروع تبلغ 40.3 مليار درهم " 11 مليار دولار" .
وفيما يتوقع أن يتم انجاز المشروع في أغسطس 2013 كما هو محدد له فان التشغيل التجريبي لهذا المشروع الحيوي سيبدأ في ابريل المقبل لنقل حوالي مليار قدم قياسي مكعب من الغاز من حقل أم الشيف التابع لشركة أدما العاملة إلى الجزيرة بحيث تقوم منشآت شركة ادجاز بتجفيفه وضغطه قبل نقله بعد ذلك عبر خط أنابيب بحري إلى منشآت شركة جازكو في حبشان لإجراء مزيد من المعالجة وضخه في الشبكة الوطنية التي تغذي أبوظبي والإمارات الأخرى بالطاقة النظيفة.
ويؤكد فهيم كاظم الرئيس التنفيذي لشركة ادجاز أن مشروع الغاز المتكامل يعد من أهم المشروعات الحيوية في مجال النفط والغاز وهو يعتبر ترجمة لتوجهات واستراتيجيات القيادة الرشيدة لاستيفاء وتوفير حاجة الدولة من الطاقة والطاقة النظيفة وقد تم تصميم وهندسة المشروع في كوريا الجنوبية بوجود فريق متكامل من ادجاز بمساندة بعض الاستشاريين لافتا إلى أن المواطنين يشكلون ما نسبته 70% إلى 80% من الكفاءات الإدارية والفنية في المشروع.
وخلال الجولة التي نظمتها شركة ادجاز لوسائل الإعلام المحلية تبدو الصورة واضحة لمدى الجهود الجبارة التي تبذل لقهر الصعاب وانجاز هذا المشروع الاستراتيجي في جزيرة غاية في الصغر من حيث المساحة وفي أجواء مناخية صعبة خلال فترة الصيف، وفي ظل هذه الأجواء تقف السفينة العملاقة كوريا اكسبريس على احد الأرصفة في الميناء تحمل معدات عملاقة كاملة التصنيع يتم إنزالها وتركيبها في المكان المخصص للمشروع عبر عملية بالغة التعقيد والدقة تعكس بصورة جلية المستوى التكنولوجي الهائل الذي حققته البشرية وقدرة مؤسسات الدولة على استيعاب هذه التكنولوجيا وتطبيقها والاستفادة منها عبر جيل من الشباب المواطن المؤهل والمدرب.
وصول المعدات
تفصيلا فقد وصلت يوم 29 يونيو 2012 إلى ميناء أبو ظبي الشحنة الأولى من الوحدات الصناعية الخاصة بمشروع تطوير الغاز المتكامل في جزيرة داس، فيما غادرت شحنتان أخريان ميناء أولسان في كوريا الجنوبية متجهتين إلى أبو ظبي بدأتا بالوصول على التوالي وكانت أولى شحنات الوحدات المصنعة (من أصل أربع شحنات بحرية) لمنشآت مشروع تطوير الغاز المتكامل قد أبحرت من ميناء أولسان كوريا الجنوبية في 31 مايو 2012، لتبدأ بذلك المرحلة النهائية في المشروع. وسيتم شحن الوحدات الأخرى تباعا وتركيبها بأمان على الأرض المستصلحة حديثاً في جزيرة داس.
ويشكل المشروع بحسب فهيم كاظم الرئيس التنفيذي لشركة ادجاز خطوة طموحة تهدف إلى نقل الغاز البحري من حقل أم الشيف التابع لشركة أدما العاملة إلى جزيرة داس، بحيث تقوم منشآت شركة أدجاز بتجفيف هذا الغاز وضغطه ونقله بعد ذلك عبر خط الأنابيب البحري الخاص بمشروع الغازات البحرية المصاحبة بسعة 30 بوصة إلى منشآت شركة جاسكو في حبشان لإجراء مزيد من المعالجة وضخه بعد ذلك في الشبكة الوطنية التي تغذي أبو ظبي والإمارات الأخرى لاستخدامه كطاقة نظيفة. وقد تم تقسيم المشروع، الذي تتولى مسؤوليته شركة أدنوك وحدها، إلى عدة حزم تديرها وتنفذها شركات أدما العاملة وأدجاز وجاسكو.
و يتمثل دور أدما العاملة في بناء منشآت استخراج الغاز الخام من حقل أم الشيف ونقله بعد ذلك إلى منشآت تطوير الغاز المتكامل الجديدة التابعة لشركة أدجاز في جزيرة داس عبر خط أنابيب جديد بسعة 46 بوصة.
