تتطلع محاكم مركز دبي المالي إلى نشر معايير " حوكمة القضاء " على الصعيدين المحلي والإقليمي بعدما جرى تعيين القاضي علي شامس المدحاني، القاضي في محاكم مركز دبي المالي العالمي في مطلع العام رئيسا لمنتدى الشرق الأوسط التابع للمنظمة الدولية لإدارة تميز المحاكم وهي منظمة غير ربحية يتواجد مقرها في العاصمة الهولندية لاهاي. وقد وافقت بعض المحاكم المحلية والخليجية على الانضمام إلى عضوية المنتدى، في الوقت الذي تعتزم فيه محاكم مركز دبي المالي إكمال التطبيق الكامل لمعايير المنظمة قبل حلول عام 2015 .

وقد تأسست المنظمة الدولية لإدارة تميز المحاكم بغرض وضع أطر ومعايير ومقاييس إرشادية تعكس أفضل الممارسات فيما يخص إدارة المحاكم، وهي معايير غير إلزامية وتمثل مقياساً مرجعياً يسترشد به في تقييم مدى كفاءة إدارة المحاكم، وهي لا تتعلق من قريب أو بعيد بالقوانين المطبقة في الفصل في المنازعات القضائية، حيث تتمحور بالدرجة الأولى على مقاييس الارتقاء بخدمات المحاكم.

منتدى الشرق الأوسط

وأوضح علي شامس المدحاني في حديثه الخاص لـ " البيان الاقتصادي " الملابسات التي أحاطت تعيينه في هذا المنصب الهام بقوله : تم تعييني في المنظمة الدولية لإدارة المحاكم كمسؤول عن منطقة الشرق الوسط، حيث لم يسبق لأي محكمة تنتمي إلى هذه المنطقة الانضمام إلى عضويتها، وتتمحور مسؤولياتي ومهامي في العمل على استقطاب محاكم دول المنطقة كي تصبح جزءا من هذه المنظومة العالمية، وهو أمر شأنه أن يساعد على تبادل الخبرات فيما بين هذه المحاكم مع بعضها البعض، كما يتيح إمكانية أن تسهم محاكم دول الشرق الأوسط في تطوير معايير إدارة المحاكم من خلال عرض تجاربها وخبراتها في هذا المجال، وهو ما يسمح بإمكانية أن تتطور هذه المعايير بناء على خبرات شرق أوسطية، وبالتالي، فإن انضمام محاكم الشرق الأوسط إلى عضوية المنظمة الدولية لإدارة المحاكم يحقق فائدة للجانبين على حد سواء.

معايير التميز

وشرح علي شامس المدحاني ماهية هذه المعايير بقوله : اعتمدت المنظمة الدولية لإدارة تميز المحاكم سبعة معايير رئيسية تضمن الإدارة الكفؤة والفعالة لمرفق المحاكم، وتغطي هذه المعايير كلًا من، أولًا: السياسات الإدارية للمحاكم وإجراءات سير الدعوي حتى مرحلة صدور الأحكام، وثانياً: ثقة الجمهور المحلي والعالمي في جهاز القضاء بما في ذلك أساليب قياس وتقييم مستويات الثقة والرضا، وثالثاً: رضا المتعاملين المباشرين أي المتقاضين بشأن مدى جودة خدمات مرفق المحاكم.

ورابعاً: كفاءة إدارة الموارد البشرية والمادية والمالية للمحاكم بما يحقق الاستخدام الأمثل لهذه الموارد في تقديم خدمات أفضل للمتقاضين وتعظيم إمكانية العاملين في المحاكم بما في ذلك القضاة على العمل في بيئة سلسلة وخالية من الضغوط، وخامساً: سهولة الحصول على خدمات المحاكم من حيث قيمة الرسوم وأساليب الدفع وإجراءات التسجيل وطرق الاستماع إلى شهادات الشهود وغير ذلك من إجراءات تيسير الحصول على الخدمات القضائية. وتابع قائلًا: رغم اختلاف وتنوع وجهات النظر بشأن كيفية الارتقاء بخدمات مرفق المحاكم، إلا أن هذه المعايير تحظى بإجماع أعضاء المنظمة.

