توقع خبراء مصرفيون أن يواجه قطاع الطيران في الشرق الأوسط ارتفاعاً في كلفة تمويل شراء الطائرات في الشرق الأوسط إضافة للخدمات المرتبطة بها كالتأجير والخدمات الإدارية والخدمات الاستشارية المالية.

وذلك على خلفية تطبيق ضوابط دولية جديدة هي "التفاهم الجديد في قطاع الطيران" التي دخلت مؤخراً حيز التنفيذ، بالإضافة إلى مقررات بازل 3 التي يبدأ تطبيقها التدريجي في 2013، هذا في الوقت الذي تزداد فيه حدة المنافسة بين بنوك عاملة في المنطقة ووكالات ائتمان الصادرات القادمة من الغرب على إقراض 60 مليار دولار هي متطلبات تمويل أساطيل أكبر ثلاث شركات طيران في الشرق الأوسط حتى 2016.

وبحسب تقرير حديث صادر عن شركة بوينج الأميركية فإنه من المتوقع أن يصل حجم الأساطيل التابعة لتلك الشركات إلى ثلاثة أضعاف حجمها الحالي في السنوات العشرين القادمة، وذلك تلبية تزايد الطلب على رحلات السفر، مما سيوفّر المزيد من الفرص أمام المموّلين والمؤجرين.

ويضيف الخبراء أن تلك الإجراءات والضوابط الجديدة ستجعل البنوك الممولة في المنطقة أكثر تركيزاً على مدى قدرات شركات الطيران على توليد العوائد النقدية وخدمة الدين خصوصاً مع تقليص فترات الاستحقاق وخفض نسبة القرض إلى القيمة.

وهو ما يفسح المجال بشكل أكبر لزيادة حصة وكالات ائتمان الصادرات الغربية في سوق تمويل الطائرات الجديدة الذي تشير التقديرات أن حجمه حول العالم سيصل إلى 95 مليار دولار في 2012 وحدها. كما من المتوقع حالياً أن تقوم البنوك التجارية بتلبية حوالي 21% من طلبات التمويل الجديدة في حين ستكون وكالات ائتمان الصادرات مسؤولة عن تمويل 33% من تلك الطلبات.

تفاهمات جديدة

وتبرز في هذه الأثناء مخاوف من تبعات زيادة الاعتماد على ما يعرف بوكالات ائتمان الصادرات الغربية في الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا تحديداً التي تدعم تمويل شراء الطائرات التجارية (إيرباص وبوينج) في الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومنها الإمارات - خصوصاً في ظل إحجام البنوك العالمية عن الإقراض ما قد يؤثر سلباً على مبيعات شركات صناعة الطائرات.

حيث سيتم وبموجب التفاهم الجديد زيادة أسعار تمويل الطائرات اعتماداً على مؤشرات أسواق الدين، وذلك للتخفيف من فروقات الائتمان التي تحصل في أسواق تمويل الائتمان بحسب رأي المنظمة.

ويرى البعض في المقابل أن التمويل بواسطة وكالات ائتمان الصادرات الأجنبية هو ضروري لضمان شراء الطائرات في حال حدوث أزمات اقتصادية حرجة على غرار تلك التي مر بها العالم في 2008.

وتعتبر "وكالات ائتمان الصادرات" بنوك شبه حكومية غربية (تحديداً في الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وإسبانيا) تقوم بتمويل صفقات التصدير وكانت مسؤولة عن تمويل حوالي نصف طائرات إيرباص المباعة العام الماضي. خارج تلك الدول، وتعرف تلك الوكالات بقدرتها على احتمال نسب أكبر من المخاطر لا تستطيع البنوك التقليدية تقبلها.

وفي تصريحات خاصة "للبيان الاقتصادي" أكد برايان جيفري نائب رئيس أول المالية في طيران "الإمارات" أن طيران الإمارات سوف تستمر في استخدام التسهيلات التي توفرها وكالات ائتمان الصادرات الخارجية لتمويل عمليات شراء طائراتها الجديدة.

مشيراً إلى أن تلك الوكالات تفسح المجال أمام تنويع مصادر تمويل الطائرات علاوة على التمويل من خلال القروض المضمونة بأصول تجارية والتمويل الإسلامي والسندات التقليدية، بالإضافة إلى الصكوك الإسلامية. مضيفاً أن "طيران الإمارات على استعداد تام لتطبيق جميع الشروط المفروضة حالياً من قبل وكالات ائتمان الصادرات الخارجية."

