أكد خبراء في قطاعي البنوك والإنشاءات أنه على الرغم من تقلص هامش أرباح المشاريع وتأخر تسديد المستحقات في دبي إلا أن الإمارة لا تزال تتمتع بأفضلية ما يعرف بميزة "المحرك الأول" لقطاع الإنشاءات بين دول المنطقة، وذلك لتوافر الخبرات التقنية والعملية والإدارية الطويلة في سوقي التمويل والإنشاءات فيها، علاوة على تطور قوانينها الاقتصادية وتمتعها بالاستقرار الأمني والاجتماعي، مشيرين إلى أن الكثير من دول المنطقة تحاول تقليد نموذج دبي، ذات الباع الطويل في إدارة العمالة وجلب المهارات ورؤوس الأموال وتنفيذ المشاريع الحكومية والخاصة بشكل فاق التوقعات.
وأشاروا إلى أن حجم عقود المقاولات والإنشاءات الممنوحة في دبي خلال الربع الأول من عام 2012 بلغ 1.5 مليار دولار أمريكي، منها 15% مشاريع بنى تحتية و15.3% مشاريع في قطاع الغاز والنفط، والباقي مشاريع عقارية، وذلك مقارنة مع 416 مليون دولار فقط حجم عقود الربع الأخير من عام 2011.
وشدد الخبراء على أنه لا بديل عن التقاء أصحاب المصلحة من بنوك ومطورين ومقاولين والتعاون معاً بهدف تجاوز عقبات التمويل والتسديد وإنعاش هذا القطاع الحيوي من جديد، بعد مضي ثلاث سنوات عجاف على القطاع، والاستفادة من فرص النمو الجديدة والعوائد النفطية الضخمة، التي يتمثل معظمها في مشاريع بنى تحتية وسكنية يقترب حجم استثماراتها من نصف تريليون دولار أمريكي، وتم الإعلان عنها في دول المنطقة. مشيرين إلى أنه في ظل تراجع السيولة في البنوك الأوروبية فإن البنوك الإقليمية سيكون لها دور أكبر في تمويل المشاريع الجديدة في قطاع أعمال المقاولات والإنشاءات، الذي يشكل جزءاً هاماً من اقتصاد الإمارات خصوصاً، والمنطقة عموماً، مشيرين إلى بروز مؤشرات أولية لبعض التحسن المعتدل في هذا القطاع وذلك على الرغم من أن سوق دبي لا يزال يفتقد أحد مؤشرات النضوج، وهو تحديد المخاطر المرتبطة.
خبرة البنوك المحلية
وقال نيكولاس ليفيت، رئيس إدارة الخدمات المصرفية التجارية في بنك إتش إس بي سي الشرق الأوسط، إن دبي لها قدم السبق في توفير الخبرات التقنية بفضل تاريخها الممتد في الاستثمار، مؤكداً سهولة تمويل المشاريع في الإمارة نسبياً، وذلك بفضل خبرة البنوك المحلية والأجنبية فيها وقدرتها على تحديد مخاطر الإقراض من دون مبالغة، خصوصاً وأن البنوك العالمية، التي كانت الممول الرئيسي للعديد من المشاريع الضخمة في المنطقة، أصبحت أكثر حذراً في ضخ سيولتها في المنطقة بعد أحداث الربيع العربي.
وأضاف ليفيت، خلال ملتقى إتش إس بي سي مع عدد من الشركات العاملة في قطاع المقاولات والإنشاءات: تجتمع في دبي العديد من خصائص المحرك الأول لقطاع الإنشاءات في المنطقة، وهي توافر الخبرات التقنية والنوعية المثلى لمشاريع البنى التحتية وتفضيلها كمركز انطلاق للكثير من شركات المقاولات المحلية والعالمية ودعم المشاريع الحكومية والخاصة الضخمة المقررة والمتوقعة في كل من الإمارات وباقي دول الخليج ودول الربيع العربي. وأضاف إن تسعاً من عشر شركات مقاولات عالمية اليوم تختار الإمارات، وخصوصاً دبي، كمركز إقليمي لها.