وبسؤاله عما إذا كانت المعايير الموضوعة من قبل المنظمة الدولية لإدارة تميز المحاكم ذات طابع إلزامي، أجاب بقوله : بالتأكيد، هذه المعايير ليست ملزمة، حيث لا تلتزم الدولة العضو في المنظمة بتطبيق هذه المعايير، ولكن يحق لها أن تطلع على المعايير والممارسات فيما يتعلق بإدارة المحاكم، ويعود إليها بشكل مطلق تطبيق هذه المعايير من عدمه، ويعود إليها كذلك أن تفيد الأعضاء الآخرين بتجاربها وممارستها الذاتية، وذلك إذا ما شاءت.

التوعية بالمعايير

وأجاب علي شامس المدحاني في معرض رده على سؤال بشأن إمكانية أن تعمل محاكم مركز دبي المالي كمنارة إشعاع فكري للتوعية بهذه المعايير إقليمياً ومحلياً، أجاب بقوله : يكمن الهدف الرئيسي من هذه المعايير في رفع كفاءة إدارة المحاكم إلى أعلى مستوى أداء ممكن، وبالتالي، فهي ليست بعيدة عن مسألة منطقة الشرق الوسط، حيث لم يسبق لأي محكمة تنتمي إلي هذه المنطقة الانضمام إلى عضويتها، وتتمحور مسؤولياتي ومهامي في العمل على استقطاب محاكم دول المنطقة كي تصبح جزءاً من هذه المنظومة العالمية ومن الطبيعي أن تتطلع محاكم مركز دبي المالي لأن تكون في مكانة متميزة، وهذا لن يتأت إلا من خلال اعتماد أفضل الممارسات التي بالتأكيد تحقق فوائد جمة وعديدة على مستوى الإدارة الكفؤة والتوظيف الأمثل للموارد والإمكانيات.

وبشأن نشر هذه المعايير محليا وإقليميا، قال علي شامس المدحاني بالحرف الواحد : إنني أعمل على تأسيس منتدي الشرق الأوسط ضمن هيكل المنظمة الدولية لإدارة تميز المحاكم، وهو بنيان جديد قد تشرفت برئاسته، وتتركز جهودي الآن على استقطاب محاكم دول الشرق الأوسط لكي تنضم إلى عضوية المجلس، وذلك من خلال توجيه الدعوة إليها لكي تنضم، وحثها على اتخاذ هذه المعايير كموجهات إرشادية في تقييم ادائها وعملها، وتحفيزها على الوصول إلى مستوى التطبيق الكامل لهذه المعايير، حيث تستلزم هذه المعايير آليات في الشرح والتطبيق، ففي بعض الحالات، قد يحتاج تطبيق هذه المعايير إمكانيات مالية وإدارية بشكل معين، بل قد تحتاج إلى تعديلات في التشريعات، وأعتقد أن كافة دول الشرق الأوسط حريصة على التميز، وذلك أسوة بمحاكم مركز دبي المالي العالمي.

وأجاب في معرض رده على سؤال بشأن ما إذا كان قد تمكن من الحصول على موافقات من دول الشرق الأوسط للانضمام إلى عضوية منتدي الشرق الأوسط التابع للمنظمة الدولية لإدارة تميز المحاكم بقوله :لقد حصلت على موافقات من بعض دول الخليج، فضلاً عن موافقات من محاكم محلية في بعض إمارات الدولة.

وردا على سؤال حول مضمون موافقات هذه المحاكم ، أجاب بقوله : وافقت على الانضمام إلى عضوية منتدى الشرق الأوسط التابع للمنظمة الدولية لإدارة تميز المحاكم، ونحن مستمرون في توجيه دعوات الانضمام إلى مختلف محاكم دول الشرق الأوسط. ومن المقرر أن يعقد الاجتماع الأول لمنتدى الشرق الأوسط في شهر يناير من العام المقبل، ونحن نستهدف تطوير هذه المعايير بما يتناسب مع ثقافتنا وبيئتنا المحلية.

