أكدت معالي الشيخة لبنى بنت خالد القاسمي وزيرة التجارة الخارجية إن القادة لا يولدون بل تتم صناعتهم وان القيادة تتطلب التعلم المستمر والعمل الجاد والالتزام به قائلة إن أفعالنا وأقوالنا تنطوي على كثير من القيمة والأهمية ولذلك ينبغي أن نكون مسئولين عن علاقاتنا مع الآخرين الذين نقوم على خدمتهم
واضافت خلال الحديث عن تجربتها الشخصية في الاحتفال باليوم العالمي للمرأة أمس بفندق روتانا في ابوظبي ان التحديات أصبحت كثيرة في ظل عالم متغير يتسم بالتنافسية الشديدة والتحديات المتنوعة مما يفرض علينا بذل الجهد المضاعف والتيقظ بشأن المستقبل وأن نضع دائما أمام أعيننا بأن مستقبلنا هو ما نصنعه اليوم بأيدينا وبما اكتسبناه من موروثنا.
وأشارت وزيرة التجارة الخارجية في كلمتها إلى إن مكونات النجاح والتفوق والتميز لا تأتي مصادفة بل تكون نتاج عمل وجهد ومثابرة ، يضاف إليها المهارات الاستثنائية، وتلك المهارات تكون عديمة النفع في حال لم نمتلك الشخصية المناسبة والدافع لتحقيق كامل أهدافنا. كما أن الإنسان يتعلم من أخطائه أكثر من تعلمه من نجاحه، فجوهر الموضوع التعلم من الأخطاء لتفاديها في المستقبل. وقد تعلمت هذا الدرس جيداً من والدي وأخوتي، الذين علموني قيم المثابرة والاجتهاد والتخطيط للمستقبل. فوالدتي (حفظها الله) كانت تحثني دائما على السعي نحو تحقيق أحلامي وطموحاتي دون المساس بهويتي وتراثي ، أما والدي (رحمه الله) فقد شجعني على اكتشاف العالم والتعلم المستمر، وكان كثير الاهتمام لتعليم بناته. فحقاً إنني فخورة بما تعلمته منهم والذي كان له عظيم الأثر في حياتي العلمية والعملية.
وأضافت: لعل استعراض شريط تجربتي منذ مراحل التعليم الأولى وحتى الآن، نرى أنها مليئة بالدروس والعبر، وبالمثابرة والإنجازات، لكنها في الوقت ذاته لا تخلو من التحديات والصعاب، التي تحطمت أمام دعم القيادة وتشجيعهم لي، وأمام الإصرار والعزيمة على تحقيق الأهداف والوصول إلى الغايات التي تساهم في بناء الوطن وترفع شأنه في المحافل الدولية والعالمية.
المرحلة الأولى
في مراحل التعليم الأولى التي ما كانت لتتحقق بكل ما فيها من نجاح، لولا وجود نخبة من المعلمات والناظرات المخلصات اللاتي كن دافعا قويا لي للتفوق في التعليم. فمنذ المراحل الدراسية الأولى وحتى التخرج من الثانوية في القسم العلمي كان هدفي الأول هو النجاح والتفوق، إذ كنت لا أقبل بأقل من المراكز الأولى، وبدعم كامل من والدي ووالدتي. واصلت النجاح والتفوق بالسهر والجهد والمثابرة، فالتفوق الدراسي كان في حد ذاته تميزاً لكل واحد منا ، فلم يكن لدينا جوائز للتميز التربوي للطالبات ولا المعلمين ولا المعلمات، بل كان التميز أساسه التفوق الدراسي والنجاح . وهذه المرحلة من حياتي كان لها تأثير كبير في بناء شخصيتي . فقد تعلمت القيم والأخلاق والحرص على كسب احترام الآخرين .
المرحلة الثانية
بعد استكمال مرحلة الثانوية في القسم العلمي، والتي تخرجت منها والحمد لله بتفوق ، أتت مرحلة أصعب في حياتي، هي لحظة الاختيار التي سيبنى عليها المستقبل الوظيفي والحياتي.
