استأنف الناتج المحلي الإجمالي للإمارات مسار الانتعاش خلال عام 2011 مدعوماً بارتفاع أسعار النفط وتعاف ملحوظ في قطاعي التجارة والسياحة على وجه الخصوص، كما يرجح أن يعزز هذا الانتعاش من النمو الاقتصادي خلال عام 2012.
وذكر التقرير الشهري لمؤسسة الخليج للاستثمار (فبراير 2012) أن الاقتصاد الإماراتي رسخ موقعه المتميز كملاذ آمن وسط الاضطرابات السياسية في مختلف أنحاء العالم العربي، حيث تظهر البيانات الأولية الخاصة بسنة 2011 أن قطاع السياحة والفنادق استفاد من الاضطرابات السياسية في المنطقة بشكل عام.
وذكر التقرير أنه في بداية عام 2011، كانت أسواق دول مجلس التعاون الخليجي تتهيأ لمواصلة الانتعاش، الذي كان قد بدأ بشكل فعلي خلال النصف الثاني من عام 2010 وسط تحسن واضح في معنويات المستثمرين، والتي كانت مبنية على أساسات صلبة من العوامل الاقتصادية الأساسية.
ولكن تفجر الحركات الاحتجاجية في العالم العربي والانتشار السريع لما صار يعرف بالربيع العربي فاجأ الأسواق، التي تأثرت بشكل كبير، وسيطرت التقلبات الحادة على أدائها وسط حالة غير مسبوقة من عدم اليقين.
وظلت هذه التقلبات مخيمة على الاسواق المالية رغم القفزة الكبيرة لأسعار النفط نتيجة لحالة الاضطراب الجيوسياسية في المنطقة. وأثر الارتباط الوثيق مع الأسواق المالية العالمية بدوره على أسواق الأسهم الخليجية، مما دفع مؤشر ستاندارد أند بورز للأسهم الخليجية إلى الهبوط بنسبة 4.5% خلال العام الماضي.
أساسيات اقتصادية خليجية متينة
وأكد التقرير أن النشاط الاقتصادي في دول مجلس التعاون الخليجي شهد تحسنا في أعقاب فترة ارتفاع تاريخي لأسعار النفط. مشيراً إلى أنه على الرغم من التوقعات المعتدلة لحجم الطلب العالمي، فقد بلغ متوسط سعر خام برنت حوالي 115 دولاراً للبرميل مدعوما على نحو رئيس بتوقعات بتعطل متكرر للإمدادات نتيجة للاضطرابات السياسية في شتى أنحاء المنطقة.
وأضاف: بينما تبقى مخاطر الاتجاه النزولي بالنسبة لأسعار النفط موجودة على المدى القصير، إلا أن تقديرات المحللين مازالت تشير إلى مستويات مرتفعة للأسعار على المديين المتوسط والطويل.
ويتم توجيه الفوائض المالية الضخمة إلى الإنفاق على مشروعات البنى التحتية، والتي توفر قوة دافعة للنمو المستدام للقطاع غير النفطي، الذي من المتوقع أن يحقق، بحسب المحللين، معدلات نمو قوية خلال عامي 2012 و2013. وإلى جانب ذلك، فقد أسهمت السياسات المالية الفعالة والتوسعية لحكومات دول مجلس التعاون الخليجي في حفز النمو الاقتصادي في القطاع الخاص.
وتمضي جهود الإصلاح هي الأخرى قدما في مختلف أنحاء المنطقة. فبرنامج الخصخصة في الكويت والإصلاحات الاقتصادية الليبرالية الجديدة في كل من قطر والإمارات وسلطنة عمان يتوقع أن تشكل على المدى المتوسط عوامل محفزة للنمو الاقتصادي يمكن أن تساعد الأسواق المالية.
مرونة وسط هبوط عالمي
وأضاف التقرير: كان على أسواق الائتمان العالمية خلال عام 2011 أن تصارع سلسلة من التطورات الاقتصادية المعاكسة شملت أزمة الديون في منطقة اليورو، والكساد الاقتصادي والأزمة المالية في الولايات المتحدة، والركود في اليابان، بالإضافة إلى المخاوف من التباطؤ في النمو في الأسواق الناشئة ولاسيما الصين.
وعلى الرغم من ذلك، فقد تميز أداء أسواق الائتمان الخليجية بالمرونة والقدرة على التكيف بفضل عدة عوامل، منها قوة الطلب المحلي والارتباط المحدود نسبياً بتدفقات الأسواق الناشئة ومتانة العوامل الأساسية. وتمكنت أسواق الائتمان الخليجية من استيعاب عدد غير قليل من إصدارات السوق الرئيسة للسندات.
تأثر كبير بالأسواق العالمية
وفي ظل توقعات ضعيفة بخصوص الانتعاش الاقتصادي العالمي وعدم وضوح الرؤية بشأن اتجاه الأسواق العالمية، تشير مؤسسة الخليج للاستثمار إلى أنه من غير المرجح أن تشهد أسواق الأسهم الخليجية انتعاشا طويل الأمد تقوده الأرباح خلال النصف الأول من عام 2012.