وأضاف جيفري أن بنك غولدمان ساكس طرح مؤخراً عروضاً تمويلية لشركة "دوريك نيمورد آير فاينانس ألفا" المحدودة تتضمن طائرات سيتم استئجارها من قبل طيران الإمارات حيث سيتم تمويلها جزئياً من خلال الأسواق الأميركية، مشيراً إلى أنه لا يمكنه التعليق أكثر على هذا الموضوع في الوقت الراهن.

ويؤكد خبراء تمويل طائرات أن الإمارات تحتضن أكبر سوق لشراء الطائرات على صعيد الشرق الأوسط بنسبة 29% من حجم الأسطول قيد الخدمة و44% من إجمالي الطلبيات الموجهة إلى المنطقة.

ومن المقرر أن يتم تسليم 103 طائرة جديدة إلى شركات الطيران في المنطقة خلال العام الحالي، الأمر الذي سيسهم في رفع قيمة سوق تمويل الطائرات (دون حسبان قيمة تأجير الطائرات الجديدة) إلى حوالى 9 مليار دولار أميركي حسب أسعار السوق الحالية. كما سيتم تسليم 400 طائرة إضافية بين عامي 2013 و2016 لترتفع بذلك متطلبات التمويل الإجمالية إلى 60 مليار دولار أمريكي في السنوات الخمس القادمة.

اجراءات

وتوقع كيران كور الرئيس التجاري لمجموعة بمبروك، وهي إحدى الشركات التابعة لبنك ستاندرد تشارترد والمتخصصة بخدمات تمويل وإدارة وتأجير الطائرات أن تؤدي القواعد جديدة في مذكرة تفاهم قطاع الطائرات، إلى يصبح تمويل الصادرات أكثر تكلفة بالنسبة لشركات الطيران بدءا من عام 2013، مرجحاً أن تؤدي مثل هذه الإجراءات إلى زيادة التنافس بين البنوك على زيادة حصتها السوقية وتقديم المزيد من حلول تمويل الديون التجارية.

وأضاف كور في تصريحات لـ"البيان الاقتصادي": "لعبت البنوك على الدوام دورا حيويا ورئيسيا في قطاع الطيران، من خلال توفير حلول التمويل لشركات الطيران، من خلال تمويل عمليات شراء طائرات جديدة وأيضا من خلال دعم الشركات المصنعة وشركات التأجير ومشاريع البنية التحتية لقطاع الطيران.

كما نشهد نمو الأسواق الناشئة والبنوك الإقليمية في الصين وآسيا والشرق الأوسط على نحو متزايد وتغلغلها في السوق وبالتالي نتوقع زيادة مساهمتها في توفير مصادر تمويل جديدة لقطاع الطيران.

وتميل البنوك في الشرق الأوسط حتى الآن إلى أن تظل مركزة على الصعيد الإقليمي بدلا من أن تركز على الصعيد الدولي، لكن هذا قد يتغير مع مرور الوقت. وإلى جانب اللاعبين الجدد، يمكن للبنوك الموجودة في المنطقة مثل "ستاندرد تشارترد" أن تطور مصادر جديدة وبديلة للتمويل لعملائها، مثل حلول التمويل الإسلامي.

ولعل أهم دور حيوي يمكن أن تلعبه البنوك في تعزيز قطاع الطيران هو تعميق العلاقة مع العملاء وفهم طبيعة أعمالهم وتقديم الدعم لهم خلال فترات الصعود والهبوط التي تشكل جزءا لا يتجزأ من التقلبات التي يشهدها هذا القطاع. ونحن ملتزمون بتوفير مختلف حلول التمويل للمساعدة في تطوير الأعمال التجارية لعملائنا من قطاع الطيران في الشرق الأوسط."

طفرة قوية

وتمتلك دولة الإمارات على وجه التحديد أسطولاً يحتوي على ما يقارب 320 طائرة تجارية قيد العمل. في حين يضم أسطول الطائرات التجارية في منطقة الشرق الأوسط حالياً حوالى 1100 طائرة، منها 980 في الخدمة، على أن يتم تسليم 885 طائرة إضافية بين العامين 2012 و2022، ليحقق الأسطول بذلك طفرة قوية على غرار ما شهده خلال السنوات العشر الأخيرة.

ويهيمن على السوق الإقليمي حالياً ثلاث شركات طيران كبرى هي شركة طيران الإمارات والخطوط الجوية القطرية وطيران الاتحاد، والتي تستحوذ مجتمعةً على 36 بالمئة من إجمالي الطائرات في الخدمة وعلى 58% من الطائرات المقرر تسليمها إلى المنطقة أي ما يعادل 515 طائرة إضافية.

