توقّع خبراء في قطاعي البنوك والتجزئة أن تصل نسبة نمو قطاع التجزئة في الدولة إلى ٪15 مع نهاية العام الجاري، وأن يستمر القطاع في تحقيق تلك النسبة على الأقل بشكل مستدام، وذلك خلال السنوات الثلاث المقبلة، مشيرين إلى أن الفضل في هذا النمو يعود بشكل كبير إلى نمو الإنفاق الاستهلاكي المحلي بشكل تدريجي خلال العامين الماضيين وتواجد مشاريع التجزئة ذات المستوى العالمي في الدولة بشكل عام، وخصوصاً في دبي وأبوظبي.

وتوقع الخبراء خلال ملتقى بنك "إتش إس بي سي" مع عدد من الشركات العاملة في قطاع التجزئة في الدولة استمرار نشاط قطاع الاستهلاك الذي يضم الضيافة والفنادق والمطاعم، وخصوصاً في دبي خلال الشهور الثمانية عشر الأخيرة، مشيرين إلى أن جزءًا من ذلك النمو سيرتبط بمدى سهولة الوصول إلى سيولة لتمويل مشاريع ومتاجر التجزئة الجديدة.

وعبر المجتمعون عن تفاؤلهم بشأن مستقبل قطاع التجزئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا باعتبارها سوقاً يشهد تطوراً جوهرياً في قطاع التجزئة العالمي يقوده في ذلك محركات السوق المتغيرة والتحول الاقتصادي ومكانة الإمارات، وخصوصاً دبي التي ستبقى أحد المقاصد الرئيسة المهمة. مؤكدين أن قطاع التجزئة سيسهم بشكل رئيسي في نمو اقتصاد الدولة هذا العام الذي يتوقع البنك أن يتراوح بين 3-4%.

ارتفاع الاستهلاك المحلي

وأكد نيكولاس ليفيت، رئيس إدارة الخدمات المصرفية التجارية في بنك إتش إس بي سي الشرق الأوسط، أن الاستطلاعات التي حصل عليها البنك من عملائه الذي يشكلون نحو 40% من شركات التجزئة في الدولة تشير إلى أن معدل نمو أعمالهم تراوح من 10 إلى 15% خلال الشهور الثمانية عشر الأخيرة، مرجعا ذلك إلى نمو مستويات الإنفاق المحلي الذي لم يقتصر على قطاع التجزئة، بل حدث نمو كذلك في قطاع الاستهلاك الذي يضم الضيافة والفنادق والمطاعم، وخصوصاً في دبي. وأضاف: "بالنظر إلى معدل التحويلات نجد أن معدل تحويلات العاملين الأجانب في دول الخليج يتراوح حالياً بين 20 25% من رواتبهم، في حين أن تلك النسبة في الإمارات انخفضت إلى 8% في العامين الماضيين، ويعود ذلك إلى سببين رئيسين، أحدهما أن العاملين في الدولة ينفقون المزيد من أموالهم داخل الدولة، والثاني هو أن مدة بقاء سكان الدولة أصبحت أطول بالمقارنة مع 2009 حين غادر العديد من المقيمين على إثر الأزمة العالمية الأخيرة، وهذا مؤشر جديد على ثقة المقيمين باستقرار اقتصاد الدولة".

أبوظبي

وتوقع ليفيت إن يشهد قطاع التجزئة في إمارة أبوظبي استثناءً عبر بعض مشاريع التطوير العقاري المهمة مثل الوحدة مول والسوق المركزي ومول أوف آرابيا، ومشروع ياس مارينا..الخ. كما قد نلحظ أيضاً إعادة تموضع لبعض مراكز التسوق الأقل أداءً نتيجة للتأثر بظهور مراكز التسوق الكبيرة والحديثة ما أثر في أداء المبيعات في السنوات القليلة الماضية. وأضاف :" نتوقع أن العروض على المساحة الإجمالية القابلة للتأجير الجديدة ستكون كافية لتفي بالطلب على مساحات التجزئة على مدار السنوات الخمس المقبلة. وفي قطاع التجزئة ازدادت أهمية أبوظبي، ومعظم عملائنا يعبرون عن توقعاتهم الإيجابية في أبوظبي التي ازدادت فيها المساحات المخصصة للإيجار في مراكز التسوق".

