للمياه والجليد نكهة خاصة في النمسا.. فبينما يأتي القسم الرئيسي من مياهها مباشرة من الينابيع الموجودة في الجبال، فإن جبال الألب النمساوية توفر ظروفاً مثالية لوجود ;جليد أبدي; وثلوج على مدار السنة. وتعتبر المياه والثلوج والجليد من عوامل الجذب السياحي الرئيسية في النمسا، حيث يوفر هذا البلد إمكانات واسعة ومتنوعة للاستمتاع والترفيه وممارسة الرياضة، خصوصاً مع ما يزخر به من بحيرات يصل عددها إلى 5 آلاف بحيرة، ومنطقة جبلية ألبية تمثل حوالي 70 من أراضيه مع إطلالات بانورامية ساحرة، ناهيك طبعاً عن عوالم عجيبة من الثلوج والجليد تجذب ملايين الزوار الأجانب.
مياه عذبة وقرى شاعرية!
إن الطريقة الكلاسيكية للاستمتاع بالمياه هو التوجه إلى واحدة من البحيرات العديدة المنتشرة في النمسا، لاسيما بحيرة ;ورثير سي; في ;كارينثيا;، أدنى المقاطعات جنوباً في النمسا. فهذه البحيرة المتواجدة وسط التلال والجبال والتي يبلغ طولها 17 كيلومتراً، تعد بالفعل البحيرة الأكثر شعبية في البلاد.
وبإمكانك الاستمتاع بإطلالة كاملة عليها وعلى الجبال المحيطة بها بواسطة تلفريك جبل ;غيرليتزين;، الذي يصعد بك إلى ارتفاع يبلغ 2000 متر خلال 15 دقيقة فقط. ومن هذا العلو، سترى الأماكن السكنية ذات المناظر الطبيعية الفاتنة والتي جعلت من ;ورثير سي; بحيرة شهيرة جداً، وهي ;ك لاجنفورت; و;فَلدَن; و;بورتشاخ;.
وعلى الرغم من أن ; كلاجنفورت; هي عاصمة مقاطعة ;كارينثيا;، إلا أنها لا تزال بلدة صغيرة وهادئة نسبياً. أما ;بورتشاخ; فهي مشهورة بكورنيشها المليء بالأزهار المتفتحة طوال فصل الصيف. وبدورها، تعد ;فَلدَن; قرية شاعرية صغيرة، ولكنها في فصل الصيف معروفة عالمياً بحياتها الليلية المفعمة بالحيوية على امتداد ضفة البحيرة. وتُعتبر الرحلة بالقارب في هذه البحيرة من أكثر التجارب رومانسية في النمسا.
أشباح وغيلان تسكن الأعماق
ومن رومانسية المياه، ننتقل إلى عالم الأساطير! وهذا بالتأكيد ينطبق على ما يسمى بالممر النهري المسكون بالأشباح ;سبريت غورج; القريب من منطقة الألعاب الأولمبية الشتوية ;زيفيلد;. فهنا، شقت المياه طريقها عبر الجبال على مر الملايين من السنين، ويصل عمق الممر النهري في الوقت الحاضر حتى 75 متراً، إذ أن دواماته وشلالاته تصدر الفقاقيع وتنثر المياه وتهدر بأكثر الطرق إذهالاً. وتدعي الأساطير القديمة بأن هذه الأصوات صادرة عن الأشباح والغيلان التي تعيش في أسفل مياه الممر النهري.
ويمر عبر هذا الممر طريقان للمشاة بإطلالات فاتنة على المياه الهادرة في الأسفل. وبالإمكا ن الوصول إليهما بسهولة فهما قصيران (1.9 كم و3 كم) ويسهل المشي عليهما، كما تم تصميمهما من أجل العائلات، حيث يتصفان بأجواء مسلية جداً ويزخران بمحطات عديدة تقوم فكرتها على الأشباح.
متنزه مائي ومعادن مفيدة
وفي الواقع فإن معظم مياه النمسا غير مرئية، وذلك لأنها مخزنة عميقاً في أجواف الجبال منذ عدة ملايين من السنين. وحالما تجد طريقها نحو الخارج تكون غنية بالمعادن وتعتبر صحية جداً. وفي وادي ;غاشتاين;، وجدت المياه طريقها نحو الخارج، حيث تتدفق في الوقت الحاضر خمسة ملايين لتر مذهلة من المياه المعدنية الدافئة يومياً من جوف الجبال مصدرة الفقاقيع.