وتحدث علي شامس المدحاني عن أوجه استفادة محاكم مركز دبي المالي العالمي من هذه المعايير بقوله : اعتمدت محاكم مركز دبي المالي هذه المعايير في تقييم عملها وأدائها في وقت سابق على الانضمام إلى المنظمة الدولية لإدارة تميز المحاكم، واسترشدت المحاكم بهذه المعايير في تحديد مدى الاقتراب أو الابتعاد من الأداء المتميز، وبالتالي، طبقت محاكم مركز دبي المالي العالمي هذه المعايير بشكل طوعي واختياري، ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل تم إجراء تعديل في أحد هذه المعايير والمتعلق برضا المتعاملين بناء على خبرة محاكم مركز دبي المالي العالمي، وذلك لكون خبرة المحاكم في هذا المجال أكثر تطوراً.

مكاسب العضوية

وتناول علي شامس المدحاني دلالة وأهمية انضمام محاكم مركز دبي المالي العالمي إلى المنظمة الدولية لإدارة تميز المحاكم قائلاً : من الناحية العملية والواقعية، يجب على الجميع سواء أكانوا أفرادا أو مؤسسات البحث عن التميز، وفي الغالب، يتبع هؤلاء أسلوبا معينا في الوصول إلى التميز، ولكن يظل هذا المسعى منقوصا إذا لم يتم الاطلاع على خبرات وتجارب الآخرين، وإذا لم يتم تقييم الأداء بناء على أفضل المعايير والممارسات الدولية، فمن غير الممكن، وضع تقييم موضوعي للأداء من دون النظر إلى تجارب الآخرين، ومن ثم، فإنه من الوارد أن تمتلك إحدى المحاكم تجارب وخبرات متطورة، ومن شأن انضمامها إلى عضوية المنظمة الدولية لإدارة تميز المحاكم أن يوفر لها المنصة التي تمكنها من عرض خبراتها المتميزة بما يفيد المحاكم الأخرى، والعكس صحيح، وبالتأكيد، يحدث تغيرا في النظرة إلى المحاكم التي تنضم إلى عضوية المنظمة الدولية لإدارة تميز المحاكم، فهناك فارق بين محكمة عضو في المنظمة وأخرى ليست عضوا.

وأستدرك في حديثه قائلاً : يمثل انضمام محكمة بعينها إلى المنظمة بمثابة رسالة رئيسية إلى المتقاضين والمتعاملين بأنها مهتمة بالتطوير والتميز في تقديم الخدمات وأنها تراعي في عملها معايير الكفاءة الإدارية والشفافية، وتصب هذه الرسائل في اتجاه تدعيم مصداقيتها وموثوقيتها، وهكذا، فإن الحصول على عضوية المنظمة الدولية لإدارة تميز المحاكم يشكل قوة محفزة على النظرة الإيجابية للمجتمع القانوني تجاه الأعضاء.

تطوير الأداء

وبشأن استفادة محاكم مركز دبي المالي من هذه المعايير في تطوير أدائها ومدي اعتماد هذه المعايير في التخطيط الاستراتيجي للتطور المستقبلي، قال علي شامس المدحاني : أود الإشارة أولا إلى أن معايير المنظمة الدولية لإدارة تميز المحاكم ليست في حد ذاتها نتاج عمل المنظمة، بل هي إحدى ثمار التفاعل الجماعي بين الأعضاء فيها والذين يتوزعون على مختلف أرجاء المعمورة، وهي كذلك نتاج تضافر المساهمات من مختلف محاكم دول العالم، حيث يشارك فيها دول من مناطق أميركا الشمالية وأستراليا ونيوزيلندا وأوروبا وأميركا الجنوبية وغير ذلك من مناطق العالم، وذلك باستثناء منطقة واحدة وهي الشرق الأوسط، ومن ثم، تعكس هذه المعايير مجمل التجارب والخبرات الرائدة والمتميزة في إدارة المحاكم على الصعيد العالمي، ورغم أن أغلبية الأعضاء يطبقون النظام القانوني الأنغلوسكسوني، إلا أن اتباع هذه المعايير من شأنه أن يحقق تقدما في سير عمل المحاكم من دون التأثير على الآراء القانونية للقضاة، ولقد تبنينا في محاكم مركز دبي المالي العالمي كافة هذه المعايير، ورغم إننا لم نصل بعد إلى مستوى التطبيق الكامل لجميع هذه المعايير، إلا أنه قد تم اعتمادها كأهداف استراتيجية ننشد الوصول إليها بهدف الوصول بالأداء إلى مستوى عالٍ من التميز والكفاءة.