الدعم المالي

وقال ليفيت إن البنوك سيكون لها دور أساسي في توفير الدعم المالي لسلسة التوريد التي لها دور كبير في نمو قطاع التجزئة في الدولة وتخفيف المخاطر المرتبطة بتلك السلسلة وتقلبات أسواق العملة، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية في المشهد العالمي، خصوصاً وأن بنك مثل "إتش إس بي سي" يتمتع بشبكة عالمية".

وأضاف أن نمو قروض الشركات بشكل عام في الإمارات خلال الربع الأول من العام والأخير من العام الماضي ولم يتجاوز نسبة 0.7% أي من دون تغيير تقريباً. وأضاف أن البنوك ومن ضمنها "إتش إس بي سي" تعمل لزيادة تلك النسبة من خلال رفع نسبة حساب مخاطر الإقراض، متوقعاً أن يزداد معدل إقراض الشركات تدريجياً خلال العام المقبل.

نمو مستدام

من جانبه، توقّع جون وارتيغ المدير المالي لمجموعة الفطيم أن تحقق شركات التجزئة في الدولة والمنطقة نمواً بحوالي 10% خلال السنوات الثلاث المقبلة، خصوصاً في ظل الفرص التي فتحتها الظروف الراهنة في المنطقة، ومشيراً إلى أن الاستفادة من تلك الفرص سترتبط إلى حد بعيد بمدى سهولة الوصول إلى السيولة وبأسعار جيدة، خصوصاً في ظل تعسر ظروف التمويل من أوروبا واستحقاق ديون جديدة خلال تلك الفترة، مضيفاً أن الإنفاق المحلي سيكون قادراً على سد جزء مهم من احتياجات النمو المتوقعة.

وأضاف: "على الرغم من العقبات القليلة التي نتجت عن المخاوف العالمية، والأزمة المالية التي تعرضت لها المنطقة، والقلاقل السياسية، عاد قطاع التجزئة في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي إلى مساره الطبيعي في عام 2010. حيث أسهم ارتفاع معدلات الدخل المتاح، وتوسع القاعدة السكانية، وتنامي الطموحات والتطلعات والتدفق المستمر للسائحين، من بين عوامل أخرى، في إخراج قطاع التجزئة في المنطقة من الأجواء الاقتصادية العالمية الصعبة".

تعافي القطاع

وتوقع فيبن سيتي، الرئيس التنفيذي لمجموعة "لاندمارك" أن يتراوح نمو قطاع التجزئة من 8 إلى 12% خلال العامين المقبلينن. وأضاف خلال الملتقى: "لقد تعافى قطاع التجزئة في الإمارات بشكل كبير خلال العامين الماضيين وإن ليس بمستويات 2006 2007، ونحن نرى ذلك بوضوح من خلال أعداد السياح الكبيرة، وخصوصاً من دول الجوار وحتى مواطني الدولة. وأعتقد أن مصر تتمتع بمقومات نمو جيدة، وأعتقد أن نمو قطاع التجزئة في الدولة مستدام ولا يوجد عودة للوراء، خصوصاً مع استمرار النمو بمستويات جيدة ما بعد الأزمة الأخيرة. ومن الواضح أن مستويات الإنفاق أكبر من العام الماضي وأن ثقة المستهلكين من سكان الدولة أكبر في السوق".

ووفقاً للبيانات، فقد تحسنت مستويات الثقة بين المستهلكين في قطاع التجزئة بشكل كبير وملحوظ في أنحاء منطقة الشرق الأوسط بعد الأزمة الاقتصادية السابقة، إلا أن مؤشر مستويات الثقة الحالي لم يصل بعد إلى المستوى الذي كان عليه ما قبل الأزمة المالية العالمية. وتعتبر مستويات الثقة في كل من الإمارات وقطر والمملكة العربية السعودية والكويت قويةً بشكل استثنائي- مقارنة مع الأسواق الأخرى مثل استراليا والصين وهونغ كونغ.

