تثير ورقة السياسات بعض الأسئلة الجدلية في مجال بيئة الأعمال، مثلاً ما مدى الترابط مابين الاصلاح الاقتصادي ومتانة بيئة الأعمال. وتضرب مثالاً عن كل من الصين والهند اللتان تتمتعان بأداء اقتصادي متصاعد يتمثل بارتفاع معدلات النمو وبوتائر متسارعة في وقت لم تصل الاصلاحات فيهما الى مرحلة الكمال.
ويبدو أن القاسم المشترك للعوامل التي ساهمت في رفع مراتب الدولة على سلم التنافسية العالمية هو ارتفاع مستوى الانتاجية وبالتالي الدخل. فمثلاً ان نجاح سنغافورة هو ليس مستقل عن حقيقة أنها تمتلك أكثر بيئة أعمال كفاءة في العالم. وحتى الوقت الحاضر، فان أكثر الدول تقدماً لم تنم أسرع من غيرها من الدول ذات الممارسات العالمية المتقدمة نظراً لأن رفع الانتاجية حتى تصل الى مستويات عالمية يتطلب وجود ابتكارات حقيقية.
ان تبني ما يبتكره الآخرون في مجال التكنولوجيا، والممارسات الادارية أمر يسير. لكن ما يجدر ذكره هنا هو ان اتجاهات النمو الأسرع تأتي عادة من الدول التي تبرز من الخلف، وتحديداً تلك التي تطور بيئات العمل والاستثمار على أرض الواقع. وما أدل ذلك هما الهند والصين. فالصين رغم الخطوات التدريجية التي اتخذتها في طريق الاصلاح، الاّ انها عازمة بالسير في هذا الاتجاه. كما ان النشاط التجاري في كلا البلدين قد انطلق قبل الشروع باصلاحات واسعة في بيئة الأعمال، فالمهم هنا هو توقعات مؤسسات الأعمال.
فحينما تتوقع هذه الأخيرة اقدام الحكومة على التحرك باتجاه معين، فانها ستقوم بالاستثمار في ذلك الاتجاه، بل وحتى يحتمل أن تتحرك لتستثمر في مجالات معينة قبل ان تقوم الحكومات باجراء اصلاحات في تلك المجالات، حيث تستهدف المؤسسات من وراء ذلك اقتناص الفرص المتاحة. وكذا الحال في الهند، حيث قامت مؤسسات الأعمال فيها برصد بعض الانفتاحات التي قامت بها الحكومات بوصفها خطوة لاصلاح كبير باتجاه الابتعاد عن سيطرة الدولة على السوق.