نمو طفيف
وتابع ليفيت قائلاً إنه على الرغم من تلك المؤشرات الإيجابية إلا أن حجم العقود الممنوحة في دبي لا يزال متواضعاً، حيث تم منح عقود مقاولات وإنشاءات بقيمة 1.5 مليار دولار أمريكي تقريباً خلال الربع الأول من عام 2012، منها 15% مشاريع بنى تحتية و15.3% مشاريع في قطاع الغاز والنفط، والباقي مشاريع عقارية، أي بزيادة طفيفة عن الربع الأول من عام 2011 والذي شهد عقوداً حجمها 1.2 مليار دولار، وبزيادة كبيرة عن الربع الأخير من عام 2011 والذي بلغ حجم العقود خلاله 416 مليون دولار. وأضاف: في حين لم نصل بعد إلى مستويات ما قبل الأزمة إلا أنه من الواضح أن هناك عودة للنشاط في القطاع.
وأكد أهمية التفريق بين سوقي أبوظبي ودبي الماليين من ناحية وبين قطاع العقارات من جهة أخرى، خصوصاً وأن الكثيرين ينظرون إلى هذين القطاعين على أنهما واحد دون التمييز بين الحيثيات المتعلقة بكل منهما. وقال: نحن نلاحظ انفراجاً، وإن كان بطيئاً، في تسديد القروض المتوقفة من جانب شركات التطوير، وفي دبي نلاحظ أن العمل عاد من جديد إلى العديد من المشاريع التي كانت متوقفة، خصوصاً بعد عودة الحديث الحكومي عن الإنفاق في مشاريع البنى التحتية من جديد مثل توسيع ميناء جبل علي وتوسيع مجمع دبي للاستثمار.
المقاول يفضل المشاريع الحكومية
من جانبه قال أسامة حمدان، الرئيس المالي لشركة دريك آند سكل، إن دبي أثبتت قدرتها على تنفيذ مشاريع بنى تحتية وسكنية فاقت توقعات الكثيرين، ولذلك تملك دبي اليوم الخبرات الثمينة والمتراكمة، وحين تريد المملكة العربية السعودية أو الكويت البحث عن نموذج ناجح فإنهما يتطلعان إلى دبي من حيث نجاحها في جذب الخبرات والمهارات وتأمين الموارد التمويلية من كافة أصقاع العالم، وكذلك في رسم استراتيجية بناء بنى تحتية فعالة نجحت في تحويل الإمارة إلى المركز السياحي الرئيسي في المنطقة. وهناك العديد من الدول تحاول تقليد نموذج دبي، ولكن القليل فقط يملكون خبرة الشركات في دبي على إدارة الموارد البشرية.
وأضاف: الكثير من المقاولين اليوم متعطشون للعمل حيث كان نشاطهم محدوداً للغاية خلال السنوات الثلاث الأخيرة، ومن الضروري توضيح أن المقاول ليس من يحصل على القروض لتمويل المشاريع وإنما هو المطور، وبالنسبة لنا كشركة مقاولات فإن المخاطر المرتبطة بالمشاريع الحكومية أقل بكثير من المشاريع الخاصة كالفنادق والأبراج والمكاتب، كما أن الكثير من المقاولين أصبحوا يعزفون عن الانخراط في هذه المشاريع لمخاوف تتعلق بقدرة المطور على تسديد دفعات هذا النوع من المشاريع، ولذلك فالأولوية بالنسبة للمقاول اليوم هي معرفة من هو صاحب المشروع ووضعه في السوق، خصوصاً وأن الكثيرين يعانون من مشاكل تحصيل الدفعات، كما أن البنوك لم تعد تدعم المقاول، ناهيك عن أن البنوك نفسها تعاني من وجود قروض متعثرة منذ بدأت الأزمة المالية العالمية.
هوامش ربح ضيقة
وأضاف حمدان إن هوامش الربح في هذا القطاع في الخليج لا زالت ضيقة بالمقارنة مع باقي المناطق في العالم، وإن شركات التطوير تعمل أحياناً لمجرد الحفاظ على التدفقات النقدية للتشغيل. وقال: هناك بعض المشاريع في قطر وأبوظبي والسعودية ذات هوامش ربح أعلى، ولكنها ذات دورة أطول تستغرق نحو 18- 24 شهراً، وهذا أحد التحديات.