ولا بد من الإشارة أن 53 بالمئة أي ما يعادل 521 وحدة تقريباً من الأسطول قيد الخدمة في منطقة الشرق الأوسط عموماً هي من الطائرات ذات الهيكل العريض، مما يعكس طبيعة السوق والإستراتيجية المتبعة لدى شركات الطيران الكبرى في المنطقة. كما يعد تأجير الطائرات من الروافد الهامة في تمويل القطاع في المنطقة، مع تخصيص 35 بالمئة من الطائرات العاملة لغرض التأجير.

وقد حقق هذا المجال في المنطقة نمواً ملحوظاً خلال السنوات الخمسة عشر الأخيرة، حيث ارتفعت نسبة الطائرات الممكن تأجيرها من 8% في العام 1997 إلى 35% في يومنا هذا (15% في 2001 و25% في 2007). وتمثل الطائرات ذات الهيكل العريض نسبةً مرتفعة من إجمالي عدد الطائرات الممكن تأجيرها على صعيد المنطقة، تصل إلى 44 بالمئة.

ومن جهة أخرى، تشكل الطلبيات الموجهة إلى الشرق الأوسط نسبة 10% من إجمالي أعداد الطلبيات على الطائرات على الصعيد العالمي. وعلى الرغم من هذه النسبة المنخفضة نسبياً من حيث العدد، غير أنها أعلى قيمة من الجانب المالي، نظراً لتركيز المنطقة على الطائرات ذات الهيكل العريض.

 

التركيز على العوائد

 

قال مصدر في احد المصارف المحلية المتخصصة في تمويل الطائرات في المنطقة فضل عد الكشف عن اسمه أنه وبموجب تطبيق ما يعرف "بالتفاهم الجديد في قطاع الطيران" وتطبيق مقررات بازل 3 التي يبدأ تطبيقها التدريجي في 2013، سيصبح تمويل الطائرات في الدولة أكثر تكلفة ما قد يؤدي بالنتيجة إلى تقليص فترات الاستحقاق وخفض نسبة القرض إلى القيمة (كلما قلّت هذه النسبة كلما زادت حصة المقترض من المخاطر وزادت الحماية للمقرض بسبب ترتيب الضمان) وذلك لجعل تسعير القروض أكثر قبولاً.

وأضاف أنه البنوك من جانبها ستكون أكثر تركيزاً على مدى قدرات شركة الطيران على توليد العوائد النقدية وخدمة الدين.

وأشار أنه بالنسبة لشركات طيران مثل "الإمارات" فإنه قد يكون منطقياً أن تحاول الشركة الحصول على ما يعرف "بتصنيف التعاملات التجارية" لدعم وصولها لأسواق المال الأميركية حيث من الأرجح توفر فترات تمويل أطول وأسعار أفضل.

 

الطيران الناشئ

 

توقع كيران كور أن تلعب شركات الطيران الناشئة المنخفضة التكلفة دوراً بارزاً في دعم حركة النمو، سيما أنها تستهدف الشريحة الشبابية والعاملين المغتربين في المنطقة وبالتالي تركز على الرحلات المحلية والإقليمية الداخلية.

و تمكّنت شركات الطيران منخفضة التكلفة أمثال "فلاي دبي" والعربية للطيران من الإسهام بحوالي 4% من الطاقة الإنتاجية ، وتستحوذ على أكثر من ثلث الطلبيات على الطائرات ذات الممر الواحد والموجّهة الى المنطقة.

 

المنطقة تطمح أن تغدو مركزاً عالمياً للنقل الجوي

 

يعد قطاع الطيران من الدعائم الأساسية لدفع عجلة النمو الاقتصادي في المنطقة، سيما مع تزايد الطلب على رحلات نقل الركاب بشكل كبير حيث أصبحت منطقة الشرق الأوسط مركزاً رئيسياً لرحلات السفر طويلة المسافات بين قارتي أوروبا وآسيا.

وتطمح المنطقة بأن تغدو مركزاً عالمياً للنقل الجوي، موسعةً نطاق خدماتها لتشمل الأميركتين وأفريقيا أيضاً. وقد ازداد عدد المسافرين جواً من وإلى الشرق الأوسط بنحو 45 مليون مسافر بين العامين 2005 و2010 بمعدل نمو سنوي بلغ 11%، على أن تشهد المنطقة نمواً مماثلاً على مدى السنوات الخمسة المقبلة أيضاً.