نشاط ملحوظ

وقال سيريل كولور رئيس بحوث التجزئة والمنتجات الاستهلاكية في شركة "بين أند كومباني" للاستشارات إن قطاع التجزئة شهد نشاطا ملحوظا في دبي خلال الربع الأول من العام الحالي. وتوقع أن يستمر ذلك خلال العام، وأضاف أن نمو القطاع وصل إلى 20% بين أعوام 2004 2008 ثم انخفض إلى 6% في 2009 مع تعاف بسيط خلال 2010 حيث صعدت النسبة إلى 9%. وأما العام الماضي فشهد القطاع نموا قويا وصل إلى 16% بالمقارنة مع العام الأسبق.

وتابع :"لا يزال القطاع جيد جداً في دبي بفضل النشاط القوي للسياحة ونسب الإشغال الفندقي المرتفعة، حيث يشكل السياح نحو 20% من حركة التسوق في المراكز ونحو 35% من عوائد المراكز. هذا بالإضافة إلى نشاط الإنفاق المحلي في أوساط المقيمين في الدولة. ومن الواضح عودة الثقة لهذه الشريحة، ونتوقع استمرار ذلك خلال العام. وبالطبع فإن مهرجاني التسوق يؤثران إيجابياً على الحركة في مراكز التسوق، خصوصاً لدى شريحة السياح".

نمو سريع

واعتبر ليفيت أن قطاع التجزئة كان أحد أسرع القطاعات الاقتصادية نمواً في المنطقة على مدى السنوات القليلة الماضية، ولا يزال من أكثر القطاعات أهميةً من حيث تعزيز التنويع والتطور الاقتصادي المستدام في المنطقة، حيث بدأ هذا القطاع بالانتعاش بشكل جيد بعد مرحلة التباطؤ الاقتصادي، واستمر بالعمل ضمن مساحة شهدت الكثير من التنافس. وأضاف: "بالنسبة لجاذبية السوق، فلا تزال دولة الإمارات تعتبر واحدةً من الدول المهمة والأساسية نظراً لازدياد عدد السياح ونمو الإنفاق الاستهلاكي وتواجد مشاريع التجزئة ذات المستوى العالمي. ومن وجهة نظرنا، فإن دولاً أخرى إلى جانب الإمارات، مثل الكويت والمملكة السعودية وقطر، لا تزال توفر دفعاً ودعماً قويين للسوق. وبالرغم من الحالة السياسية غير المستقرة التي تعصف في مصر، فهي لا تزال تعتبر سوقاً قابلة للنمو نظراً لتعدادها السكاني الهائل وتطور أشكال الإنفاق فيها".

منافسة متزايدة

وأشار المجتمعون إلى أن المنافسة المتزايدة وضعت الكثير من التحديات أمام باعة التجزئة ما دفعهم للنظر في تنويع منتجاتهم، والأسعار التشجيعية، والموقع المناسب، وهو ما أسهم في تعزيز الكفاءة التشغيلية. وأضاف ليفيت أن معظم أنشطة أعمال التجزئة في الدولة تركزت حول دبي وأبوظبي، حيث تعززت هذه الأنشطة بالإنفاق في قطاع السفر والسياحة الترفيهية التي تعد الأعلى بين دول مجلس التعاون الخليجي، متجاوزة بذلك أكثر من نصف إجمالي الإنفاق في المنطقة. وتعد مهرجانات التسوق وأسواق المنطقة الحرة من المراكز المهمة لجذب السياح. وأضاف :"من المرجح أن يشهد قطاع بالتجزئة في الإمارات، على مدى السنوات المقبلة، منافسةً متزايدة نظراً لوصول السوق لمستويات التشبع. وأهم عوامل التميز من حيث الأداء بالنسبة للاعبين الأساسيين تتركز ما بين التنوع والتموضع عبر مختلف قطاعات السوق، وارتفاع مردود الكفاءات بين قطاعات البيع والتوريد، حيث إنه من المرجح أن ينخفض متوسط الإيجار في مراكز التسوق التجارية بشكل كبير نظراً للطلب المحدود على المساحات الإضافية لمحلات التجزئة".

