استقبلت الإمارات والعالم والمنظمات والمؤسسات العلمية الدولية بالترحاب إعلان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي رعاه الله، إطلاق المبادرة الوطنية طويلة المدى لبناء اقتصاد أخضر في دولة الإمارات، تحت شعار "اقتصاد أخضر لتنمية مستدامة" والتي تهدف لأن تصبح الدولة أحد الرواد العالميين في هذا المجال.

وتضمنت المبادرة الوطنية 6 مسارات هي (الطاقة الخضراء والسياسات الحكومية لتشجيع الاستثمارات في التقنيات الصديقة للبيئة، والمدينة الخضراء، والتعامل مع آثار التغير المناخي، والحياة الخضراء والتكنلوجيا الخضراء) لبلوغ ذلك الهدف السامي الذي لن يكون بعيد المنال بتضافر الجهود المخلصة، وتفرض تلك المسارات متطلبات واستحقاقات ينبغي التعامل معها بجدية وهذه قراءة تحليلية في تلك المتطلبات مساهمة في الجهد الوطني ودعماً لكل الجهود المبذولة لتحقيقها ولاحقاً نناقش متطلبات المسار الخامس في مبادرة الاقتصاد الأخضر التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم فيسمى الحياة الخضراء حيث يشمل مجموعة من السياسات والبرامج الهادفة لترشيد استخدام موارد الماء والكهرباء والموارد الطبيعية بالإضافة لمشاريع إعادة تدوير المخلفات الناتجة عن الاستخدامات التجارية أو الفردية.

إن بناء اقتصاد وطني قوي وتنافسي ينبع من التسلح بالعلم والمعرفة واتباع الاساليب والمعايير العالمية، وهذا النهج في الحقيقة هو العنوان الابرز في المرحلة المقبلة، التي تتطلب منا تضافر الجهود وبذل المزيد من العمل لوضع بصمة جلية لدولة الامارات في الخارطة العالمية في المجال البيئي.

 

ترشيد الاستهلاك

ركزنا في الحقات لاماضية على ترشيد استهلاك الكهرباء والتحول لحلول الطاقة البديلة لذا سنركز على ترشيد استهلاك المياه في هذه الحلقة. فقد أصبح وجود برامج للحوافز المادية والمعنوية عاملاً أساسياً في زيادة اندفاع المستهلكين لتوسيع نطاق الترشيد، سواء أكان ذلك الترشيد لجهة استخدامات المياه أو الكهرباء أو الموارد الطبيعية بالنسبة للمصنعين. أن الأرقام الصادرة عن الهيئات المختصة بقطاع المياه في الدولة، تقول بأن معدل استهلاك الفرد من المياه العذبة، يصل إلى حوالي 500 لتر يومياً وهو من أعلى المعدلات في العالم، وأن المياه تمثل أحد أهم التحديات التي تواجه الإمارات، نظراً لانخفاض معدلات الأمطار السنوية، وكون الصحراء تغطي 74% من مساحتها.

وتشير تلك الأرقام إلى أن الطلب الأكبر على المياه يأتي من القطاع الزراعي حيث تقدر الدراسات حجمه بحوالي 70%، مع التوقع بأن يزداد خلال الأعوام المقبلة، تليه الاستخدامات المنزلية والصناعية وغيرها.

ويقدر حجم استهلاك المياه في الإمارات حاليا بحوالي 4,5 مليارات متر مكعب سنويا، يأتي ثلثاها من مصادر المياه الجوفية، في حين يبلغ إجمالي إنتاج محطات التحلية بنحو 1,1 مليار متر مكعب سنوياً، بينما تبلغ حصة المياه المعالجة التي يتم إنتاجها نحو 200 مليون متر مكعب سنويا، وتعد الإمارات ثاني دولة في العالم من حيث إنتاج المياه المحلاة.