وللعلم فإن فترة السبعينات مختلفة تماماً عن الفترة الحالية، حيث كانت والدتي (حفظها الله) لديها فلسفة في تربيتنا وتعليمنا تقوم على النظرة البعيدة والرؤية المستقبلية للأمور ، وكانت دائما تردد لنا ولكل من حولنا " سأعدهم وأهلهم لزمن غير زمننا " ، رغم عدم علمها بماهية هذا الزمن وكيف سيكون . كانت رؤيتها الاستشرافية لمستقبلنا الغامض أكبر دافع لنا لنتغلب على هذا التحدي، وتأخذ بأيدينا نحو النجاح . وهذه المرحلة علمتني الجهاد والمثابرة والقناعة والاحترام والتواضع، وعلمتني بأن لا يصيبني الغرور، وأن الإنسان الذي لا يحترم ماضيه، لا يحترم مستقبله.
المرحلة الجامعية
واخترت دراسة تقنية المعلومات التي لم يكن لها وجود في الإمارات في تلك الأيام. ولا أدري قد يكون هذا التخصص في ذلك الوقت بالنسبة لبلدي ضربا من الخيال. لكني لم أتردد ، إذ سنحت لي الفرصة أن أبتعث إلى هذه الدولة وفي هذا التخصص بمكرمة من الدولة وقائدها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله. وكان لهذه المرحلة أثر كبير في حياتي . فقد تعلمت من أساتذتي الحرص على التحصيل العلمي المميز حيث كانوا يكنون لي كل الاحترام والتقدير، ويشجعونني على دراستي، بعدما لمسوا تفوقي العلمي المتميز.
مرحلة العمل
بدأت مع هذه المرحلة، فترة التحدي الحقيقي ومواجهة الصعوبات، خاصة في رحلة البحث عن عمل في مجال تخصصي الدراسي. فبعد حصولي على شهادة علوم الحاسب الآلي بتقدير امتياز. كانت المفاجأة غير المتوقعة المتمثلة بعروض العمل العديدة التي قدمت لي في الولايات المتحدة ، مما شكل حافزاً للاستقرار هناك. لكن بالنسبة لي فإن الوطن يأتي في المقدمة، وله الأولوية في العطاء والعمل، إذ أنني بجهد هذا الوطن تربيت ونشأت وتعلمت. لذلك آثرت العودة للوطن و بدء العمل من نقطة الصفر دون استخدام لنفوذ أسرتي أو باعتماد على وضعي الاجتماعي.
لقد فضلت العمل في شركة هندية خاصة لتطوير أنظمة الحاسوب في إمارة الشارقة، براتب لا يزيد عن خمسة آلاف درهم، على العمل في وظيفة حكومية، رغم فروق الراتب بين القطاعين. لأن المهم بالنسبة لي لم يكن الراتب ، بقدر ما كان الخبرة التي كنت أبحث عنها والرغبة في العمل في ذات التخصص. فقد كنت أعمل منذ الصباح وحتى الساعة السادسة مساء، مطورة لأنظمة الحاسبات، وكنت الفتاة الوحيدة بل العربية الوحيدة بين مجموعة العاملين في الشركة الهندية. ولا أخفي عليكم صعوبة هذا الأمر لأهلي، لكن شغفي لهذا العلم وهذه التكنولوجيا، خلق بداخلي الإصرار والتحدي في التشبث بالوظيفة.
بعدها انتقلت للعمل في جامعة الإمارات في العين كمهندسة نظم معلومات. وقد آثرت أيضا البعد عن أهلي، بهدف الاندماج في العمل، وذلك بسبب شغفي وحبي لتخصصي رغم توفر فرص أخرى في الشارقة ودبي.