وبهذه الطريقة، يوفر وادي ;غاشتاين; مزيجاً فريداً من نوعه من قمم الجبال والمنتجعات الصحية ذات المياه الحرارية. ففي وسط قمم جبال الألب المغطاة بالثلوج، بإمكانك الاستمتاع بقضاء عطلة مع عائلتك في متنزه الاستجمام المائي الأحدث في أوروبا، حيث تتواجد 6 مناطق للعناية بالصحة والقيام بالمغامرات في منطقة شاسعة تبلغ مساحتها 350 ألف قدم مربع. ويمكن الوصول إلى وادي ;غاشتاين; بسهولة كونه يقع في إقليم سالزبورغ.
أعلى شلالات في أوروبا
ونبقى في عالم المياه، ولكن في مكان آخر من إقليم سالزبورغ وهو قريب جداً من ;تسيل أم زي كابرون; ومشهور بوجود وجهة مائية جذابة تتمثل في شلالات ;كريمل; الشهيرة، التي تعد أعلى شلالات في أوروبا وتحتل المرتبة الخامسة في العالم بعلوها، حيث تتسافط المياه من ارتفاع يبلغ 380 متراً، لتنزل على 3 مصاطب خلال رحلتها إلى أسفل الجبل.
وبما أن ;تسيل أم زي كابرون; ووادي ;غاشتاين; وشلالات ;كريمل; وطريق أعالي جبال الألب ;جروسجلوكنَر; كلها قريبة جداً من بعضها، فإن السياح الذين يتوافدون إلى إقليم سالزبورغ يستغلون الفرصة عادة لمشاهدة كل هذه الأماكن في زيارة واحدة.
من الدانوب إلى قصر هيلبرون
كما توفر فيينا الكثير من الفرص من أجل الاستمتاع بالمياه مباشرة داخل المدينة. ففي الوقت الذي يعتبر فيه نهر الدانوب ثاني أطول الأنهار في أوروبا وأكثر الأنهار في العالم التي تم ذكرها في الأغاني الرومانسية والنثر والشعر، فإنه يتصف بأكثر من ذلك في فيينا، حيث يعتبر جنة للسباحة والرياضات المائية! ومع ذلك، احرص على الذهاب إلى القسم الصحيح منه، فهناك: الدانوب الرئيسي حيث تبحر سفن الرحلات النهرية ولا يُنصح بالقفز في الماء هناك.
وهناك الدانوب القديم الذي يعد موقع استجمام رومانسي جداً ويحظى بشعبية واسعة بين أهل فيي نا ولدى محبي الهواء الطلق أو الغطس في المياه أو لأولئك الذين يرغبون القيام بجولات بواسطة القوارب. وهناك الدانوب الجديد الذي تفصله عن الدانوب الرئيسي جزيرة اصطناعية يبلغ طولها 21 كيلومتراً، وتعد جنة استجمامية تضم الكثير من الشواطئ و180 هكتاراً من الأراضي الطبيعية والعديد من البارات والمطاعم والمقاهي الموجودة على ضفتي النهر. وخلال الصيف، يحتشد يومياً ما يصل إلى 300 ألف ضيف في جزيرة الدانوب، كما أنها تستضيف كل عام أكبر حفلة في الهواء الطلق في أوروبا (مهرجان جزيرة الدانوب، وهو مجاني)، حيث يحضر المهرجان 3 ملايين زائر في 3 أيام.
لقاء منعش مع التاريخ
أما عند القيام بجولة في سالزبورغ المشهورة بالموسيقى والشوكولا وبمركز مدينتها التاريخي، الذي يعتبر منذ عام 1997 من مواقع التراث العالمي لمنظمة اليونيسكو، فستحتاج بالطبع إلى استراحة منعشة يمنحك إياها قصر ;هيلبرون;. هذا القصر ومتنزهه الواسع، الموجودان على بعد 15 دقيقة خارج مركز المدينة، بني قبل 400 سنة بأمر من رئيس الأساقفة ;ماركوس سيتيكوس; الذي كان محباً للمزاح. هنا ستكتشف سريعاً بأن قصر ;هيلبرون; هو مكان للاستمتاع أكثر من كونه قصراً حقيقياً، وذلك لأن ;ماركوس سيتيكوس; بنى مرافق القصر الواسعة لتقوم برش الماء على ضيوفه الموقرين.
