أعد فريق من الخبراء بمركز السياسات الاقتصادية والأبحاث، الذراع التشغيلية لمجلس دبي الاقتصادي دراسة تتناول بالبحث والتحليل "تقدير تدفقات التجارة الخارجية لدولة الامارات ودبي". وتأتي هذه الدراسة في إطار سلسلة أبحاث السياسات الاقتصادية التي يقوم بها المجلس بهدف التوصل الى حزمة من المقترحات والمبادرات لتعزيز عملية النمو الاقتصادي لدولة الامارات عامة ودبي خاصة.

وتشير الدراسة الى أن التجارة الخارجية تعد أحد القطاعات الحيوية للاقتصادات الصغيرة المنفتحة على الخارج نظراً لما تتيحه من طلب على الصادرات وبالتالي تحفز على رفع انتاجية المنشآت المحلية المنخرطة في الانشطة التجارية. كما ان التجارة هي أداة لتوطين التكنولوجيا، وبالتالي من شأنها أن تزيد القدرة الانتاجية للاقتصاد المحلي.

وسلطت الدراسة الضوء على دور التجارة الخارجية في نمو اقتصاد دولة الامارات ودبي. حيث أوضحت أنه نظراً لما تتمتع به دولة الامارات من موقع استراتيجي وكشبكة تقاطع لحركة التجارة الاقليمية والدولية، اضافة الى تطور الخدمات اللوجستية فيها لاسيما في ظل متانة البنية التحتية، فانه من المتوقع أن تستمر تجارة الدولة وخاصة دبي كمحرك رئيس للنمو الاقتصادي.

ثم انصرفت الدراسة الى تحديد هيكل ونمط تجارة الامارات ودبي. وأشارت الى أنه بسبب الطبيعة المزدوجة للاقتصاد الوطني والمتمثلة بالصادرات النفطية من أبوظبي مقابل صادرات غير نفطية من دبي، فان تحديد هيكل التجارة لكل من الامارات ودبي ذو مغزى هام للسياسة الاقتصادية.

وتؤكد الدراسة أنه على الرغم من التطور الحاصل في مجال تنويع مصادر الدخل في الدولة طوال العقود الأربعة الماضية، فان الصادرات الهيدركربونية (النفط ومشتقاته) لاتزال تستأثر بالنصيب الأكبر من اجمالي الصادرات.

ثلاث مجموعات سلعية

أفردت الدراسة فصلاً عن هيكل ونمط التجارة في دبي. حيث أشارت الى أن دبي قد ركزت بصورة هامة على هيكل ونمط تجارتها الخارجية. وعلى نحو أدق، فإن حوالي 80 % من صادرات الامارة تتألف من ثلاث مجموعات سلعية هي الأحجار شبه الكريمة، والمجوهرات (63 %)، والمعادن الأساسية (10 %)، والأطعمة الجاهزة (7 %). وإن أغلب هذه الصادرات موجهة للسوق الهندية.

الأحجار الكريمة

أما تجارة إعادة التصدير فقد اتسمت بالتركز أيضاً. حيث إن قرابة 47 % منها تتألف من الأحجار شبه الكريمة والمجوهرات (أغلبها موجهة للهند وسويسرا)، 16 % مركبات ومكائن ومعدات (معدة للسوق الإيرانية ودول مجلس التعاون الخليجي وخاصة الى السعودية).

وعلى نحو مشابه، تميزت واردات دبي بالتركز في هيكلها ونمطها. حيث إن حوالي 34 % منها تشتمل على الأحجار شبه الكريمة والمجوهرات التي تأتي من الهند، في حين تستحوذ المركبات والمعدات والمكائن والأجهزة الالكترونية على 28 % من اجمالي الواردات معظمها تتدفق من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية اضافة الى الصين.

المبادلات التجارية

واعتمدت الدراسة على نموذج الجاذبية لقياس درجة المبادلات التجارية بين الامارات وشركائها التجاريين. ويشير هذا النموذج الى ان حجم التجارة البينية القائمة بين أي دولتين يعتمد ايجاباً على الناتج المحلي الاجمالي لهما، وسلباً على المسافة الجغرافية التي تفصلهما (والتي يترتب عليها تكاليف نقل).