أما دور شركة أدجاز في المشروع فيشمل بناء وحدات المعالجة الضرورية لتجفيف وضغط ما يقرب من 900 مليون قدم قياسية مكعبة من الغاز يومياً.
ويتمثل دور شركة جاسكو في إجراء المعالجة الإضافية على تلك الغازات وفصلها ونقلها إلى أبو ظبي والإمارات الأخرى لاستخدامها في المجالات الصناعية والسكنية.
تحديات عديدة
منذ ترسية العقد على شركة هيونداي للصناعات الثقيلة في يوليو 2009، واجهت شركة أدجاز تحديات كبيرة في تنفيذ الجزء الخاص بها من المشروع. وكانت بعض هذه التحديات ذات طبيعة فنية، وبعضها الآخر تنظيمية أو متعلقة بالموقع نفسه. ولإدراك أبعاد هذه التحديات يشير مدير مشروع تطوير الغاز المتكامل (الأعمال المدنية والبحرية).
سني زكي وهو من المتخصصين البارزين الذين شاركوا في المشروع منذ البداية، يشير الى أهم التحديات التي واجهت الجانب البحري والمدني من المشروع.
قائلاً إن جزء الأعمال المدنية والبحرية في المشروع أخذ ما يقرب من نصف الجهود والتكاليف الخاصة بالمشروع. وكان التحدي الأساسي هو موقع المشروع في جزيرة داس، فهي جزيرة صغيرة ذات مساحة محدودة لا تسمح بمزيد من الإنشاءات. وعليه، كان من الضروري ردم مزيد من الأرض داخل البحر لإنشاء المشروع". واضاف
"ومما جعل عملية الاستصلاح عسيرة محفوفة بالصعاب وجود مرافق مشروع الغازات البحرية المصاحبة إلى الشرق، ووجود أنبوب الغاز البحري بسعة 30 بوصة من الشمال، وأنبوب النفط البحري الخاص بشركة توتال أبو البخوش، بسعة 10 بوصة إلى الجنوب. ولذلك كانت المساحة الضيقة المحددة لمشروع تطوير الغاز المتكامل بين هذين الأنبوبين. وتمثلت الصعوبة الإضافية في ضرورة تثبيت جدران اسمنتية ضخمة لتقوم بإسناد موقع المشروع بحيث يكون على ارتفاع يزيد عن 12 متراً فوق مستوى البحر، وذلك بدلا من جوانب الردم المائلة الأكثر بساطة وسهولة، ولكنها لا تناسب الموقع لأنها سوف تمتد لترتطم بالأنابيب البحرية شمالاً وجنوباً.
وتطرق سني زكي إلى العديد من الصعوبات الفنية الأخرى التي واجهت الأعمال البحرية والمدنية، بما في ذلك نوع التربة في جزيرة داس والجدران الثقيلة للغاية التي تعين نصبها تحت الماء لدعم الأرض المردومة، والأحوال الجوية غير الملائمة التي كثيراً ما أعاقت العمليات البحرية في المنطقة المعرضة للتيارات والأمواج شمال غربي الجزيرة، فقد أعاقت هذه الأحوال الجوية التقدم في العمل بشكل جدي، وخاصة في الشتاء.
اضافة إلى نقل تلك الصخور والكتل إلى جزيرة داس، استخدام عدد كبير من البوارج التي قامت بأكثر من 500 رحلة إلى جزيرة داس. وقد زاد عدد تلك البوارج وسفن القطر المساعدة لها على أربعين. وكان لا بد لكل واحدة من تلك البوارج والسفن أن تفي بالشروط والمتطلبات التي تفرضها أدنوك على السفن العاملة في حقول النفط، وإجراء التفتيش والرقابة الدائمة عليها من قبل أدنوك.
أما العائق الآخر فهو وجود موقع المشروع على امتداد الممر الجوي الذي تسلكه الطائرات لدى هبوطها في مدرج الجزيرة. ولذلك جرت دراسة خاصة لضمان عدم وجود خطورة نتيجة ارتفاع مداخن المصنع والرافعات التي تعمل فيه إلى حد قد يشكل خطراً على هبوط الطائرات. وقد استدعى الأمر أن يقتصر عمل بعض الرافعات العالية على الفترة الليلية التي لا وجود فيها لحركة الطائرات من الجزيرة وإليها، الأمر الذي تطلب تنسيقاً عالي المستوى مع شركة أدما العاملة وشركة طيران أبوظبي.