ويعزى هذا الارتفاع الملحوظ إلى عدة عوامل، أهمها (1) تطبيق سياسة الأجواء المفتوحة في المنطقة، (2) وتركيز الحكومات المحلية على المبادرات التنموية ذات صلة بالقطاع ، (3) والموقع الجغرافي المتميز بين القارات الثلاث الأكثر كثافة بالسكان، (4) واعتماد كبرى شركات الطيران في المنطقة على إستراتيجية ترمي إلى الاستفادة من الموقع الجغرافي للمنطقة بالتركيز على رحلات الربط الدولية بين القارات الستة، لا على دول الانطلاق والمقصد المحلية. وقد أسهم ذلك في تنشيط حركة الرحلات الجوية بشكل كبير لدى شركات الطيران الشرق أوسطية، وحتى خلال فترة انكماش القطاع بين عامي 2008 و2009.

وعلى الرغم من الحالة الراهنة غير المستقرة في المنطقة، فقد ارتفع عدد المسافرين جواً في المناطق الثلاث الرئيسية في الشرق الأوسط (دبي وأبوظبي والدوحة) بنحو 7.7 مليون مسافر في العام 2011، حيث بلغ متوسّط معدل حركة رحلات نقل الركاب 10.5%.

هذا وقد كشفت المطارات الثلاثة عن عزمها توسيع مساحاتها تماشياً مع خطط شركات الطيران للتوسع، حيث من المقرر إضافة 72 طائرة إلى أسطول شركة طيران الإمارات خلال السنوات الثالثة المقبلة، و42 طائرة إلى الخطوط الجوية القطرية، و33 طائرة إلى طيران الاتحاد.

وهذا ليس بالأمر المفاجىء إذ تتمتع هذه الشركات الثلاثة بالأفضلية على شركات الطيران الأسيوية والأوروبية من حيث التكلفة، حيث تحرص على استخدام الطائرات الأحدث والأقل استهلاكاً للوقود. وعلاوة على ذلك، فقد تم تخصيص مبلغ 48 مليار دولار لتمويل المشاريع الخاصة بالمطارات في المنطقة والمزمع تنفيذها خلال العقود الثلاثة القادمة.

كما سجل معدل نمو حركة رحلات نقل الركاب في المنطقة عموماً 8.9 % في العام المنصرم، متفوقاً على متوسط معدل النمو في قطاع الطيران العالمي الذي بلغ 6.8 %. وتستمر حركة النقل الجوي الدولية للركاب في الشرق الأوسط بالتصاعد، وخير دليل على ذلك ارتفاعها خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي بنسبة 18 % مقارنة بالعام الماضي.

البنوك توفر باقة من حلول التأجير التشغيلي وتمويل الديون

 

حول الدور الذي يمكن أن تلعبه البنوك في تخفيف بعض الآثار المترتبة على ارتفاع أسعار النفط، أجاب كيران كور أنه بات بإمكان البنوك اليوم تقديم منتجات وخدمات فعّالة من حيث التكلفة تساعد في تقليل تكاليف كل الأعمال.

ويعمل بنك "ستاندرد تشارترد" حاليا مع عدد من شركات الطيران في المنطقة على توفير باقة من حلول التأجير التشغيلي وتمويل الديون وتمويل عمليات ائثمان الصادرات وحلول التمويل الإسلامي.

وينصب تركيز "ستاندرد تشارترد" اليوم على قطاع تأجير وتمويل الطائرات في مرحلة الإنتاج والتي تتميز بكفاءة في استهلاك الوقود ويكثر الطلب عليها وتوفر افتصاديات التشغيل والتنافسية للعملاء خاصة في البيئات التي تشهد ارتفاعاً في أسعار الوقود.

بالإضافة إلى توفير حلول التمويل، يقدم البنك للعملاء أيضا مجموعة واسعة من الخدمات . وبات "ستاندرد تشارترد" من خلال شركته التابعة، "بمبروك"، قادرا على تقديم خدمات إعادة التسويق وخدمات المبيعات لطائرات العملاء، فضلاً عن الخدمات الاستشارية العامة في الإدارة التقنية وخدمات إدارة عقود التأجير. ويهدف بنك "ستاندرد تشارترد" إلى تعميق العلاقة مع العملاء وتوفير مختلف الحلول المخصصة لتلبية احتياجات إدارة التمويل وإدارة الأصول.