 

الدفاع عن قيم الحداثة

 

يدافع مسؤولو مركز دبي المالي العالمي عن مجموعة أفكار وقيم تعتبر مستجدة على مناخ الأعمال في المنطقة وتشكل في الوقت ذاته الأساس لثقافة أعمال متناغمة مع تلك الموجودة في الأسواق المتقدمة، وتتضمن التحفيز على تطبيق مقتضيات الحوكمة تتفوق على غيرها في مزايا كثيرة، أبرزها تحسن أداء الشركة، وارتفاع قيمتها في السوق، وانخفاض كلفة رأس المال، بالإضافة إلى الحد من تقلبات أسواق المال في المنطقة، حيث يمكن أن تسهم حوكمة الشركات الجيدة، في شكل الإفصاح عن المعلومات المالية في تخفيض تكلفة رأس مال المنشأة.

كما ان حوكمة الشركات الجيدة تساعد على جذب الاستثمارات سواء الأجنبية أم المحلية، وتساعد في الحد من هروب رؤوس الأموال، ومكافحة الفساد. وما لم يتمكن المستثمرون من الحصول على ما يضمن لهم عائدا على استثماراتهم، فإن التمويل لن يتدفق إلى المنشآت. ومن دون التدفقات المالية لن يمكن تحقيق الإمكانات الكاملة لنمو المنشأة، وبالتالي، إحدى الفوائد الكبرى التي تنشأ من تحسين حوكمة الشركات هي ازدياد إتاحة التمويل وإمكانية الحصول على مصادر أرخص للتمويل وهو ما يزيد من أهمية الحوكمة بشكل خاص بالنسبة للدول النامية.

 

قوة تغيير إقليمية

 

تحول مركز دبي المالي العالمي ما يشبه منارة لنشر القيم والمبادئ الجديدة في مجال مباشرة الأعمال، ولم يعد دورها في هذا المجال قاصراً على تقديم ساحة أعمال تتميز بوجود بنية تحتية بالغة التطور على أرقى المقاييس العالمية وقادرة على استقطاب اللاعبين الماليين بمختلف أوزانهم وأحجامهم وتخصصاتهم وفقاً لأرقى المقاييس العالمية.

وتطور مركز دبي المالي لأن يكون بمثابة «قوة تغيير» لأنماط وأشكال ممارسات الأعمال على مستوى الدولة ومنطقة الشرق الأوسط بشكل عام، بحيث تكون منسجمة مع أفضل الممارسات العالمية، وتأسس في الوقت ذاته بيئة أعمال متسقة مع معايير الشفافية والحوكمة تخدم في تعزيز مكانة الدولة كمركز لصناعة الخدمات المالية على مستوى العالم وتحفز على إصلاح بقية الأسواق الإقليمية.

وتجلت تعبيرات هذا الدور في دخول مركز دبي المالي العالمي في حالة اشتباك مستمر ومتواصل مع ممارسات الشركات العائلية والاحتكارات الحكومية بغرض تحفيزها على اتباع مقاييس الشفافية والحوكمة، وتشجيعها على تنقية ممارستها من الشوائب التي تؤثر سلباً عليها في قدرتها على البقاء والاستمرار، ووظف المركز معهد الحوكمة كذراع قوية في تغيير ممارسات الأعمال الموروثة والغير متسقة مع المقاييس العالمية ورفع مقاييس حوكمة الشركات في المنطقة.

 

تطبيق معايير التميز قبل 2015

 

أكد القاضي علي شامس المدحاني القاضي في محاكم مركز دبي المالي العالمي أن المحاكم قد وضعت استراتيجية التطبيق الكامل لمعايير المنظمة الدولية لإدارة تميز المحاكم بحلول العام 2015، معرباً عن اعتقاده بإمكان تطبيق هذه المعايير بدرجة مرضية حتى قبل عام 2015، وأشار إلى أن محاكم مركز دبي المالي تتطلع إلى أن تسهم ليس على صعيد تطوير هذه المعايير فحسب، بل كذلك المساهمة في ابتكار وتطوير معايير أخرى إضافية.