ولكن هذا لا يلغي وجود عدد من المؤشرات الإيجابية في المشاريع الخاصة، فنحن نلاحظ عودة شركات تطوير كبيرة، مثل إعمار ونخيل، إلى طرح المناقصات من جديد بهدف الاستمرار في مشاريعها التي كانت متوقفة أو للمشاريع الجديدة مثل توسيع دبي مول أو هدم فندق ميتروبوليتان وبنائه من جديد، وإكمال كافة المشاريع المتوقفة في جزيرة النخلة والخليج التجاري ووسط مدينة دبي، ومشروع يونيفرسال ستوديو، وهذا سيدعم النمو الاقتصادي في دبي، في حين إن معظم المشاريع الإنشائية في أبوظبي حكومية مثل إطلاق متحف اللوفر في أبوظبي وإطلاق منطقتين صناعيتين حرتين وأكثر من 20 وحدة سكنية و14 مستشفى و24 مدرسة، وكلها تمت الموافقة عليها من قبل المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي.
وتخطط المملكة العربية السعودية لإنفاق 400 مليار دولار على مشاريع تحسين المطارات والطرق والطاقة على مدى خمس سنوات، بالإضافة إلى وجود خطط على المدى البعيد لبناء 20 مطاراً جديداً في أرجاء المملكة.
وهذا يمثل فرصاً كبرى، كما تخطط سلطنة عمان لإنفاق 22 مليار دولار، بالإضافة إلى المشاريع على المدى المتوسط والبعيد في قطر المصاحبة لإقامة نهائيات كأس العالم 2022، وسيكون للشركات الإماراتية دور في تنفيذ تلك المشاريع، خصوصاً وأن الشركات السعودية ستحتاج للخبرات المتوفرة في الإمارات.
الجشع في وقت الذروة
من جانبه قال ماهيندرا باتيل المدير التنفيذي لمجموعة غيب انترناشيونال للمقاولات: دبي تمكنت من عبور جميع الأزمات السابقة التي ألمت بالمنطقة والعالم بنجاح، ونحن هنا منذ 41 عاماً، ونلاحظ هذا بوضوح، ولا شك في أن الثقة عادت مجدداً إلى دبي على الرغم من المشاكل المالية التي أعتقد أنها ستنفرج في النهاية، خصوصاً وأن دبي تملك الخبرة في تنفيذ وتسليم المشاريع بالإضافة إلى إدارة العمالة بفعالية.
وبعد انقضاء عامين مخيبين للآمال في قطاع الإنشاءات هناك الآن مؤشرات تحسن ثابت وإن كان بطيئاً، وقد عادت الثقة إلى هذا القطاع منذ حوالي عام. وأعتقد أن تأخير تسديد المستحقات يؤدي إلى مشاكل حقيقية بالنسبة للمقاول، خصوصاً مع تقلص هامش الأرباح وازدياد المنافسة، وقد رأينا الكثير من شركات المقاولات تغلق أبوابها.
الأكثر تأثراً بالظروف العالمية
وبدوره قال فاروق سوسة، كبير الاقتصاديين في مجموعة سيتي المصرفية في الشرق الأوسط، إن دبي تملك ميزة المحرك الأول في سوق الإنشاءات في المنطقة، ومن المرجح أن تبقى مركز انطلاق عمليات قطاع الإنشاءات في المنطقة على المدى المنظور، وذلك على الرغم من أن أحجام مشاريع البنى التحتية المعلنة في دول الجوار تفوق نظيرتها في الإمارات، مضيفاً إنه على الرغم من أن دبي الأكثر تأثراً بالظروف الاقتصادية العالمية في المنطقة ومخاطر زيادة العرض على الطلب.
إلا أن هناك عدداً من المؤشرات الإيجابية كازدياد التجارة مع الشركاء الآسيويين والاستثمار الصيني والوضع القوي لبنوك الإمارة خلال هذا العام، ونشاط السياحة والتصدير ونسب الإشغال الفندقي الذي يعد الأكبر في الشرق الأوسط، مستبعداً حدوث مزيد من الانخفاض في أسعار العقارات السكنية في الإمارة.
