أوصت دراسة لمجلس دبى الاقتصادى عن مستقبل الكفاءات في إمارة دبي بضرورة وجود استراتيجية متعددة الآماد للتعاطي مع مسألة الكفاءات في دبي وتضمنت التوصية استراتيجية على الأمدين القصير والمتوسط تقوم على اتباع سياسات هجرة عمالية تشجع على دخول العمالة الماهرة ذات التحصيل الدراسي العالي والخبرة لاسيما في المجالات التي تكون بحاجة ماسة الى مثل تلك المهارات.
كما أوصت الدراسة بأن يقوم أرباب العمال بإعداد برامج تدريبية للعمال من أجل الارتقاء بمستوى مهاراتهم وتشتمل تأهيل الطلبة للانخراط في سوق العمل في وقت مبكر حتى قبل التحاقهم بالجامعات والتعليم العالي .
وأشارت الدراسة إلى أن الاستراتيجية تتضمن توفير نظام معلومات لسوق العمل يربط احتياجات مختلف القطاعات بالنظام التعليمي واستخدام تحليل التكلفة (المنفعة عند تطبيق التشريعات المتعلقة بالهجرة العمالية ) من أجل تجنب ادخال العمالة الوافدة التي لا تحقق قيمة مضافة للاقتصاد المحلي.
وأوضحت أن الاستراتيجية تتضمن كذلك على الأمد الطويل زيادة الاستثمارات الخاصة والعامة في تطوير نوعية التعليم العالي في الدولة واتباع السياسات التي تذكي الانتقال من القطاعات كثيفة العمل الى القطاعات كثيفة رأس المال بالقدر الذي يؤدي إلى زيادة الإنتاجية والتنافسية والاعتماد على الكفاءات والمهارات العالية وتعزيز عمل المرأة في سوق العمل.
وقالت الدراسة التى أعدها مركز السياسات الاقتصادية والأبحاث الذراع التشغيلية لمجلس دبي الاقتصادي أن دبى تعد من بين أكثر الاقتصادات نموا في المنطقة والعالم كما أنها مدينة الفرص نظرا لما يتيحه فضاؤها الاقتصادي وبنيتها التحتية العصرية من فرص فريدة للقادمين اليها من مختلف دول العالم.
وركزت الدراسة على حركة رأس المال البشري عبر الحدود وانتقالها الى دبي، كما سلطت الضوء على واقع ومستقبل سوق الكفاءات في الامارة. واستعرضت الدراسة أهم التجارب العالمية في مجال جذب الكفاءات، حيث أشارت الى ان الولايات المتحدة وكندا ودول الاتحاد الأوروبي من بين أكثر دول العالم جذباً للكفاءات وتوطينها بصورة دائمة وذلك من خلال اتباعها لاستراتيجيات محددة في هذا المجال، واستطاعت بذلك أن تحدث نقلات نوعية في بيئة العمل لديها وبالتالي تعزيز حركة النمو الاقتصادي.
الإطار النظري
العمالة الماهرة
وعرفت الدراسة الكفاءات البشرية أو "العمالة الماهرة" بانها هي الطاقات الكامنة لدى الأفراد لتطوير الأفكار والمنتجات ذات القيمة الاقتصادية العالية. وتتسم الكفاءات عادة بالمهارات العالية والتي تتجاوز تحصيلها العلمي مستوى التعليم الجامعي وخبرة لا تقل عن أربع سنوات. وتقسم هذه الكفاءات الى ثلاث مجموعات:
1. الكفاءات المنتجة بصورة مباشرة: مثل المهندسين ورواد الأعمال والذين يندمجون بصورة مباشرة في العملية الانتاجية.
2. الكفاءات الأكاديمية: مثل العلماء والمدرسين والذين يعملون في مجال الأبحاث والتطوير وانتاج المعرفة والتي تتحول الى "مدخلات" لزيادة الانتاج والكفاءة.
3. الكفاءات في القطاعات الانتاجية والثقافية: مثل الأطباء والممرضات والفنانين والكتاب وغيرهم والذين يقدمون خدمات اجتماعية أو ينخرطون في أنشطة ابداعية.