مساحة التجزئة

وفي هذا السياق توقّع وارتيغ أن تشهد الدولة زيادة قصوى في مساحة التجزئة عام 2015 حيث إن ٪56.4 من المشاريع قيد التطوير والإنجاز في المنطقة تقع في الإمارات. مضيفاً أن العرض على المساحة الإجمالية القابلة للتأجير الجديدة ستكون كافية لتفي بالطلب على مساحات التجزئة على مدار السنوات الخمس المقبلة. وأضاف: "من دون شك أن قطاع التجزئة عاد إلى النشاط والنمو مجدداً خلال الشهور الثمانية عشر الأخيرة، وهذا النمو هو عضوي هذه المرة ويستند إلى دعائم اقتصادية متينة من خلال افتتاح متاجر جديدة والقيام بعمليات استحواذ استراتيجية، ونحن قمنا بعمليات استحواذ في السعودية وسنغافورة على سبيل المثال، وتلك الأسواق بالإضافة إلى أسواق الدولة هي من مناطق النمو القوية في هذا الوقت.

وأفاد واريغ أنه بناءً على التقديرات الجانبية للطلب، فمن المتوقع أن تشهد مبيعات التجزئة في دول الخليج نمواً بحيث يصل متوسط معدل النمو التراكمي إلى 8.3% ما بين عامي 2010 و 2015. كما يتوقع أن تشهد المملكة السعودية أكبر معدل للنمو في المنطقة على مدى خمس سنوات، بحيث تزيد حصتها في مبيعات التجزئة في منطقة الخليج على مدى السنوات المقبلة.

وقال :"وبالنظر إلى المنطقة ككل، نرى بأن دول مجلس التعاون الخليجي قد شهدت استثمارات مهمة في مجالات تطوير البنية التحتية وقطاع السياحة والضيافة على المستوى العالمي، حيث أضحت المنطقة وجهةً شائعة بالنسبة للمسافرين الباحثين عن الترفيه وكذلك للمتسوقين الذين لديهم طموح وفضول قويان للحصول على العلامات التجارية العالمية. كما أن الموقع الجغرافي الاستراتيجي والتركيز الحكومي على جذب السياح في العديد من دول مجلس التعاون الخليجي قد لعب دوراً مهماً في تعزيز نمو حركة المسافرين في هذه الدول، ما يعتبر دافعاً أساسياً وجوهرياً لهذا القطاع".

ارتفاع مستويات الثقة

قال جون وارتيغ المدير المالي لمجموعة الفطيم إن مستويات الثقة في الإمارات شهدت أكبر عودة نوعية لها. كما سجل مؤشر الثقة في الكويت مستويات عالية مقارنة ببياناتها التاريخية وبيانات الأسواق الأخرى. كذلك شهدت مصر تقلبات في مستويات الثقة لكنها كانت ذات طابع إيجابي حيث طغى عليها بعض التحسن. وأضاف: "بالطبع فإن السوق يشهد بعض الانتعاش من جديد، ولكن بما أننا لن نعود إلى مستويات عام 2005/2006، فما نراه الآن هو نمو حقيقي حيث يتوقع أن يشهد قطاع التجزئة في مجلس التعاون الخليجي توسعاً أكثر توازناً في مساحة المحلات التجارية مع وضع خطط تطوير عقارية جوهرية لمدن رئيسية أخرى مثل أبوظبي والدوحة. ويتوقع أن يزداد طلب المستهلكين على البضائع الفاخرة بوتيرة أسرع في المستقبل القريب نتيجة للتحسن الملحوظ في النمو الاقتصادي وارتفاع أسعار النفط. ولذلك نتوقع أن نشهد نمواً متواصلاً في المنطقة- وخصوصاً في مجالات المنتجات الفاخرة والمتاجر الكبيرة/متاجر الأقسام المتنوعة ومحلات البيع بالتجزئة للمسافرين (المناطق الحرة غير الخاضعة للرسوم الجمركية)".

وتوقع المشاركون أن تزداد مبيعات التجزئة الخاصة بمراكز التسوق الشاملة ومراكز بيع السلع الاستهلاكية في منطقة الخليج بحيث يصل متوسط معدل النمو التراكمي إلى 10.7% ما بين عامي 2010 و2015، بما يتجاوز المتوسط لقطاع التجزئة بوجه عام. ومن المتوقع أن تؤدي العوامل الأساسية الدافعة لمبيعات التجزئة في قطاع الأغذية إلى جانب زيادة توغل قنوات التجزئة المعاصرة إلى أن تكون المملكة السعودية محركاً أول للنمو في قطاع مراكز التسوق الشاملة ومراكز بيع السلع الاستهلاكية في دول الخليج.