فقد كان الماء، ولا يزا ل كذلك، يُرش من كل زاوية بضغطة زر. ومع النوافير الخادعة وفتحات نفث المياه المخبأة والمغارات والينابيع، فليس هناك طريقة للخروج من هذا القصر دون التعرض للبلل! ولهذا فإن الوقت المثالي لزيارة قصر ;هيلبرون; يُفضل أن يكون في يوم صيفي حار ليعيش الزوار لقاءً منعشاً مع التاريخ.
إطلالات بانورامية تحبس الأنفاس
وليست وحدها المياه التي تحظى بشعبية كبيرة لدى السياح، فحوالي 70% من أرض النمسا هي عبارة عن منطقة جبلية ألبية. ويعتبر ذلك أحد أسباب شهرة هذا البلد كوجهة سياحية لقضاء العطلات. فمثلاً تشتهر ;إنسبروك;، عاصمة مقاطعة ;تيرول;، بموقعها وسط جبال الألب. وتعد المكان الوحيد في العالم، حيث بإمكانك التسوق في مركز مدينة تاريخي يعود للقرون الوسطى، والانتقال من هناك خلال 20 دقيقة فقط إلى مطعم جبلي يقع على ارتفاع 2000 متر!
ومن على هذا الارتفاع بإمكانك الاستمتاع بشرب فنجان من القهوة مع مشاهدة إطلالات بانورامية تخطف الأنفاس. كل ما تحتاج لفعله هو أن تستخدم التلفريك ال مسمى ;نوردكيتينبان; الذي صممته المعمارية المعروفة ;زها حديد;. وبما أن ;إنسبروك; هي المكان الوحيد على الأرض الذي استضاف الألعاب الأولمبية الشتوية مرتين، فبإمكانك أن تتوقع مشاهدة مناظر مذهلة حقاً.
وللاستمتاع بالمزيد من الإطلالات البانورامية الرائعة من قمم الجبال دون بذل مجهود، فما عليك إلا التوجه إلى ;كيتسبوهل;، الوجهة السياحية الألبية المحبوبة التي توفر الكثير من الخيارات للوصول إلى القمة.
أما زيارة المنطقة 47 فتعد من الأمور التي تساعدك على عدم الخوف من المرتفعات، إذ أنها بمثابة متنزه مائي في الهواء الطلق تم افتتاحه في عام 2010 في وادي ;أوتز;. وتوفر هذه المنطقة المتعة والمغامرة من أجل العائلة بأكلمها على مساحة تبلغ 700 ألف قدم مربع. وتضم المنطقة المائية بحيرة للسباحة ومتنزهاً للتزحلق المائي المثير ومنصة للغوص والكثير غيرها.
ولكن لا يجب على محبي النشاطات في الهواء الطلق التسلق دائماً إلى أعلى جبل لمشاهدة إطلالة جيدة في النمسا، فمدينة فيينا توفر بعضاً من أفضل الإطلالات البانورامية. وتمثل إحدى جولات دولاب الملاهي العملاق المتفرد في متنزه ;براتر; الترفيهي في فيينا الخيار الأكثر تقليدية ورومانسية أيضاً، حيث يأخذ هذا الدولاب زواره إلى ارتفاع يصل إلى 60 متراً. ومن هناك سيوقن المشاهدون أن 50% من منطقة العاصمة فيينا مغطاة باللون الأخضر.
ويعد متنزه ;براتر; بحد ذاته واحداً من أكثر المواقع خضرة،كما أنه يضم بركاً وممرات تزينها أشجار الكستناء، بالإضافة إلى قطارات الملاهي الأفعواني ة ومتحف ;مدام توسو; للتماثيل الشمعية. وبمساحته التي تبلغ 65 مليون قدم مربع، فهو أكبر من متنزه ;سنترال بارك; في نيويورك.
عجائب الثلوج والجليد
وتتحول النمسا في فصل الشتاء إلى أرض عجائب من الثلوج والجليد تجذب ملايين الزوار. ومع ذلك، فإن الصيف لا يعني حرمان زوار النمسا من التمتع بتلك المناظر، فنتيجة للارتفاع الذي يبلغ أكثر من 3 آلاف متر، توفر جبال الألب النمساوية ظروفاً مثالية لوجود ;جليد أبدي; وثلوج على مدار السنة. فمثلاً، يعتبر نهر ;كيتسشتاينهورن; الجليدي مكاناً بارزاً على جدول كل زيارة إلى ;تسيل أم زي-كابرون;.