استراتيجيات المنافسة العالمية
وأكدت الدراسة أن ثمة منافسة شديدة بين الدول لجذب الكفاءات والمهارات العالية وفي مختلف التخصصات والمجالات، الأمر الذي حفز الكثير منها على تطوير استراتيجيات لجذب العمالة الماهرة والكفاءات.
واوضحت الدراسة أن لكل من هذين النظامين مزاياهما وعيوبهما. فنظام النقاط يمكن ان يحدث تشوهاً في تقييم المؤهلات حيث لوحظ وجود اختلاف بين الأوزان التي تعطى "على الورق" للعمالة الوافدة وبين الأداء الفعلي لهؤلاء أثناء العمل. أما نظام أرباب العمل فهو يقوم على أساس المواءمة بين الأفراد الذين يبحثون عن العمل وبين أرباب العمل الذين يطلبونهم.
أفضل الممارسات الجاذبة
أوضحت الدراسة أن الولايات المتحدة الأمريكية هي من بين أكثر دول العالم جذباً للعمالة الوافدة المتعلمة. وطبقاً للاحصائيات، فإن نسبة العمالة الأجنبية الحاصلة على شهادة جامعية التي قدمت للولايات المتحدة في عام 2005 تجاوزت جميع دول العالم الأخرى المستقبلة للعمالة الأجنبية. كذلك تقف الولايات المتحدة في مقدمة دول العالم المستقبلة للطلبة الأجانب نظراً لما يتمتع به النظام التعليمي في البلاد بسمعة عالية فضلاً عن وجود نظم تتيح للطلبة الأجانب البحث عن عمل لهم. ورغم ذلك، تفيد التقارير بأنه حتى الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية باتت تعاني من وقت لآخر من نقص في الكفاءات. ففي مسح جرى في الولايات المتحدة قبل اعوام قليلة أفاد بأن 38% من أرباب العمل الأمريكان قد شكوا من وجود نقص في الكفاءات المطلوبة ما أجبرهم على تقديم مرتبات أعلى لجذب هذه الكفاءات من الخارج.
النرويج والولايات المتحدة أعدت كل منهما برنامجاً يسمح للأجانب بالقدوم والبحث عن عمل لفترة محددة.
كندا أدركت مخاطر شحة الكفاءات وأسست في عام 2003 برنامج بحث سياسات متوسط الأمد، كما أطلقت مبادرة بحوث السياسات للكفاءات يهدف الى تشجيع البحوث المتعلقة بالأفراد المسنين، وكذلك اجراء البحوث عن الحركة الدولية للعمالة الماهرة، والتدريب واصلاح سوق العمل لاستيعاب العمالة الماهرة. كما شجعت الحكومة الكندية على الحوار البناء وتبادل الآراء ما بين الباحثين لتسهيل اجراء بحوث سياسات العمل. أما في دول أخرى، فقد وفرت حوافز مالية لتشجيع تدفق العمال الأجانب الماهرين. فمثلاً في الدنمارك يخصص حد أدنى من الرواتب للعمال الأجانب الذين يتم توظيفهم من قبل ارباب العمل المواطنين، وتخضع هذه المرتبات لضريبة ثابتة بدلاً من معدلات الضرائب العالية المعتادة. على أن يسري هذا النظام لمدة ثلاثة اعوام فقط.
وفي السويد، طبقت الحكومة نظاما ضريبيا خاصا بالكفاءات الأجنبية العاملة فيها، حيث يستثنى الوافدون الذين تتوفر فيهم مهارات نادرة من دفع الضرائب كنسبة من دخولهم ولمدة أقصاها عشر سنوات. وفي كندا التي تستخدم نظام النقاط عند استقدام العمالة الأجنبية، فرغم ان معدلات الضريبة المطبقة فيها تعد عالية، الاّ أن المقيمين فيها يتمتعون بذات المزايا التي يتمتع بها المواطنون.
