رأى الرئيس التنفيذي الأول لمركز دبي للسلع المتعددة أن مصارف الإمارات قد اجتازت ما أسماه بــ «منحنى تعلم» مزايا وفوائد الانخراط في الأنشطة التمويلية المرتبطة بقطاع السلع، وهو الأمر الذي قاد إلى تطوير نظرتها الاستثمارية لهذا القطاع ليصبح أحد أوعية الاستثمار المهمة لها، بعدما كان غائباً عن خريطتها الاستثمارية منذ 10 سنوات مضت. وأوضح أن المصارف المحلية لم تكن معتادة على التعامل مع قطاع السلع، ولكنها باتت الآن على قناعة بأهمية هذا القطاع في تنويع محفظتها الاستثمارية للحد من المخاطر إلى أدنى مستوى ممكن، وذلك انطلاقاً من الحكمة الداعية إلى تفادي «وضع البيض كله في سلة واحدة».
وقال أحمد بن سليم في حديث خاص لـــ «البيان الاقتصادي»: إن المصارف المحلية تتطلع الآن إلى أوعية استثمارية أخرى تتجاوز قطاعات العقارات والإنشاءات، وهي تنظر الآن إلى نطاق متنوع من السلع كالمنتجات المدرج تداولها في بورصة دبي للذهب والسلع، وصناديق التحوط المدعومة بالسلع وغيرها من المنتجات الاستثمارية المرتبطة بالسلع.
وأكد بن سليم أنه كان من المتعين على المصارف أن تجتاز بنفسها منحنى التعلم لكي تستخلص من تجاربها بشقيها الإيجابي والسلبي الدروس التي تعينها على تحديد ما هو صائب بالنسبة لها، معرباً عن اعتقاده بأن انفتاح شهية المصارف المحلية على الاستثمار في السلع مسألة تعود إليها، فهي تعلم علم اليقين ما تحتاج إلى فعله.
تطور نظرة المصارف
وتحدث عن الإشكالية التي كانت تعترض تمويل قطاع السلع في بداية إطلاق بورصة دبي للذهب والسلع بقوله: لدى قيامنا بالترويج لإيصال دبي للذهب والذي حل محله الآن منصة «دي أم سي سي ترايد فلو» اعتدنا أن يسألنا المصرفيون عن فائدة ارتياد هذا المجال الاستثماري في حين تحقق العقارات والإنشاءات عوائد سخية.
ولم يعد مثل هذا القول يتردد قط الآن، حيث صار المصرفيون مطالبين بتنويع المحافظ عبر الانخراط في خطوط أعمال تحقق نمواً متماسكاً، وأحد المزايا الوثيقة بأعمال السلع، هي اتصاف أدائها بالتماسك، حيث ترتبط بقوى الطلب والعرض، وتنهض في الوقت ذاته على مقومات تتميز بالبساطة واليسر.
وقدر أحمد بن سليم أن التطور الحاصل في نظرة المصارف المحلية إلى قطاع السلع لم يكن خياراً مفضلاً بالنسبة لها فحسب، بل كذلك خيار منطقي، بالنظر إلى أنه لم يعد مسموحاً لها أن تستثمر بما يزيد على 10 أو 15 % من قيمة محافظها الاستثمارية في قطاع العقارات، وبالتالي، كان من المتعين عليها أن تبحث عن فرص استثمارية جديدة في قطاعات أخرى.
واعتبر بن سليم مراحل تطور نظرة بنك الإمارات دبي الوطني لقطاع السلع كنموذج يعكس بصدق الدورة التي اجتازتها المصارف المحلية في التعرف على مزايا وفوائد هذا القطاع، فمن وجهة نظره، شهد بنك الإمارات دبي الوطني الكثير من التغييرات الداخلية، وهو انخرط في الأنشطة المالية المرتبطة بتداول السلع منذ بداية إطلاق بورصة دبي للذهب والسلع، وذلك بوصفه أحد بنوك المقاصة والتسوية، ولكنه في المراحل الأولى لم يكن نشطاً بالشكل المتوقع، حيث كان منهمكاً في القضايا المرتبطة بعملية الاندماج بين بنك دبي الوطني وبنك الإمارات والذي تمخض عنها نشوء كيان مصرفي عملاق وهو بنك الإمارات دبي الوطني.