 

دعوات

لذا أصبح ضرورياً جداً في إطار المبادرة الوطنية التركيز على الجيل الحالي من جميع المراحل التعليمية، لإكسابهم المهارات والمعارف والسلوكيات الصحيحة في ترشيد استهلاك المياه، وضم آخر ما توصلت إليه التكنولوجيا في المحافظة على المياه، وترشيد استهلاكها، واتباع أفراد المجتمع أساليب ترشيد الاستهلاك اليومي للمياه في المنازل والمرافق العامة، واتباع القيم التي دعا إليها ديننا الحنيف في هذا المجال والعادات التي تزخر بها ثقافتنا حول المحافظة على الموارد الطبيعية وترشيد الاستهلاك، لا سيما وأن معدلات الاستهلاك اليومي للمياه في الدولة تتجاوز المعدلات العالمية.

أن ترشيد الاستهلاك الفردي يجب أن ينبع من القناعة بأهمية المياه والتكاليف الضخمة التي تتحملها الدولة لتوفير المياه العذبة وتوصيلها إلى المستهلك، والتي تعد من أهم العوامل التي تؤدي الى نجاح برامج التوعية وترشيد استهلاك المياه.

 

تحديات

تعد الإمارات من الدول التي تعاني من نقص في مواردها المائية الطبيعية لعدة عوامل من أهمها قلة هطول الأمطار وارتفاع درجات الحرارة ومعدلات التبخر، وضعف مخزون المياه الجوفية العذبة وضعف معدل تجددها السنوي، إلى جانب ارتفاع معدلات الطلب على المياه عموماً في كافة القطاعات، نتيجة للزيادة السكانية والطفرة الاقتصادية والتنموية بالدولة.

بالطبع تستحق الجهود الرسمية كل تقدير وثناء لاسيما في يتصل بالعمل المستمر من السلطات المختصة في إجراء الدراسات الخاصة بالموارد المائية، بهدف متابعة أوضاع الخزانات الجوفية وتقييم خصائصها الطبيعية ومستويات الاستنزاف والتملح، ممثلة على ذلك بدراسة حول إمكانات خزانات المياه الجوفية العميقة في بعض المناطق الجبلية، وأخرى حول المخزون الاستراتيجي للمياه، وثالثة مسحية حول المياه الجوفية والآبار فضلاً عن إجراء دراسات تتعلق بإدارة المياه في القطاع الزراعي بالتعاون مع المركز الدولي للزراعة الملحية.

 

النزاع على المياه

 

كانت المياه ومازالت مصدر النزاعات والأطماع رغم الاتفاقيات المبرمة دولياً نظرا" لاستهلاك بعض الدول كميات أكثر من واردها المائي المتجدد سنوياً نتيجة ارتفاع نسبة الكثافة السكانية ومعدل النمو فيها وكثرة احتياجاتها من المياه لأغراض متعددة. والوطن العربي يملك من شرقه إلى غربه 1% من المياه العذبة المتاحة في العالم مع أنه يضم قرابة 5% من سكان الأرض ولديه تزايد سكاني مرتفع جداً. وهذا الواقع يجعل معظم دوله تحت خط الفقر المائي الشديد أي أقل من 1000م3 للفرد سنوياً.

ومن المتوقع أن يتناقص نصيب الفرد فيه إلى أقل من 500 م3 سنويا"بحلول عام 2025 في معظم دول الوطن العربي. و أكدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) أن نحو 1.6 مليون طفل يموتون كل عام بسبب أمراض ناجمة عن تلوث المياه، حيث يموت حوالي 40000 طفل يومياً بسبب نقص المياه العذبة. وتشير الإحصائيات إلى أنّ 80% من أمراض مواطني العالم الثالث تُسببها المياه الملوثة، وأن مليار شخص في الدول النامية يُعانون من نقص مياه الشرب النقية.

وحسب اليونيسيف فإن كل شخص بحاجة إلى 20 لتراً من المياه يوميا للشرب وغسل اليدين وطبخ وجبة بسيطة ودون ذلك يصبح عرضة للأمراض.