كما ان العاملين في مجال البحث والتطوير في اقليم "كيوبك" تعفى نسبة 75% من دخولهم من الضرائب لمدة خمس سنوات. وعلى العموم، تفيد الدراسة بأن كندا قد استطاعت من خلال هذا النظام ان تخصص 55%-60% من تأشيرات الدخول الثابتة الى العمالة الوافدة ذات المهارات العالية.
الكفاءات في دبي
تعد دبي من بين أكثر الاقتصادات نمواً في المنطقة والعالم. كما أنها مدينة الفرص نظراً لما يتيحه فضاؤها الاقتصادي وبنيتها التحتية العصرية من فرص فريدة للقادمين اليها من مختلف دول العالم. وتشير الدراسة الى انه من بين العوامل التي ساهمت في تصنيف دبي كمركز جذب للعمالة الوافدة والمهارات المختلفة هو بالاضافة الى مؤاتاة واستقرار البيئة الاقتصادية والسياسية انفتاح الامارة على العالم، ومرونة نظام الهجرة العمالية.
يضاف الى ذلك، أن دبي وكما هو الحال دولة الامارات بعامة تخلو من الضرائب على خلاف الكثير من دول العالم المستقبلة للعمالة الأجنبية. كما أن نظام التعويضات للكفاءات والمهارات العالية المطبق في الدولة يبدو جاذباً لأعداد كبيرة من الوافدين طوال السنوات الماضية.
كما أوضحت الدراسة أن الجزء الأكبر من عرض العمل في دبي من العمالة الوافدة. وقد ازداد الاعتماد على هذه العمالة مع تنامي وتائر النمو الاقتصادي لاسيما في السنوات التي سبقت الأزمة المالية العالمية 2008.
ورغم التباطؤ الاقتصادي الذي لف العالم في عام 2009 لوحظ ان اعداد العمالة التي وفدت الى الدولة ودبي قد ازدادت خلال العامين الماضيين. ولا ريب ان العامل الرئيسي من وراء ذلك بالاضافة الى المتغيرات الجيوسياسية الاقليمية، هو استمرار جاذبية البيئة الاقتصادية الاماراتية بعامة، وارتفاع مستوى الرفاه وجودة الحياة في دبي بخاصة. أما بالنسبة لجنسية العمالة الوافدة في دبي، فإن أغلبهم من دول شبه القارة الهندية، وأن أكثر من 70% من العمالة الوافدة من الدول الغربية قد أكملوا التعليم الجامعي أو العالي مقابل 12% من آسيا، و28% من أفريقيا، و55% من الدول العربية.
توصيات الدراسة
أوصت الدراسة بضرورة وجود استراتيجية متعددة الآماد للتعاطي مع مسألة الكفاءات في دبي:
استراتيجية على الأمدين القصير والمتوسط:
اتباع سياسات هجرة عمالية تشجع على دخول العمالة الماهرة ذات التحصيل الدراسي العالي والخبرة لاسيما في المجالات التي تكون بحاجة ماسة الى مثل تلك المهارات.
أن يقوم ارباب العمال باعداد برامج تدريبية للعمال من أجل الارتقاء بمستوى مهاراتهم.
تأهيل الطلبة للانخراط في سوق العمل في وقت مبكر حتى قبل التحاقهم بالجامعات والتعليم العالي.
توفير نظام معلومات لسوق العمل يربط احتياجات مختلف القطاعات بالنظام التعليمي.
استخدام تحليل التكلفة/ المنفعة عند تطبيق التشريعات المتعلقة بالهجرة العمالية من أجل تجنب ادخال العمالة الوافدة التي لا تحقق قيمة مضافة للاقتصاد المحلي.
استراتيجية على الأمد الطويل:
زيادة الاستثمارات الخاصة والعامة في تطوير نوعية التعليم العالي في الدولة.
اتباع السياسات التي تذكي الانتقال من القطاعات كثيفة العمل الى القطاعات كثيفة رأس المال بالقدر الذي يؤدي الى زيادة الانتاجية والتنافسية والاعتماد على الكفاءات والمهارات العالية.
تعزيز عمل المرأة في سوق العمل.