وتابع شرحه للتطورات التي لحقت بنظرة بنك الإمارات دبي الوطني لقطاع السلع قائلاً: لقد كانت هناك تغييرات داخلية مرتبطة بعملية الإدماج وحسب علمي آنذاك، كان هناك تغيير شامل للفريق المسؤول عن قطاع السلع، والمعتقد في الوقت الحالي أن بنك الإمارات دبي الوطني يتحرك على مسارات جديدة ومختلفة، منها إضافة المزيد من التنويع لمحفظته الاستثمارية بأن تتضمن السلع كذلك.
وفي الجانب المقابل، قيّم أحمد بن سليم أداء بنك إتش إس بي سي في ما يتعلق بدوره كبنك تسوية ومقاصة للتداولات في بورصة دبي للذهب والسلع بأنه لم يكن في مستوى التوقعات والتطلعات، وشرح هذه النقطة بقوله: منذ بداية انطلاق بورصة دبي للذهب والسلع، كان أداء بنك إتش إس بي سي مثيراً للإحباط، سواء بوصفه بنكاً للمقاصة والتسوية.
أو وكصانع سوق بالنسبة لأسهم دبي الذهبية، فهو في الحقيقة لم يكن نشطاً بهذا المجال، ولم يكن تعظيم تنافسية أسهم دبي الذهبية مسألة تنطوي على تحديات جمة، وكان في الإمكان أن تحقق تفوقاً على مثيلاتها المتداولة في البورصات العالمية، حيث يوجد فقط 6 صناديق مدعومة بالذهب ويجري تداول أسهمها في البورصات العالمية، بيد أن بورصة ناسداك دبي لم تتمكن من رفع أحجام التداول إلى المستويات المنشودة.
واستدرك بن سليم في حديثه عن بنك إتش إس بي سي قائلاً: نحن شاهدنا بنوكاً واجهت تحديات ضخمة ولكنها تمكنت من تحويل هذه التحديات إلى فرص، وتمكنت كذلك من اجتياز مرحلة التغييرات الصعبة، فعلى سبيل المثال، تمكن بنك إيه بي إن آمرو من اجتياز تغييرات كبيرة دون أن يترتب على ذلك انفصاله عن «رويال بنك أوف اسكتلندا».
ولم ينجح في الحفاظ على بقاء وحدة الألماس والمجوهرات التابعة له فقط، وإنما افتتح كذلك مكتباً تمثيلياً في برج الألماس الذي صار مشغولاً بالكامل، ويناضل كبار اللاعبين من اجل الحصول على مساحات مكتبية فيه من خلال إنجاز عمليات الشراء في السوق الثانوي، ووصل سعر القدم المكعب الواحد إلى 350 درهماً.
وتناول أحمد بن سليم مسألة إقبال المصارف على افتتاح مكاتب تمثيلية لها في برج الألماس قائلاً : لقد افتتحت مؤخراً مجموعة الألماس والمجوهرات الدولية التابعة لبنك «إيه بي إن أمرو» أكبر مكتب تمثيلي لها في برج الألماس، ويعمل المكتب بوصفه بنكاً مختصاً بتقديم خدمات تمويل تجارة الألماس الخام والمصقول والمجوهرات، وبجواره، يوجد بنك دايموند.
وبالتالي، يضم برج الألماس الآن بنكين يعدان الأكثر شهرة في مجال تقديم خدمات تمويل تجارة الألماس، وهما الآن في وضع يمكنهما من الاستفادة من الفرص غير المستغلة في أسواق دول مجلس التعاون الخليجي، وذلك انطلاقاً من مقرات عملهما في إمارة دبي.
انفتاح الشهية على إيصالات دبي
وواكب تطور نظرة المصارف المحلية تجاه الأنشطة التمويلية لتجارة السلع انفتاح شهيتها تدريجياً على الأدوات التمويلية التي ابتكرها مركز دبي للسلع المتعددة لتسهيل عمليات تمويل التجارة والتي تتمثل أساساً في النسخ المختلفة لإيصالات دبي للسلع.
