إذا كانت الخدمات اللوجستية هي العجلة التي تدفع المساعدات الإنسانية، فإن دبي هي الوجهة التي تشهد زخماً غير مسبوق في هذا المجال. ولا يوجد مكان في العالم اليوم بمنأى من الكوارث. ففي كل عام، تصيب الكوارث، مثل الزلازل والأعاصير والمجاعة وحوادث الإرهاب وأعمال الشغب والإضرابات نحو 200 مليون شخص مما يؤثر على نحو 3% من إجمالي سكان العالم. وكان لمنطقتنا نصيبها من الاضطرابات، بدءاً من الكوارث التي يسببها الإنسان كالنزاعات المسلحة والاضطرابات الاجتماعية، إلى الكوارث الطبيعية كالزلازل والمجاعات. وفي كثير من الأحيان، تجتمع أكثر من كارثة في وقت واحد. ولعل الوضع السيئ في منطقة القرن الإفريقي أبرز مثال لذلك فقد حذّر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية من أن الجفاف الشديد مع سنوات من الاضطرابات المدنية يشكل تهديداً لمعيشة السكان البالغ عددهم 12.4 مليون نسمة.

وإذا كانت الاستجابة للكارثة تتمثل في تنفيذ مهمات إنسانية فعالة، فإن تنظيم وحفظ ونقل وتوفير موارد الإغاثة للضحايا والمنكوبين بالطريقة المناسبة وفي الوقت المناسب هو التحدي الرئيسي الذي يواجه العالم. وفي حين تمتلك الدول الأكبر والأكثر ثراء القدرات الكافية لتقديم المساعدات لسكانها الذين يتعرضون لكارثة ما، فإن الدول الصغيرة أو تلك التي لا تمتلك قوة اقتصادية كافية قد تحتاج إلى دعم. وفي مثل هذه الحالات، تصل المساعدات عادة من الخارج عبر تنسيق جهود الإغاثة التي تقوم بها منظمات دولية متعددة.

وعندما يتعلق الأمر بنجاح المساعدات الإنسانية، غالباً ما يتم تجاهل الدور المحوري للخدمات اللوجستية. وهو أمر مستغرب، بالنظر إلى أن الخدمات اللوجستية تشكل حوالي 80% من عمليات الإغاثة، وفق مؤسسة كوفاتش أند سبينس المتخصصة في هذا المجال. وفي الواقع، فإن سرعة الآليات اللوجستية تعد من أهم العوامل التي يمكن أن تؤثر في عدد الأرواح التي سيتم إنقاذها، وفي التخفيف من درجة المعاناة، وهو السبب الذي يعطي ميزة لدبي مقارنة مع المدن الأخرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مجال الخدمات اللوجستية للمساعدات الإنسانية. خاصة وأن الإمارة تتمتع بمزايا استراتيجية تعود إلى عهد التجار القدامى، الذين استفادوا من قربها من أسواق افريقيا والهند وأوروبا.

وإضافة إلى موقعها الجغرافي المهم، قامت دبي بتطوير شبكة متينة من البنية التحتية الاقتصادية والعمرانية. كما أن ارتباطها اللوجستي عبر البر والبحر يشكل عاملاً في غاية الأهمية، حيث تقوم موانئ دبي العالمية، رابع أكبر مشغل للموانئ البحرية في العالم، بإدارة وتشغيل 60 ميناء عبر قارات العالم الست. وتتجسد قوة دبي في قطاع النقل الجوي في مطاريها، دبي ورلد سنترال ومطار دبي الدولي، وهما رابع المطارات ازدحاماً على الصعيد العالمي. ويضاف إلى ذلك التنوع الثقافي في دبي في إطار الاستقرار السياسي للدولة مما يوضح الأسباب التي تجعل من دبي نموذجاً مثالياً كمركز للأعمال ومقر للمهمات الإنسانية أيضاً. وهو ما يؤكد عليه البنك الدولي، ففي مؤشر الأداء اللوجستي 2010 والذي يصدره البنك كل عامين، احتلت دولة الإمارات المرتبة الأولى كمركز للخدمات اللوجستية على مستوى منطقة الخليج. وبالتالي فمن الطبيعي، أن تعتمد العديد من الوكالات والمنظمات الإنسانية الدولية مثل مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، وهيئة الهلال الأحمر الإماراتي، وأوكسفام، واللجنة الدولية للإنقاذ، على دبي لتنفيذ عملياتها في المنطقة.

وتشكل الميزات اللوجستية التي تتمتع بها دبي دعامة قوية لدعم جهود الحكومة الاتحادية الرامية إلى تعزيز الإمارات في المهمات الإنسانية. وفي عام 2008، أنشأت حكومة الإمارات مكتب تنسيق المساعدات الخارجية، مما ساهم في تعزيز المشاركة متعددة المستويات للإمارات بدلاً من التركيز على الدعم من خلال الوسائل الثنائية التقليدية. ويواصل قطاع الخدمات اللوجستية القيام بدور حيوي في عمليات هيئة الهلال الأحمر الإماراتي؛ فقد قادت المنظمة العديد من المشاريع الخيرية في عدة دول في افريقيا وآسيا، بالإضافة إلى مساعدة السكان في فلسطين وباكستان وأفغانستان واليمن والصومال. كما يقوم الهلال الأحمر الإماراتي بتوفير المياه الصالحة للشرب في البلدان التي تعاني من الجفاف والتصحر، وكذلك تجهيز المستشفيات في المناطق النائية في البلدان الفقيرة، وتوزيع مواد الإغاثة.

كما يدعم إطار عمل الخدمات اللوجستية في دبي عمليات مفوضية الأمم المتحدة العليا لشؤون اللاجئين في سعيها لتوفير مساعدات الإغاثة إلى الصومال. وتحفظ المفوضية العليا للاجئين مخزونها الأكبر من مواد الإغاثة المخصص لحالات الطوارئ في دبي ضمن المدينة العالمية للخدمات الإنسانية، والتي أسستها حكومة دبي لدعم العمل الإنساني في جميع أنحاء العالم. وفي النتيجة النهائية، فإن الحكم على نجاح أي مهمة إنسانية لا يتعلق بحجم وأطنان المساعدات، وإنما بعدد الأشخاص الذين تم إنقاذهم والتخفيف من معاناتهم. وفي حين أن مثل هذا النجاح قد يكون غير ملموس أو قابل للقياس، فإن دبي، بقدراتها اللوجستية المتطورة، سوف تواصل القيام بدور استراتيجي كمركز للمساعدات الإنسانية في الشرق الأوسط.