انتقلت بعدها للعمل في دبي. وكان أهم عمل حصلت عليه هو تطوير أنظمة التكنولوجيا في سلطة موانئ جبل علي ومنطقة جبل علي الحرة . واعتبر هذه الفترة حافلة بتجارب واكتساب خبرات متعددة. فقد كانت لإدارة موانئ دبي في تلك الفترة الفضل الكبير في تقدمي، بالإضافة إلى بروز قدراتي في العمل، إذ لم يكن سهلا أن أكون أول امرأة تتسلم منصباً قيادياً في هذا الميناء .
و تعلمت في هذه الفترة كيف يكون الإنسان صبوراً لنقل معلوماته للآخرين، وأن عليك فهم الآخرين إذا أردت أن يفهموك. كما تعلمت أن العمل الجماعي كان مهما جدا لإنجاح أي مشروع تكنولوجي في الميناء دون الاستفراد في الرأي. وتم تكريمي من قبل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم(حفظه الله)، ولي عهد دبي في ذلك الوقت الذي منحني جائزة "الموظف الحكومي المتميز" في العام 1999 (كأول فتاة إماراتية تحصل عليها وكانت عادة توجه للرجال)
مرحلة تجاري دوت كوم
وبمكرمة من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وتأكيدا لحرصه الدائم على إبراز التفوق والطموح لكل إماراتي، قام سموه بتعييني بمنصب مدير عام لشركة تجاري دوت كوم. وكانت هذه السابقة الأولى في تولي امرأة منصب تأسيس شركة. وقد كان هدف سموه أن يبرز دور المرأة وقيادتها في القطاع الخاص والحكومي وأن يعطيها الثقة الكاملة والدعم الشامل لتثبت وجودها.
وقد كانت هذه الرحلة الأصعب التي مررت بها، إذ توليت أيضا مهام رئاسة الفريق التنفيذي لمبادرة الحكومة الإلكترونية، كما التحقت بالجامعة الأمريكية في الشارقة لاستكمال دراسة الماجستير التنفيذي خلال العطلة الأسبوعية. وكانت حقا مرحلة شاقة دفعتني للتفكير بالتوقف عن الدراسة عدة مرات، لكن تشجيع والدتي وحرصها الشديد لاستكمال دراستي واهتمامها الكبير بحصولي على الشهادة، منعتني من التوقف.
هذه المرحلة بالذات علمتني شيئا مهما أن الإنسان قادر على إعطاء المزيد من نفسه إذا حاول، وإن الحدود والقصور والضعف هي من صنع الإنسان بنفسه إذا شك بقدراته.
مرحلة الوزارة
قالت معالي الشيخة لبنى القاسمي انه في 2 نوفمبر 2004 كانت المفاجأة الكبرى بالنسبة لي قبل الآخرين، حين طلبت مني القيادة حمل حقيبة وزارة الاقتصاد والتخطيط. ورغم سعادتي ونجاحي في عملي بالقطاع الخاص ووجدت بتشريفي بهذا المنصب رحلة تحد جديدة فيها كثير من الإيمان بالقدرات والثقة بالنفس.
ما دفعني بقبول هذا التحدي الكبير، هو وعد قطعته على نفسي لأكمل مسيرة أكبر قائد وأعظم رجل عرفته الإنسانية، والدنا جميعا المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله ،الذي علمنا الإنسانية بمعناها الحقيقي ، وعلمنا احترام الشعوب والتواضع والحلم والصبر والبذل والعطاء.
وفي عام 2008 تم تكليفي بحقيبة وزارية جديدة هي وزارة التجارة الخارجية، و قد قبلت التحدي، لما لقطاع التجارة الخارجية من دور حيوي ومهم في الاقتصاد الوطني وتنميته وتطوره .
وتم منحي العديد من شهادات التقدير على الصعيد الشخصي والمهني والحكومي، إلى منحي أعلى وسام رسمي في إيطاليا وفرنسا واسبانيا وجائزة الأداء المتميز مدى الحياة وعضوية مجلس القيادات النسائية العالمية للأعمال. ويضاف إلى ذلك منحي أكثر من دكتوراه فخرية في القانون والتكنولوجيا والاقتصاد من جامعات عالمية مرموقة.