وتعد منصة «دي أم سي سي ترايد فلو» (DMCC Tradeflow)، أحدث نسخة مطورة من منصة الإيصال الدولي للسلع المتعددة والحائزة على عدة جوائز عالمية، والتي تم إطلاقها في عام 2004، وبرزت الإيصالات كأداة فعالة لتقليل المخاطر في نطاق متسع من السلع سواء أكانت تقليدية أو غير تقليدية، بإتاحتها للبنوك والمؤسسات المالية إمكانية تقليل مخاطر التعاملات المالية، وتوفيرها بيئة ملائمة لنمو تمويل تجارة السلع، وتعزيزها ممارسات الإقراض الآمن وفقاً لأفضل الممارسات الدولية، كما أنها تزيل إمكانية التمويل المزدوج لسلع معينة، وتقلل الخسائر المحتملة للبنوك.
والجدير بالتنويه أن منصة «دي أم سي سي ترايد فلو»، تجمع كافة الأطراف العاملة في مجال خدمات التمويل المرتبطة بالبضائع المخزنة، وسيتمكن مالكو السلع بفضل هذه المنصة من تخزين بضائعهم في مستودعات تحمل شهادات تقييم معتمدة، وتقوم تلك المستودعات بإصدار سندات ملكية الكترونية بالبضائع المخزنة عند طلب المالك تسمى «كفالات ترايد فلو» (Tradeflow Warrants)، ويمكن للمالك وقتها من استخدام هذه السندات ككفالة حق انتفاع أو لتحويل ملكية البضائع المخزنة وذلك بغرض الحصول على التمويل اللازم من الجهات الممولة.
وقد تم تصميم منصة «دي أم سي سي ترايد فلو» الجديدة بعد استشارات مطولة مع أصحاب المصالح المختلفين مثل أعضاء مركز دبي للسلع المتعددة العاملين في مجال تجارة السلع، والمؤسسات المصرفية الإقليمية ومشغلي مستودعات التخزين في الدولة، بالإضافة إلى خبراء من السوق العالمي. وتمت هيكلة المنصة بناءً على المبادئ الأساسية للإيصال الدولي للسلع المتعددة وهيكلها التعاقدي الموحد.
كما تم إضافة مميزات جديدة من شأنها أن تعزز الجوانب الأمنية للمنصة وتحسن من تجربة العملاء، بالإضافة إلى توثيق كافة نشاطات العملاء عبر نظام متطور على الانترنت، وقد تم تطوير المنصة الجديدة وفقاً لأفضل الممارسات العالمية في مجالي الصيرفة وتمويل تجارة السلع، والتي من شأنها ضمان امتثال الجهات الممولة بمتطلبات نظام بازل 3. ونظراً للطلب المتزايد من الجهات الممولة عالمياً، أطلقت منصة «دي أم سي سي ترايد فلو» برنامج فحص وتقييم المستودعات الخاصة بالسلع عالمياً.
قلق المصارف
واعتبر أحمد بن سليم توقيت إطلاق نظام إيصالات دبي للسلع بأنه كان سابقاً لعصره، حيث لم يدرك كثيرون حينذاك المزايا الكاملة أو الحاجة الضرورية لهذا النظام، واحتاج الأمر بذل الكثير من الجهد للتوعية بفوائده على صعيد تسهيل الأعمال التجارية، ودلل على ذلك بإشارته إلى أنه في مطلع إطلاق هذه الإيصالات، كانت البنوك في الإمارات بحاجة إلى وقت لكي تدرك فوائدها وتتبناها، بالنظر إلى هيمنة الممارسات التقليدية لتمويل التجارة من خلال الائتمان.
وبموجب هذه الممارسات، يحصل المقترضون على التمويل وفق أسس معينة، ومن ثم، فإن محاولات استحداث نظام للتسليف بضمان عيني من خلال إيصالات دبي للسلع، كانت ولابد وأن تصطدم بمقاومة من قبل المقترضين والبنوك على حد سواء، إذ صار مطلوباً منهم مواجهة تحدي إدارة تحول المقترضين إلى الاقتراض المضمون برهن.