علاوة على ذلك، يفيد هذا التحليل بان التجارة بين الدول تتأثر أيضاً بعوامل أخرى، من قبيل مستوى التنمية الاقتصادية لدى الشركاء، وحجم السكان، والعضوية في المناطق التجارية التفضيلية، ومدى التشابه الثقافي والتاريخي (كالدين، اللغة، التراث، وغيرها)، اضافة الى التقارب الجغرافي (مثلاً مدى الاشتراك في الحدود)، والخصوصيات الجغرافية للشركاء مثل الجزر أو غيرها. من هنا، يعد نموذج الجاذبية الأكثر اعتماداً ودقة في قياس درجة التبادل التجاري بين الشركاء. علاوة على ذلك، أوضحت الدراسة ان النموذج المذكور يمكن استخدامه أيضاً كمحاكاة التجارة البينية الكامنة بين الدول.

وصنفت الدراسة المجموعات التي ترتبط معها الامارات بمبادلات تجارية، وتشمل منطقة الشرق الأوسط وشمالي إفريقيا، وأميركا اللاتينية، وإفريقيا جنوب الصحراء، ودول جنوب وشرق آسيا، وأوروبا، والولايات المتحدة الأميركية وكندا، والدول المتحولة.

أسواق الصادرات الإماراتية

تفيد نتائج التحليل بان أكبر الصادرات الاماراتية غير النفطية كانت من حصة منطقة الشرق الأوسط وشمالي إفريقيا، حيث تستأثر قرابة 35 % من اجمالي تجارة الدولة، تأتي بعدها دول جنوب وشرق آسيا (31 %)، ثم الاتحاد الأوروبي (19 %)، وإفريقيا جنوب الصحراء (9 %)، والولايات المتحدة وكندا (4 %)، وأقل نسبة صادرات كانت الى الدول المتحولة وأميركا اللاتينية. وتشير التنبؤات الى وجود فرص لنمو الصادرات غير النفطية لدولة الامارات الى كل من دول منطقة الشرق الأوسط وشمالي إفريقيا، والولايات المتحدة وكندا، وأوروبا وذلك بفضل الاتفاقيات الثنائية التي وقعتها الامارات مع هذه الدول.

أما بالنسبة لتجارة إعادة التصدير، تفيد البيانات الفعلية بأن منطقة الشرق الأوسط وشمالي إفريقيا تستحوذ على 51 %، تأتي بعدها دول جنوب وشرق آسيا (23 %)، ثم الاتحاد الأوروبي (8 %).

واردات الإمارات

بيد أن الصورة تبدو مختلفة نسبياً في حالة الواردات، حيث تستحوذ دول جنوب وشرق آسيا على حصة 45 % من اجمالي واردات الدولة، تأتي بعدها الاتحاد الأوروبي (٪32)، ثم الولايات المتحدة وكندا (9 %). أما التوقعات فتشير الى احتمالية حصول انخفاض في حصة هذه المجموعات كموردة رئيسة للامارات.

 

التحديات

 

 

تؤكد الدراسة أن صادرات وإعادة صادرات دبي قد أظهرتا تركزاً شديداً سواء على مستوى الهيكل السلعي أو الشركاء. علاوة على ذلك، فإن التركز المذكور قد شمل سلعاً ذات محتوى تكنولوجي منخفض وذات ارتباطات ضعيفة مع بقية اقتصاد الامارة.

وأوصت الدراسة بضرورة معالجة ظاهرة التركز السلعي والجغرافي في صادرات وإعادة صادرات دبي من خلال إعادة توجيه الموارد نحو القطاعات الانتاجية ذات المحتوى التكنولوجي العالي والتي يمكن ان تعزز ارتباطاتها مع اقتصاد الامارة. كما أوصت الدراسة باهمية السعي الى تنويع الشركاء التجاريين لدبي من خلال البحث عن أسواق جديدة علاوة على تقوية العلاقات التجارية مع الشركاء الحاليين. ويمكن تحقيق ذلك من خلال زيادة الأنشطة التسويقية والترويجية للمنتجات الوطنية، اضافة الى دور ممثلي الفعاليات الاقتصادية في الامارة في هذا المجال.