تحديات
من التحديات الأخرى الكبرى بحسب زكي الوفاء بالمتطلبات الصارمة التي تفرضها شركة أدنوك في مجال الصحة والسلامة والبيئة، خاصةً فيما يتعلق بالمخاطر المجتمعية. فبغية الحد من حجم الإصابات التي قد تحدث لأي سبب طارئ، تنص هذه المتطلبات على ألا يتجاوز الحد الأقصى لعدد العمال المسموح لهم بالعمل في نفس الوقت في مكان صغير مثل الموقع في جزيرة داس 700 شخص.
وهذا هو السبب الذي دفع شركة أدجاز والمقاول الرئيسي لها، شركة هيونداي للصناعات الثقيلة، إلى استخدام أسلوب تصنيع وحدات المصنع في كوريا وشحنها كاملة إلى جزيرة داس. فقد أدى هذا الأسلوب إلى التغلب على مشكلة المخاطر المجتمعية وكذلك تقليل الوقت اللازم لتنفيذ المشروع، حيث كان يتم تصنيع الوحدات في نفس الوقت الذي تتم فيه عمليات ردم واستصلاح الأرض. ولو انتظرنا حتى يصبح الموقع جاهزاً لبناء المنشآت في الموقع، لكنا بحاجة إلى ضعف الوقت لتنفيذ المشروع."
ومضى زكي قائلاً: نتيجة طبيعة الأعمال البحرية المدنية، تطلب الأمر جلب كميات ضخمة من الصخور الخاصة من مقالع في رأس الخيمة، وكتل خرسانية ضخمة يبلغ وزن كل منها 90 طناً تم صبها خصيصاً في أحد مصانع عجمان.
كوادر وطنية تشرف على المشروع
في الوقت الذي كان يجري فيه تنفيذ الأعمال المدنية والبحرية، كانت خدمات الهندسة والمشتريات والبناء لوحدات التصنيع والمرافق تتم في الوقت نفسه في مصانع شركة هيونداي للصناعات الثقيلة في أولسان. وقد حرصت شركة أدجاز على المتابعة الوثيقة للأنشطة السابقة، بما فيها أنشطة التصنيع في كوريا، وذلك من خلال إرسال فريق متكامل تابع لشركة أدجاز يضم فريق إدارة للمشروع وفريق استشاري إدارة المشروع وفريق التفتيش من طرف ثالث.
وكان المسؤول عن هذا الجانب من المشروع هو إبراهيم الجنيبي، مدير مشروع تطوير الغاز المتكامل (وحدات التصنيع والمرافق) الذي قضى العامين الماضيين متنقلاً بين جزيرة داس وأبو ظبي وكوريا لضمان سير تنفيذ وتسليم المشروع وفق الخطة المحددة.
كوادر وطنية
وكان إبراهيم، وهو مهندس مواطن ذو خبرة واسعة في العمل في شركة أدجاز، حريصاً أشد الحرص ليس فقط على ضمان التكامل الفني لوحدات التصنيع، بل كذلك على ضمان التزام المقاول بخطة أدجاز لاستخدام هذا المشروع كفرصة لتدريب الموظفين المواطنين من خلال إشراكهم في مختلف مراحل إدارة المشروع وتنفيذه.
وقد علق على ذلك قائلاً: "إن فرصة العمل في مشروع هائل كهذا المشروع لا تتاح للمرء كل عام".
واستطرد قائلاً "وبالتالي، فقد اشترطت أدجاز على المقاول الرئيسي أن يقوم بتدريب موظفيها على مختلف جوانب المشروع طوال فترة التنفيذ. وقد غطى التدريب الخبرات الهندسية بالمقر الرئيسي لشركة هيونداي، والتدريب على تشغيل وصيانة المعدات التى يتم شراؤها للمشروع، والتدريب الميداني من خلال أعمال التركيب والتشغيل بموقع المشروع في جزيرة داس. وقد قامت شركة هيونداي للصناعات الثقيلة بتعيين منسق تدريب متفرغ تولى وضع خطة تدريب شاملة وافقت عليها أدجاز. وباشرت شركة هيونداي للصناعات الثقيلة العمل على تقديم دورات التدريب الفعلي في كل مرحلة، بعد وضع نظام لضبط برنامج التدريب ومتابعة تقدم كل متدرب".