وتضيف المؤسسة في تقريرها: على الرغم من الدور الرئيس الذي يمكن ان تلعبه حركة أسعار النفط في تحديد اتجاه أسواق الأسهم الخليجية في المدى المتوسط، فإن اتجاهها على المدى القصير ستحدده الاتجاهات في الأسواق العالمية، فيما يرجح أن يرتفع مستوى التذبذب في الأداء مع محاولة الأسواق قياس وفهم مستوى المخاطر الاستثمارية.
وقد حول المستثمرون تركيزهم خلال العام 2011 نحو القطاعات المحلية التي ليس لها انكشاف على الأسواق العالمية كقطاعات التجزئة والاستهلاك والاتصالات والإسمنت، حيث فاق أداء هذه القطاعات مستويات السوق القياسية في النصف الثاني من العام.
تحسن وضع البنوك
وعلى صعيد القطاعات، فيبدو أن القطاع المصرفي في كل من المملكة العربية السعودية وقطر يتجه نحو تحقيق مستوى نمو جيد في الأرباح خلال العام 2012، متفوقاً على نظرائه في الدول الخليجية الأخرى، خاصة بعد التوسع الملحوظ في مستوى الإقراض الذي شهدناه خلال العام 2011.
ويشهد وضع البنوك تحسنا تدريجيا منذ الانهيار الذي حدث في عام 2008، حيث تحسنت نسب رأس المال بشكل كبير بعد إجراءات البنوك الرامية إلى الحد من المخاطر، وأخذ المخصصات اللازمة في مواجهة القروض المتعثرة، بالإضافة إلى الدعم الحكومي في بداية الأزمة.
وبالنسبة لقطاع البتروكيماويات فقد تراجع الاهتمام به بشكل نسبي مؤخرا إثر تراجع الطلب من الأسواق الناشئة وتجدد المخاوف من حدوث ركود اقتصادي عالمي. ويتوقع أن يسجل معدل نمو الأرباح انخفاضا ملحوظا في المدى القصير مع استمرار التراجع في الأسعار.
نموذج أعمال مستقر
ويقدم قطاع الاستهلاك والتجزئة نموذج أعمال مستقرا نسبيا يساعد المستثمرين في الحد من عناصر المخاطر الكامنة حاليا في الاقتصاد العالمي. ويظل هذا القطاع مؤهلا لتحقيق أداء جيد على المديين القصير والمتوسط، مدعوما بعوامل ديموغرافية إيجابية ومستويات دخل وإنفاق مرتفعة. وبالإضافة إلى ذلك، يتمتع عدد كبير من الشركات المدرجة في هذا القطاع بتدفقات نقدية مستقرة وتوقعات جيدة للنمو وتقييمات جذابة.
وتشكل الخارطة الديموغرافية لدول مجلس التعاون الخليجي عنصر جذب لشركات الاتصالات أيضا، ولاسيما مشغلي الهواتف النقالة. ويستقطب هذا القطاع اهتماما كبيراً بفضل طبيعته قليلة المخاطر، حيث ظلت إيرادات الاتصالات إلى حد كبير بمنأى عن تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية. ومع التغيرات الأخيرة في التكنولوجيا واتجاهات استخدام المعلومات، حققت أجهزة الموجة العريضة وخدمات المعلومات نموا كبيرا يمكن أن يحفز نمو الربحية بالنسبة لقطاع الاتصالات الأوسع.
توسع الإنفاق الاستثماري السعودي
وذكر التقرير أن التوقعات الخاصة بالمملكة العربية السعودية لعام 2012 تشير إلى نمو قوي للناتج المحلي الإجمالي في ظل بقاء الإنتاج النفطي مستقرا إلى حد كبير واستمرار توسع الحكومة في الإنفاق الاستثماري.
وأضاف: على الرغم من أن البيانات الاقتصادية تظهر نمواً كبيراً في الناتج المحلي غير النفطي خلال عام 2011، إلا أن وتيرة هذا النمو قد تتراجع إلى مستويات معتدلة خلال عام 2012 مع انحسار تأثيرات الزيادات في التقديمات الاجتماعية والرواتب.
وتشير أرقام ميزانية عام 2012 إلى استمرار التوسع في الإنفاق وخاصة الإنفاق الاستثماري، حيث تضمن الفوائض المتراكمة الضخمة استمرار الإنفاق الحكومي لعدة سنوات مقبلة بغض النظر عن الحالة المتقلبة لأسعار النفط على المدى القصير. ورغم عدم زوال بواعث القلق بشأن تأثير تراجع الطلب على النفط وانخفاض أسعار السلع الأولية، تبقى أسعار النفط عند مستويات مرتفعة لاعتبارات جيوسياسية.
ويقدر عدد كبير من المحللين 75 دولاراً للبرميل كنقطة تعادل لموازنة ميزانية الدولة لعام 2012 مقارنة مع مستوى 115 دولاراً كسعر وسطي للبرميل، الذي سجله خام برنت خلال عام 2011، مما يعني توفير غطاء مالي احتياطي كاف.