وتابع حديثه بقوله: كان أحد دواعي قلق المصارف التي كانت سائدة منذ سبع أو ثماني سنوات مضت، أن عملاءنا لم يكونوا يفضلون التعامل مع هذه الأنظمة الإلكترونية، كما أن المصارف لم تكن ترغب في اجتياز منحنى التعلم وهذا وضع يعود إلى سبع أو ثماني سنوات مضت، فهي لم تكن تريد اجتياز منحنى التعليم والوعي فهذا كان أحد بواعث قلقها فهي كانت تخشى من أن تخسر عملاءها لصالح بنوك أخرى على اعتبار أن عملاءها غير معتادين على التعامل مع الأنظمة الإلكترونية.
ولهذا السبب لم تقفز وتنضم إلى الركب، وحتى الآن ومع بازل 3، فليس لدى هذه المصارف خيار أفضل لها من الاستثمار في السلع. حيث تتيح منصة «ترايد فلو» الفرصة للحصول على إيصال بالمخزون، وتضم المنصة مصارف ومديري ضمان ومشغلين لمستودعات التخزين، وينضوي كل هؤلاء تحت مظلة واحدة. ويعملون في إطار نظام واحد، وهو ما يسرع نظام العمل بأوراق أقل.
اختلاف التوجهات
بيد أن توجهات المصارف المحلية والأجنبية قد اختلفت عما كان عليه الأمر في بداية إطلاق أنظمة إيصالات دبي للسلع، حيث نجحت أنظمة إيصالات السلع في التغلب على معضلة رئيسية تعترض رؤية تحويل دبي الى مركز عالمي لتخزين السلع، وتتمثل ـ بحسب توصيف أحمد بن سليم ـ في كون دبي لا تعد مستهلكاً كبيراً للسلع.
ولا تعد في نفس الوقت منتجاً كبيراً، وهو ما لا يسمح بوجود مخزونات ضخمة في مستودعات التخزين، ولهذا، مثل الحل الناجع للخروج من هذه المعضلة من وجهة نظره في ابتكار واستحداث أشياء لا يفعلها الآخرون، بحيث يتم قياس النجاح بتحقيق نتائج لم يسبق للآخرين إحرازها.
وتحدث أحمد بن سليم عن توجهات المصارف والمستثمرين تجاه هذه الإيصالات بقوله: نحن رأينا اهتماماً ضخماً من قبل البنوك الأجنبية، فضلاً عن البنوك المحلية، كما رأينا إبرام الكثير من الصفقات عبر استخدام مثل هذا النظام، ومن المتوقع أن نشهد المزيد من الصفقات من قبل عملاء آخرين.
واختتم أحمد بن سليم حديثه بقوله: نحن نتحرك على محاور عدة لتعزيز القيمة المضافة التي تقدمها دبي كمركز عالمي للسلع حيث لم يقتصر عملنا على تقديم منتجات يجري تداولها في بورصة دبي للذهب والسلع كعقود الذهب والفضة والعملات والفولاذ وغير ذلك من التعاملات الآجلة التي تزيد تنوع المحفظة الاستثمارية للتجار والمستثمرين.
بل تحركنا كذلك في إطار توفير الحلول التمويلية من خلال استقطاب كبار المؤسسات المالية العاملة في مجال السلع، وتوفير آلية مبتكرة تعين التجار على الحصول على التمويل استناداً إلى مخزوناتهم، وذلك من خلال إيصالات دبي للسلع، كما تحركنا على صعيد إطلاق صناديق التحوط التي تلبي طلبات المستثمرين.
مليار دولار قيمة صفقات مولتها إيصالات دبي للسلع
أفاد أحمد بن سليم الرئيس التنفيذي الأول لمركز دبي للسلع المتعددة إن قيمة الصفقات التي جرى تيسير تمويلها من خلال أنظمة إيصالات دبي للسلع حتى بداية عام 2011 زادت على مليار دولار، بإجمالي عدد صفقات بلغ حوالي 2000 صفقة، مشيراً إلى أن هذه الصفقات غطت فئات عديدة من السلع، منها الصلب والمعادن والذهب والمعادن النفيسة والمنسوجات والطاقة.
وقدر بن سليم أن هيكلة تمويل السلع ليست مسألة خالية من التحديات، معرباً عن اعتقاده بأن منصة «دي أم سي سي ترايد فلو» تعالج أوجه قلق كافة الأطراف المشاركة في تمويل السلع، وتوقع أن يسهم هذا النظام في تحفيز قطاع تمويل السلع في عام 2012 وما بعده.