دورات تدريبية
ومضى الجنيبي قائلاً: "وفرت شركة هيونداي للكوادر الهندسية في شركة أدجاز عدة دورات تدريبية في مقرها الرئيسي في كوريا.
كما سيتولى مهندسو المقاول تدريب كوادر دوائر الهندسة والعمليات والصيانة في أدجاز ضمن الورش والمصانع الخاصة بالمعدات خلال مرحلة ما قبل التشغيل التجريبي ومرحلة التشغيل التجريبي، وبما يغطى المجالات المختلفة للآلات الدقيقة، والتحكم، ونظام التحكم الموزع، والأجهزة الكهربائية. كما يغطي التدريب مجالات التصنيع، والميكانيكا، والتحكم، والأنظمة الكهربائية، والمعدات.
دور فاعل
وتجدر الإشارة هنا إلى الدور الفعال للإدارة العليا للشركة، وخاصة بدر المحمدي، نائب رئيس أول (للشؤون الفنية) في متابعة عمل مديري المشروع ودعم جهودهم، بالإضافة إلى التدخل مع الإدارة العليا لشركة هيونداي والمقاولين الفرعيين لتلافي التأخر في الجدول الزمني للمشروع. وكان للتواصل المستمر للسيد بدر المحمدي مع فريق عمل المشروع في كوريا وأبو ظبي وداس وتشجيعه لهما لأثر الفعال في التغلب على الصعوبات التي واجهت المشروع للوصول إلى الإنجاز الحالي.
آفاق جديدة للتعاون بين الإمارات وكوريا الجنوبية
نظمت شركة هيونداي للصناعات الثقيلة المقاول الرئيس لحزمة أدجاز في مشروع تطوير الغاز المتكامل حفلا بمثابة رمز للعلاقة القوية التي تتشكل بين الشركتين. ويمثل الحفل امتدادا للعلاقات القوية التي تربط الإمارات العربية المتحدة وكوريا الجنوبية كدولتين حققتا نجاحات اقتصادية بارزة على المستوى العالمي. فقد اعتمدت الدولتان بشكل كبير على مبادئ السوق الحرة لتصبحا من الاقتصاديات الكبرى في العالم في غضون فترة زمنية قصيرة تثير الإعجاب".
وتلعب شركة أدنوك دوراً بارزاً في العلاقة الإستراتيجية بين أبو ظبي وكوريا الجنوبية، في ظل المشروعات الكبرى الجارية لتطوير منشآت استكشاف وإنتاج وتكرير النفط والغاز.
ويعد إكمال مشروع تطوير الغاز المتكامل وتشغيله في الوقت المحدد أمراً جوهرياً بالنسبة للبنية التحتية والاقتصاد الوطني لأبو ظبي، كما أنه مهم للغاية بالنسبة لشركة أدنوك التي تتحمل المسؤولية الكاملة عن تنفيذه. فإذا حدث أي تأخر في إكمال أي جزء من أجزاء المشروع الستة الممتدة من حقل أم الشيف البحري إلى جزيرة داس إلى المناطق البرية في حبشان والرويس، فسيؤدي هذا إلى التأخر في تشغيل المشروع المتكامل. ونظراً لأن تلك الأجزاء تسير وفق الجدول الزمني المحدد لها أو تتقدم عليه، فإن من الأهمية الشديدة إكمال الجزء الخاص بجزيرة داس في موعده المحدد.
ويؤكد فهيم كاظم أن التعاون والتواصل الوثيق بين فرق العمل في المشروع في شركتي هيونداي للصناعات الثقيلة وأدجاز، وبين الإدارة العليا في الشركتين كذلك، منذ بداية عام 2010، كان من العناصر الحيوية في استعادة تقدم الجدول الزمني للمشروع والوصول إلى النجاح الذي نشهده اليوم.
ومع ذلك، فإن إنجاز اليوم يمثل بداية مرحلة "تسريع الخطى" في إكمال المشروع، مما يتطلب مزيداً من الجهد والمهارة والالتزام من شركة هيونداي للصناعات الثقيلة ومقاولي الباطن التابعين لها إلى جانب شركة أدجاز التي لن تدخر جهداً لتحقيق النجاح وإنجاز المشروع في الوقت المحدد. وسيتطلب الأمر توفير أعلى مستوى من التخطيط وإدارة عملية البناء لدعم الجهود الكبيرة اللازمة لإنجاز المشروع بحلول شهر أغسطس 2013 دون التغاضي عن مستلزمات السلامة.