نمو الناتج القطري
وتظل قطر أحد أسرع الاقتصادات نمواً في العالم بفضل الإطلاق الناجح للعديد من المبادرات لتعزيز طاقة إنتاج الغاز خلال السنوات القليلة الماضية، لكن من المتوقع أن يبلغ معدل النمو مستويات معتدلة ولكن مستقرة اعتباراً من عام 2012 مع اقتراب طاقة الإنتاج من مستوى الذروة.
وتتيح الإيرادات النفطية المتزايدة والأنشطة المرتبطة بقطاع الغاز نطاقاً ماليا إضافياً يسهل بدوره الإنفاق على مشروعات البنى التحتية ومواصلة الاستثمار طويل الأجل في القطاع العام.
فدولة قطر تشهد حالياً فورة توسعية غير مسبوقة في مجال البنى التحتية، كما أنها أعلنت مؤخراً خططاً للإنفاق تبلغ قيمتها ما يقارب 150 مليار دولار أميركي على مدى خمس سنوات، حيث يتوقع إنفاق حوالي 80 مليار دولار من هذا المبلغ على البنى التحتية الرئيسة والملحقة للمنشآت المخصصة لاستضافة كأس العالم لكرة القدم 2022.
نمو بطيء كويتي
وتشكل الإيرادات النفطية حوالي 95% من الإيرادات العامة في الكويت، وبالتالي فإن القفزة الحالية لأسعار النفط تشكل قوة دفع إيجابية للفوائض المالية الحكومية. ومع ذلك فإن سجل الكويت في مجال تنفيذ المشروعات المقررة مازال متواضعاً، كما أن الخلافات بين السلطتين التشريعية والتنفيذية عرقلت تنفيذ عدد كبير من المشاريع على مدى السنوات السابقة. وبالإضافة إلى ذلك تفتقر أسواق المال إلى عوامل محفزة الأمر الذي يحد من مستوى التوقعات الإيجابية لعام 2012.
فالمشكلات العالقة التي تحيط بعدد كبير من الشركات المدرجة والتي تؤثر على بعض الأسهم القيادية تزيد من بواعث القلق بشأن سوق الأسهم الكويتي، كما أن عدم وضوح الرؤية بشأن قوانين هيئة سوق المال المنشأة حديثاً قد فاقم الموقف حيث يضطر المستثمرون من الشركات أو المؤسسات إلى الالتزام بقيود صارمة.
وكذلك من المرجح أن يسجل نمو الأصول في البنوك الكويتية تراجعاً ملحوظاً خلال عام 2012 حيث مازالت البنوك مترددة بشكل كبير في معاودة التوسع في الإقراض على الرغم من التوقعات بأن تتحسن دورة تجنيب المخصصات خلال عام بشكل عام 2012 رغم بقاء تداعيات بعض المشكلات المتعلقة بنوعية الأصول.
عمان في مفترق طرق
وتركز سياسة سلطنة عمان الاقتصادية متوسطة المدى على تنويع مصادر الدخل الوطني بعيداً عن الاعتماد على الإيرادات النفطية بشكل حصري. إلا أن حزمة التقديمات الاجتماعية والتي أقرت بعد الاضطرابات التي حدثت في بداية العام 2011 سوف تشكل عبئاً إضافياً على الميزانية الحكومية التي مازالت تعتمد بشكل كبير على الإيرادات النفطية.
وتبقى السلطنة أحد أفضل الأسواق تنظيماً في مجلس التعاون الخليجي حيث تتمتع بمستوى جيد من الإفصاح المالي والشفافية إلا أنها تعاني من انعدام العمق وانخفاض السيولة. ويتأثر الاقتصاد العماني على نحو شديد ومباشر بأسعار النفط. ورغم ذلك تبدو السلطنة ملتزمة تجاه خطط الانفاق متوسطة الأجل حيث يبقى تطوير البنى التحتية محوراً رئيساً للاهتمام والتركيز.
انتكاسة للطموحات في البحرين
وشكل تصاعد الاضطرابات الاجتماعية في أعقاب الربيع العربي انتكاسة لطموحات البحرين في ترسيخ مكانتها كمركز مالي إقليمي. وعلى الرغم من تسجيل أول زيادة في إنتاج النفط منذ عدة أعوام، إلا أنه من المتوقع أن يتباطأ النمو نتيجة لصرف التوترات المحلية اهتمام الحكومة عن قضايا التنمية الرئيسة.
كما أنه من المتوقع أن يؤثر تراجع أعداد السياح نتيجة لهذه الاضطرابات بشكل ملموس على الاقتصاد البحريني. وإلى جانب ذلك، فقد أثرت الأزمة المالية العالمية والاضطرابات الاجتماعية بصورة كبيرة على أسواق الأسهم التي لاتزال تعاني من تبعات قلق المستثمرين.
وعانى القطاع المصرفي والذي يعتبر أحد أهم القطاعات الاقتصادية في البحرين هو الآخر بشكل كبير خلال الأزمة، وبالتالي فإن التحسن في الوضع الاقتصادي والاجتماعي يعتبر ضرورياً قبل أن نشهد أي انتعاش في القطاع المالي الحيوي.
